الأربعاء: 14 نوفمبر، 2018 - 05 ربيع الأول 1440 - 09:03 صباحاً
ملفات
الأثنين: 22 يناير، 2018

كريم شاهين

كانت بداية توحي بعلاقة حميمة وقوية بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

فالمسؤولون الأتراك لم يخفوا غبطتهم مع فوز الأخير بانتخابات الرئاسة الأمريكية، منهياً حقبة زادت فيها حدة التوتر بين واشنطن وأنقرة بسبب تردد باراك أوباما في التدخل بشكل جدي في الأزمة السورية ودعم إدارته لقوات حماية الشعب، الميليشيا الكردية في سوريا التي يعتبرها الأتراك جناحاً من حزب العمال الكردستاني، المصنف كجماعة إرهابية.

وكان ترامب قد وصف إردوغان بالقائد القوي خلال حملته الانتخابية بسبب تصدي الحكومة التركية لمحاولة انقلاب في صيف 2016، كما كان من أوائل القادة الغربيين الذين قدموا التهنئة للرئيس التركي بعد فوزه في استفتاء في إبريل الماضي على السلطات الرئاسية، وهو استفتاء تم في ظل قانون الطوارئ ووصفه مراقبون أوروبيون بأنه غير عادل. ورد إردوغان الجميل بتعبيره عن تقديره للرئيس الأمريكي بعد فوزه بالانتخابات وهنأه شخصياً خلال زيارته للبيت الأبيض صيف العام الماضي بعد انتصار انتخابي وصفه بالأسطوري.

إلا أن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط عامة وسوريا خاصة ما لبثت أن عكرت الجو بين الحليفين الذين يشكلان أكبر جيشين في حلف الناتو، وهي علاقة تعود إلى بدايات الحرب الباردة عندما ساهمت تركيا في الحرب الأمريكية في كوريا وأصبحت معقلا ضد الشيوعية رغم قربها الجغرافي من الاتحاد السوفييتي.

ويكمن لب الخلاف في سياسات واشنطن حيال الحرب السورية، حيث طالب الأتراك بتدخل حاسم للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، خصوصاً بعد القصف الكيماوي من قبل قوات النظام على الغوطة الشرقية في 2013 والذي كاد أن يؤدي إلى تدخل أمريكي تم التراجع عنه في اللحظات الأخيرة، كما طرحوا فكرة منطقة حظر طيران رفضتها الإدارة الأمريكية.

ليس هناك شك في أن العامل الشخصي ساهم في توتر العلاقات الأمريكية-التركية، حيث صرح باراك أوباما فيما بعد بأنه أصيب بخيبة أمل حيال إردوغان، الذي كان يتوقع منه أن يلعب دور قائد إسلامي وسطي وجسراً للحوار بين الشرق الأوسط والغرب، ولكنه تحول إلى قائد أوتوقراطي.

إلا أن الخلافات وصلت إلى أوجها بعد القرار التكتيكي الذي اتخذته واشنطن بالاعتماد على المليشيات الكردية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الرقة، معللين القرار بالقول إن المعارضة السورية المسلحة لا تملك القدرة على مجابهة التنظيم بشكل فعال، وهو الأمر الذي اعتبرته أنقرة تهديداً مباشراً للأمن القومي. فحزب الPYD وجناحه العسكري الYPG يشكلان الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني PKK المنخرطة الدولة التركية في محاربته منذ الثمانينيات، وسيطرته على مساحات شاسعة من الشمال السوري على الحدود التركية ضد مصالح أنقرة مع اشتعال الصراع مع الPKK في 2015.

أدى توسع رقعة سيطرة الأكراد في سوريا إلى تدخل تركيا عسكرياً عن طريق عملية درع الفرات، التي وضعت حداً لامتداد تلك الرقعة غرباً باتجاه عفرين. إلا أن الدعم الأمريكي لم يتوقف، بل تحول تحت إدارة ترامب إلى دعم عسكري مباشر وتسليح للYPG قبيل معركة مدينة الرقة، عاصمة الخلافة. ورغم وعود أمريكية بوقف التسليح، إلا أن الولايات المتحدة أعلنت في الأسابيع الماضية نيتها إنشاء قوات حدودية في الشمال السوري تتضمن كعنصر أساسي الYPG، مما أثار حفيظة الأتراك ونيتهم التدخل عسكرياً مرة أخرى لإخراج الميليشيات الكردية من منطقة عفرين المحاذية للحدود التركية.

