الثلاثاء: 19 يونيو، 2018 - 05 شوال 1439 - 06:16 صباحاً
ثقافة وفن
الثلاثاء: 29 مايو، 2018

حامد فتحي

تشبه مسألة الهوية الثقافية قارباً في بحر. فطالما يسير بنجاح ظل الجميع على متنه، وإن أصابه الخلل، وأصبح مهدداً بالغرق، سارع الجميع إلى تركه.

تلك هي مسألة الهوية العربية، فحين كانت تنتج الحضارة كان الانتساب لها فخراً، وما إن تداعت وتجمدت حتى غدت منبوذة. ومنذ عصر النهضة العربية والاتصال بالآخر الأوروبي ومسألة الهوية مطروحة للنقاش: فمن داعية للتغريب التام إلى داعية للأصولية التامة، وما بينهما، وجدت تيارات ثقافية.

وأصبح كل جديد عرضة للتساؤل عن علاقته بثقافتنا، وعما يمثله لخصوصيتنا، وظهرت فكرة الغزو الثقافي، وتبلورت الأزمة بسؤال الأصالة والمعاصرة، الذي ما زال مطروحاً بعد مرور قرنين على بدايته، فهل يمكن أن نخرج من هذه الثنائية نحو ثقافة تتسامح مع الماضي، وتفسح مساحة للمستقبل في تكوينها وتجديدها.

ما هي الثقافة؟ ومن يصنعها؟

تنوعت تعريفات الثقافة، فمنها أنها هي النسيج الكلي من الأفكار والمعتقدات والعادات والتقاليد والاتجاهات. أو هي مجموعة من القيم والعادات والتقاليد والمعارف التي تميز جماعة ما. ويقول الكاتب والباحث السياسي مؤمن سلام : “إن الثقافة ليست فقط المنتج الفني والأدبي والفلسفي وغيرها من المنتجات الفكرية، بل هي أيضاً عاداتها وتقاليدها وعقائدها.

إنها أشبه ببرنامج تشغيل الكمبيوتر، فمن خلالها ينتهج الإنسان في حياته. والثقافة مكتسبة، فالإنسان يُولد بلا ثقافة، ثم يتشربها من خلال التنشئة الاجتماعية، ووفقاً لهذا فالمجتمع على مر تاريخه مسؤول عن صنعها، فهي بنيان دائم التطوير، يضيف إليه كل جيل، وتتشكل الثقافة بتفاعل الأفراد مع الطبيعة، وفي ما بينهم ومع الآخر”.

عرب أم ناطقون بالعربية؟

بدايةً لا يمكن إنكار الفرق بين العربية كثقافة، والعرب كعرق بشري، فالأولى مفهوم أوسع وأشمل، ويُعبّر عن الثقافة التي تشكلت من تفاعل المجموعة العرقية العربية مع شعوب حوض البحر المتوسط وأسيا وغيرها منذ التوسعات الإسلامية، بينما الثانية هي صفة دالة على العرب كعرق بشري، وهم سكان الجزيرة العربية وجنوب العراق والشام قبل التوسعات، ومن هاجر من القبائل للمناطق الجديدة، فبالتالي تُعتبر الثقافة العربية أشمل.

ويرى مؤمن سلام أن لفظة “عربي” خارج النطاق الأيدولوجي السياسي ليس لها معنى منذ ظهورها. فلا يوجد عرق يسمى “عرب” سوى قاطني الجزيرة العربية، ومن الناحية الإثنية نجد المصريين مثلاً، حسب تقرير ناشونال جيوجرافيك 68% منهم أفارقة، بجانب أقليات من الأمازيغ والنوبيين والأكراد والتركمان والشركس وغيرها من الإثنيات، منها العرب.

