الثلاثاء: 17 سبتمبر، 2019 - 17 محرم 1441 - 06:29 صباحاً
بانوراما
الخميس: 29 أغسطس، 2019

فاطمة بدري

هزَّ وقوف عازفة الكمان اللبنانية جويل سعادة لدقائق، في حفل افتتاح بطولة غرب آسيا لكرة القدم، الذي أقيم مؤخراً في محافظة كربلاء، الشارعَ العراقي وأقعده، وأثار حفيظة جهاتٍ سياسيةٍ ودينيةٍ مختلفة في البلاد، طالبت بفتح تحقيقٍ عاجل في الغرض.

 

اعتبرها بعض العراقيين امرأةً “سافرة”، تجرّأت، دون أن توشح نفسها بالسواد، على العزف في مدينة كربلاء “المقدسة”.

 

وبعد أيامٍ قليلةٍ أثار عرض أزياء نسائي أُقيم في منطقة الحبانية السياحية التابعة لمدينة الفلوجة، غضبَ رجال الدين الذين طالبوا بمحاسبة المشرفين على التظاهرة “المسيئة عمداً للأعراف العشائرية للمدينة وأهلها”.

 

وفي الحالتين، يبدو أن خرق الصور النمطية التي وضعتها عشائر، وطوائف، وميليشيات للمرأة في العراق، كفيلٌ بوضعها على لائحة المسيئات، الواجب محاسبتهن بطرقٍ مختلفة، قد تصل حدَّ القتل.

 

“سياسات ترهيب لترك التعليم”

تغيّر وضع المرأة العراقية كثيراً منذ صعود تيارات الإسلام السياسي، وازدياد نفوذ الأحزاب الدينية، والميليشيات الطائفية بعد الغزو الأمريكي عام 2003.

 

وتزايدت لسنوات أفعال العنف ضدها، وباتت عرضة للاعتداء والزجِّ بها في السجون، حيث تتعرّض المئات من النساء لضروبٍ مختلفة من التعذيب، وحتى وصول الجماعات المتطرفة التي أعادتها، في فصولٍ مختلفةٍ ومناطق عدة من البلاد، إلى عصر الجواري.

 

وكان لتصريحات بعض رجال الدين النافذين بشأن المرأة، والتي تم تمريرها عبر وسائل الإعلام، دورٌ كبيرٌ في إجازة الاعتداء على النساء لإخضاعهن بالقوّة للنُظم الاجتماعية الجديدة المُعلنة.

 

ولا توجد أرقام حقيقية للنساء اللواتي ذهبن ضحية القتل بسبب الخروج عن الضوابط الدينية والعشائرية التي سادت في البلاد بعد 2003، ولكن بعض الحقوقيين العراقيين تحدّثوا عن حملاتٍ شرسة تستهدف النساء من فترة إلى أخرى.

 

وهذه الحملات مستمرّة حتى اليوم، وتقوم بها في الغالب عناصر تابعة لمليشياتٍ مسلحة، تابعة بدورها لأحزابٍ سياسيةٍ مشاركة في الحكم.

وبحسب محاسن عبد القادر، الأستاذة الجامعية في كلية “النسور” ببغداد، تهدف تلك التحرّكات لإثارة الرعب في نفوس النساء، لإجبارهن مبدئياً على الخضوع لسلطة المجموعات الدينية، والتخلّي عن لعب أدوارٍ ونشاطات خارج المنزل، وحتى التخلّي عن مواصلة الدراسة.

 

توضّح محاسن رأيها أكثر: مورست سياسة ترهيبٍ وتخويفٍ كبيرة أجبرت الكثير من العوائل على حمل بناتهم على ترك عملهن أو دراستهن، سواء في المدرسة أو الجامعة، خوفاً من التعرّض للخطف أو القتل على يد هذه الميليشيات، وأدى بالكثير منهم إلى الهجرة حفاظاً على حياته.