 

ويعتبر المتابعون للعلاقات بين الحليفين أنها وصلت لأدنى مستوياتها منذ عقود، رغم إصرار مسئول أمريكي الشهر الماضي في اجتماع مع صحفيين أن الخلافات لن تؤدي على المدى البعيد إلى انقطاع العلاقات بين البلدين، إلا أن الخطاب التركي أصبح شديد اللهجة في انتقاد السياسات الأمريكية ويوحي برغبة أنقرة التقرب أكثر إلى روسيا، مما يسبب القلق في الأوساط الغربية.

هناك أوجه أخرى للخلاف بالإضافة إلى سوريا.

فما زالت الحكومة التركية تطالب بتسليم فتح الله غولن، الواعظ الديني الذي قاد جماعة “حزمت” التي تغلغلت في صفوف الحكومة في مجالات القضاء والشرطة والجيش، والتي اتهمت بالقيام بمحاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة.

وتزعم الحكومة التركية أنها قدمت كل ملفات الأدلة الموجودة ضد غولن إلى وزارة العدل الأمريكية، إلا أنه لا يوجد تطور في القضية.

كما غضبت الحكومة التركية من واشنطن بسبب قضية رجل الأعمال وتاجر الذهب التركي-الإيراني رضا صراف، والذي مثل أمام محاكمة علنية في نيويورك بتهمة التحايل على العقوبات الاقتصادية ضد إيران، والتي قال صراف في إفادته أنه قام بها بعلم الرئيس التركي، بالإضافة إلى دفع رشاوي بعشرات الملايين من الدولارات لوزير الاقتصاد الأسبق ولمسئول في بنك هالكبانك المملوك من الدولة، وهو ما قد يؤدي إلى فرض عقوبات على المؤسسة ومن شأنه نشر اتهامات بالفساد حول الحزب الحاكم في تركيا، الأمر الذي قد يؤثر على حظوظهم في الانتخابات المحلية.

ازداد الغضب الأمريكي حيال أنقرة بسبب القبض في الخريف الماضي على مسؤولين من حاملي الجنسية التركية في قنصلية الولايات المتحدة في إسطنبول، بتهمة التعاون مع جماعة غولن. وبعد الحملة الإعلامية في الصحافة التركية الموالية، قررت القنصلية إيقاف استقبال طلبات التقديم على تأشيرات السفر إلى أمريكا في تركيا، والذي أدى إلى قرار مماثل من القنصلية التركية في الولايات المتحدة، أدى إلى منع المواطنين الأمريكيين من الحصول على تأشيرة سياحية. واستمرت تلك الأزمة قرابة الشهرين قبل الرجوع عن القرار بعد نهاية العام الماضي.

واغتنم الرئيس التركي قرار إدارة ترامب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، داعياً إلى اجتماع لمنظمة التعاون الإسلامي OIC والتي ترأسها حالياً تركيا في إسطنبول، حيث أصدرت بياناً تعتبر فيه القدس الشرقية عاصمة لفلسطين. واستغل إردوغان الغضب الشعبي في تركيا ضد القرار بالإضافة إلى خطابه المناهض لواشنطن لتجييش قاعدته الشعبية، التي أظهرت استياءها من سياسات الرئيس وحزبه عندما خسر في استفتاء العام الماضي في المدن الكبرى، أنقرة وإسطنبول وإزمير، رغم فوزه العام في الاستفتاء.

وعلى الرغم من بعض المحاولات المتقطعة للتهدئة بين الحليفين، إلا أنه من الواضح أن العلاقات قد تسير من انتكاسة إلى أخرى. فبسبب تركيز تركيا على القضية الكردية في سوريا، ترى الحكومة أن من مصلحتها دعم المحاولات الروسية إيجاد حل للأزمة السورية حتى إذا بقي بشار الأسد في الحكم، فالمسؤولون الأتراك لا يطالبون برحيل الأسد كشرط مسبق للمفاوضات في اجتماعاتهم الأخيرة مع الصحفيين.

إلا أن التطور الذي أدى إلى قلق شديد في واشنطن وحلف الناتو عموماً هو إعلان تركيا عزمها شراء نظام الS-400 المضاد للطائرات والصواريخ الذي تصنعه روسيا.

يقول مسؤولون أتراك في لقاءات مع الصحفيين الأجانب إن الهدف من شراء منظومة الـS-400 هو عدم موافقة الولايات المتحدة على التبادل التكنولوجي الذي يتيح لتركيا نسخ أو تطوير منظومة الدفاع الباليستية الأمريكية. ورفض مسؤولون في الولايات المتحدة وناتو فكرة دمج منظومة S-400 في الأنظمة الدفاعية للتحالف، بل على العكس، فشراء المنظومة قد يؤدي إلى فرض عقوبات من قبل الكونجرس الأمريكي على تركيا بسبب أن شراء المنظومة الدفاعية قد يعني التطاول على العقوبات الاقتصادية الموقعة على روسيا من قبل واشنطن في الأعوام الماضية.