لذلك لا أقول “عربي” ولكن أقول ناطقون بالعربية، أو ما يمكن أن نسمية أرابوفون مثل فرانكوفون أي الناطقين بالفرنسية، أو أنجلوفون الناطقين بالانجليزية، فهل الناطقون بالفرنسية في أفريقيا أو آسيا والأمريكتين هم فرنسيون؟ بالطبع لا، كذلك الناطقون بالعربية ليسوا عرباً، يتابع سلام.

ويذهب الكاتب والباحث في الدراسات الإسلامية عصام الزهيري في حديثه لرصيف22 إلى تبني توصيف واسع للعربي يوافق الرؤية الواسعة للثقافة العربية، فيقول:

“إن أفضل تعريف للعربي هو تعريف يبدأ بعيداً عن السياق السياسي والأيديولوجي، وينطوي على أبعاد واقعية جغرافية وتاريخية وثقافية وحضارية، فليس ثمة شك في أن كتلاً بشرية متنوعة تتحدث كلها العربية، تعيش في منطقة جيوسياسية واحدة في قلبها مصر، ويرتبط أمنها ومصيرها إلى حد لم يعد في حاجة إلى دليل من التاريخ المشترك البعيد والقريب”.

ووجد في ظل هذه الثقافة العربية تنوعاً فكرياً وسجالات دينية، وحرية اعتقاد، ومذاهب متعددة، وجدلاً دينياً ثرياً، وقد حفظ هذا كله للحضارة العربية حيويتها.

تنوع من الثقافات والإثنيات والأديان واللغات

قصر الحمراء في غرناطة

يبيّن عصام الزهيري أن الثقافة العربية شهدت اختلاطاً واسعاً مع اللغات والثقافات السابقة من السريانية والفارسية واليونانية وغيرها، فهي ثقافة إنسانية الطابع، وما زالت تختلط بالثقافات الأخرى. وما يجمع هذا النسيج الواسع من الشعوب المنضوية تحت لواء الثقافة العربية هو اللغة العربية الفصحى.

بينما يرى مؤمن سلام أن الثقافة العربية الحديثة ليست ثقافة عالمية، إذا جاز لنا أن نقول إن هناك ثقافة عربية، بل على العكس هى ثقافة منغلقة تعتقد أن العالم كله يتآمر عليها ويريد تدميرها، لذلك تجد دائماً بعض الناطقين بالعربية يتحدثون عن “الغزو الثقافي”، فهم يرون في أى تفاعل أو تلاقح ثقافي خطراً ومؤامرةً، يجب الوقوف ضدهما ومحاربتهما، بالرغم من أن الحضارة العربية الإسلامية تأثرت بالتراث الفارسي والفلسفة اليونانية.

ويضيف عصام الزهيري: “أحد أوجه ثراء النسيج الثقافي العربي استيعابه للغات المحلية ما قبل العربية. علماً أن فرضية اختفاء هذه اللغات تُعتبر من قبيل الاستحالات أو الأساطير، فمن جهة لأن هذه الفرضية ضد الطابع والطبيعة البشرية وقوانين الثقافة والاجتماع البشري، ومن جهة أخرى لأن العربية الفصحى نفسها، وكما هو معلوم من التاريخ العربي، لم تكن أكثر من اقتراح لتوحيد اللهجات العربية المحلية في الجزيرة”.

ويؤكد الزهيري أن اللغة العربية لم تكن مزيجاً من اللهجات القبائلية المنتشرة في الجزيرة العربية فقط، ولكن دخلها الكثير من مفردات وصيغ التركيب الفارسية والسريانية والآرامية وغيرها. وهذا ما يعني أن اللغة بطبيعتها عرضة للتشكل والتطور والصقل بلا نهاية.

ويوافق مؤمن سلام على هذا الطرح، ويؤكد أن هذه اللغات لم تختفِ، بل اندمجت مع العربية مشكلةً ثراءً في لغات الشعوب، ويقول: “إن مفردات العامية أو اللغة المصرية الحديثة ما زالت تحتوي على مفردات اللغة المصرية القديمة مثل “إمبوه” و”تاتا” التي نقولها للأطفال و”قوطة” التي نقولها عن الطماطم وكذلك أغنية السبوع الشهيرة “حلاقتك برجلاتنك”، وأشهر أغاني رمضان مثل “وحوي يا وحوي” و”حالو يا حلو” و”إيحاه” التي هي إياح حتب زوجة الملك المصري تاعا الثاني.