 

“الأحزاب الدينية والمليشيات كرّست سياسة التخويف في أبشع صورها العبثية واللاإنسانية، ضد الفكر المتنوّر”

وتقول الأكاديمية العراقية إن الأحزاب الدينية والمليشيات كرّست سياسة التخويف في أبشع صورها العبثية واللاإنسانية، ضد الفكر المتنوّر وضد المظهر العصري، خصوصاً بعد سنوات الصراع الطائفي الشرس وانتشار العصابات المتحصّنة بالدين، التي بدأت بفرض قيودها على الحريات الشخصية، فصار من الصعب خروج المرأة مكشوفة الشعر، أو وهي ترتدي البنطلون، أو أي ثياب اعتادت لبسها سابقاً، أو أن تقود السيارة، لأن هذا قد يعرّضها للاعتداء أو الخطف أو القتل أيضاً.

 

أصبح العبء مضاعفاً على المرأة العراقية، تكمل عبد القادر، المعروف عنها تحمّل مسؤوليات كثيرة في العمل والبيت، نتيجة الحروب الكثيرة وانشغال الرجل أو عدم تواجده بسبب الخوف من التحرّك خارج البيت.

 

وهذه الظروف وضعت المرأة في مأزقٍ أكثر تعقيداً كونها الطرف الذي كان يتولّى القيام بمهام كبيرة خارج البيت عوضاً عن الرجل، الذي كان معرّضاً للخطر الطائفي، في كل خطوة يخطوها خارج بيته، على يد الميليشيات الموجودة في كل مكان، تخطف وتمارس القتل على الهوية، وبالتالي أصبح الخطر مضاعفاً عليها، فإما البقاء وتعريض الرجل لخطر الموت الحتمي، أو مجازفتها بالخروج تحت ضوابط أُعدّت لها.

 

وترى عبد القادر أنّ سيادة العقلية الذكورية المستندة على أفكارٍ دينيةٍ فُسِّرت على مقاس مصلحة الرجل، والتي أباحت للرجل حرية التصرف دون الرجوع للقانون ودون التفكير بكيان الأسرة.

 

تعرضت المئات من العراقيات لضروبٍ مختلفة من التعذيب، وحتى وصول الجماعات المتطرفة التي أعادتها إلى عصر الجواري

 “صار من الصعب خروج المرأة في العراق مكشوفة الشعر، أو وهي ترتدي البنطلون، أو أي ثياب اعتادت لبسها سابقاً، أو أن تقود السيارة، لأن هذا قد يعرّضها للاعتداء أو الخطف أو القتل”

وتستحضر عبد القادر إلغاء قانون تم سنّه قبل 2003، ويحدّ من الارتباط بزوجة ثانية، لاشتراطه أخذ موافقة الزوجة الأولى في المحكمة، ما تسبب في هدم الكثير من الأسر العراقية مؤخراً.

 

اغتيال ناشطات وتراخي السلطات

وهناك الكثير من قصص النساء اللواتي قتلن بسبب تغريدهن خارج سرب النظم العشائرية والأحزاب الدينية، كان آخرها مقتل أربع سيدات لا تجمعهنّ صلة، ولا ينتمين لأحزابٍ سياسيةٍ، ولا جامعاتٍ بعينها، ولكن يلتقين في مسألة دعم المرأة العراقية والخروج من الصور النمطية التي باتت عليها بعد 2003، وكما أعلن بعضهن بشكلٍ صريح عن دعمهن للمظاهرات الشعبية التي نُظِّمت في بغداد والبصرة.

 

في 16 من أغسطس 2018 قُتلت رفيف الياسري، خبيرة التجميل العراقية، وصاحبة أكبر وأشهر مركز تجميل (مركز باربي) في العاصمة بغداد، والمعروفة بتشجيعها على التظاهر ضد الفساد، والمطالبة بالحقوق الاجتماعية.

 

وعُثر على جثة الياسري بعد موتها خنقاً في منزلها على يد شخصين، كما ذكر تقرير نقابة الأطباء العراقيين- فرع بغداد، لكن وزارة الداخلية العراقية اعتبرت أن سبب الوفاة يعود لتناولها جرعة دوائية سمَّمتها.

 

وفي الـ23 من أغسطس 2018، أي بعد أسبوع على حادثة قتل الياسري، أُعلن عن وفاة رشا الحسن، والتي تمتلك ثاني أكبر مركز تجميل في العراق “فيولا”، ومطعم فيولا الخاص بالنساء، خنقاً، جرّاء تعرضها لنوع من المواد السامة، كما أكد ذلك شقيقها.

 

وفي الـ25 من سبتمبر 2018، قُتلت الناشطة الحقوقية سعاد العلي بمحافظة البصرة، أثناء صعودها لسيارتها برصاص مجهولين.

 

والعلي من مؤيدي المظاهرات التي نُظِّمت في البصرة ضد الحكومة المركزية، بسبب نقص مياه الشرب النظيفة والكهرباء وارتفاع معدلات البطالة في المحافظة الغنية بالنفط.

 

وترأس الناشطة القتيلة منظمةَ “الود العالمي” لحقوق الإنسان، وكان تعليق شرطة محافظة البصرة على مقتلها، أن العلي “قُتلت على يد طليقها بسبب خلافات عائلية”.

 

وبعد مرور 48 ساعة على حادث اغتيال العلي، أُعلن عن مقتل أحد أبرز نجمات العراق على مواقع التواصل الاجتماعي تارة فارس، بطلقات رصاص على يد مسلحين مجهولين، لدى خروجها بسيارتها من أمام منزلها في بغداد.

 

وتنتقد الناشطة الحقوقية العراقية أمل كبشي “تراخي السلطات العراقية في تتبع الجهات الضالعة وراء الحوادث المتكررة”.

 

 “النساء لازلن يقاومن بكل قوةٍ من أجل إقرار قانون لمناهضة العنف ضد المرأة، وتوفير آليات تمنع الإفلات من العقاب”

تقول الكبشي إن النساء في العراق يواجهن مختلف أشكال العنف، في ظل غياب آليات الحماية، ضعف مؤسسات تنفيذ القانون، انتشار السلاح والإفلات المستمر من العقاب.

 

وتشدد على أن النساء لازلن يقاومن بكل قوةٍ من أجل إقرار قانون لمناهضة العنف ضد المرأة، وتوفير آليات تمنع الإفلات من العقاب.

 

وتضيف أمل كبشي لرصيف22: رغم أن العمل في ظل الأجواء الأمنية الراهنة ليس سهلاً، ومحفوف بالمخاطر بالنسبة للناشطات والمدافعات عن حقوق المرأة، والتي تصل حدَّ تهديد أمنهن الشخصي، لكن الإيمان بحقنا في الحصول على بيئةٍ آمنةٍ وعادلة وحقوقٍ متساوية تجعلنا نواصل النضال.

 

وحسب تقديرات أممية فإنه لا توجد امرأة أو فتاة عراقية في مأمنٍ تام من التعرّض لما يهدّد أمنها أو انتهاك حقوقها الإنسانية، بما في ذلك الزواج القسري وغيره من ضروب العنف الجنسي أو العنف القائم على النوع الاجتماعي.

 

ولا يبدو أن وضع المرأة العراقية سيشهد انفراجةً قريبةً في ظلِّ اتساع سلطة المليشيات المسلحة، التي عادة ما تقوم بدور القاتل المجهول، ومنظومة قضائية وأمنية لا تتعامل بجديةٍ مع الانتهاكات الخطيرة التي تحدث باستمرار ضد المرأة. كما أن فصول المعاناة على الضفة الأخرى المتعلّقة بضحايا التنظيمات المتطرّفة ترجّح أن الوضع مفتوح على سيناريوهات قاتمة بالنسبة للمرأة، لا سيما بوجود أكثر من مليون ومئتي ألف امرأة عراقية مشردة منذ بداية عام 2014، وفق بعثة الأمم المتحدة في العراق.