الثقافة العربية: أفق مفتوح على المستقبل

تنبع إشكالية العلاقة بين الثقافة والتغيير من الرؤى التي تنمط المجتمعات في شكل محدد باسم الثقافة، فيصبح كل تغيير هو غزو ثقافي، وهجران لما يميزنا، عدا أن هذه الرؤية تحمل إقراراً بأحقية الماضي وحده في صنع الثقافة، وانعدام أي دور للمستقبل في التغيير.

وفي كتابه “تكوين العقل العربي” طرح المفكر محمد عابد الجابري رؤية للثقافة العربية بأنها هي التي تشكلت في عصر التدوين في نهاية العصر الأموي، والعصر العباسي، وأوضح أن ما نعيشه الآن هو استمرار لهذا التراث، داعياً إلى قطيعة معرفية، تستفيد من الماضي لا تعيد إنتاجه.

ويقول الجابري: “هناك من جهة تداخل بين العصور الثقافية في الفكر العربي، منذ الجاهلية إلى اليوم، مما يجعل منها زمناً ثقافياً واحداً يعيشه المثقف العربي، في أي مكان من الوطن العربي، كزمن راكد يشكل جزءاً أساسياً وجوهرياً من هويته الثقافية وشخصيته الحضارية. والسمة البارزة في هذا الزمن الثقافي العربي الواحد هو حضور القديم، لا في جوف الجديد يغنيه ويوصله، بل حضوره معه جنباً إلى جنب ينافسه ويكبله”.

ويرى الزهيري أن ما تشكل في عصر التدوين هو المصادر اللغوية العربية التراثية فقط، المعاجم والقواميس الكبرى، القرآن في صورته اللغوية النهائية المنقطة والمضبوطة بالشكل…إلخ، وليس الثقافة العربية، فالثقافة مفهوم حي ومتفاعل وعرضة للتشكل وإعادة التشكل باستمرار، بما في ذلك إعادة إنتاج فهم وقراءة وتأويل المصادر اللغوية والثقافية الموروثة.

ويضيف: ” من هنا أعد الثقافة العربية ككل الثقافات أفقاً إنسانياً مفتوحاً وواعداً بالمستقبل”.

الخصوصية الثقافية حق يُراد به باطل

يؤكد مؤمن سلام أن الخصوصية الثقافية هى عائق أمام أي تقدم، فكل أعداء التغيير والتطور يستخدمون الخصوصية كمبرر لرفض مفاهيم الحداثة ومنتجاتها، فالعلمانية والديمقراطية والحريات الشخصية وغيرها من قيم الحداثة بالنسبة للمنغلقين ثقافياً هي مفاهيم نشأت في سياقات أخرى تختلف عن خصوصيتنا الثقافية.

لذلك علينا عدم الأخذ بها بالرغم من أنها أثبتت نجاحات خارج أوروبا وفي سياقات مختلفة مثل شرق آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء، ولكنها حجة يتم استخدامها لمنع الانفتاح على العالم والتطور معه.

ويشير الزهيري أننا في حاجة لبلورة فهم قريب من الواقع لماهية “الخصوصية” ، فهي كلمة تشبه في مواضع كثيرة الحق الذي يراد به باطل، فيمكن التعاطي مثلاً مع حديث يتعلق بخصوصيات التطور الثقافي والحضاري والتاريخي العربي. ويرفض الزهيري الرؤى التي تتمسك ببعض العادات أو الأفكار وتحاول فرضها على مجمل الثقافة باسم الخصوصية، ويقول:

“لكن من يظن اليوم أن أموراً مثل اللحية والجلباب، أو التمييز ضد المرأة، أو الاستهانة بالحقوق الشخصية للمواطنين، أو اضطهاد المثليين، يمكن أن تمثل خصوصية لأي شعب، فبأي معنى؟ بل إني أتجاوز ذلك كله إلى القول بأن الدين نفسه لم يكن ليشكل خصوصية ثقافية حاسمة في منطقة غيرت شعوبها أديانها وعقائدها ومذاهبها عبر تاريخها عدة مرات، وبقيت الصلات بين شعوبها وطيدة، والتفاعل الثقافي فيما بينها قائماً ومستمراً، فلا يمكن تصور تجميد أو إلغاء الفاعلية الإنسانية تحت أي مسمى.”

الأصولية الدينية تصدر رؤية أحادية منغلقة للثقافة العربية

يوضح مؤمن سلام أن تحويل اللغة العربية إلى لغة مقدسة باعتبارها لغة القرآن على يد الأصولية الدينية، يجعل من المستحيل تطويرها، وفتح المجال أمام الكلمات الجديدة للدخول والاندماج بها، ويجعل من الهوية العربية، بالمعنى الأيديولوجي، هوية دينية ترتبط بالدين، خاصة أن تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام شبه مجهول، ولذلك فالحديث عن تاريخ للعرب يرتبط بالأساس بالتاريخ الإسلامي.

ولذلك أصبحت الهوية العربية في جوهرها هوية إسلامية ترتبط بالتاريخ الإسلامي، وأبطال الإسلام مثل خالد بن الوليد وعمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي الكردي وقطز القادم من وسط آسيا أصبحوا أيضاً أبطال العروبة، وهنالك علماء ليسوا عرباً في الأصل مثل ابن سينا والخوارزمي.

ويفسر الزهيري هذا المنحنى الأصولي بقوله إن الرؤى الأصولية تُجمد الزمان وتعيش خارجه، وذلك يرجع إلى توهمها امتلاك المطلق، مما يجعلها تعيش في الماضي، وتشيع تصوراً آحادياً للثقافة مرتبطاً برؤيتها الدينية.

مصحف برمينغهام

ويكمل الزهيري أن هذه الذهنية التي تتصور أنها تستطيع قراءة نصوص القرآن والحديث بنفس أشكال الفهم وطرائق الاستنتاج التي قرأ بها نفس النصوص أناس عاشوا في قرون سابقة، بدون الآخذ في الاعتبار تطور الحياة البشرية، يجعلها بلا شك ذهنية مأزومة لا يمكنها سوى تصدير أكثر التصورات زيفاً وجموداً عن مجتمعها وثقافتها، بل إنها، وللأسف الشديد، قادرة على إخراج مجتمعها وثقافتها من التاريخ كله، فلم يعد تهديد الانقراض بسبب سيادة هذه الذهنية المدمرة عنا ببعيد.

كيف يمكن الحفاظ على التنوع والتعددية داخل الثقافة العربية؟

يرى مؤمن سلام أن كل الثقافات يمكن أن تتعايش بعضها مع بعض، بشرط التخلي عن الاستعلاء أو الشوفينية، فعندما يعتقد أصحاب أي ثقافة أنهم الأفضل والأعلى ينغلقون على أنفسهم ويرفضون الآخر، وبدلاً من الاستفادة منه سيسعون إلى القضاء عليه ومحوه، لذلك يوجد بعض المؤمنين بالقومية العربية ينظرون نظرة شك وريبة تصل إلى حد التخوين إلى الأكراد أو الأمازيغ أو دعاة القومية المصرية، أو غيرهم من أصحاب الثقافات غير العربية.

وينفي عصام الزهيري وجود ثقافة أصلية لأي شعب حي اليوم، فكل ثقافة حية لا تسمى أصلية إلا لو تجمدت وماتت، كأن تكون ثقافة شعب منقرض مثلاً. كما لا يمكن وضع “ثقافة سائدة” كمقابل أيضاً إلا بشكل نسبي.

فالثقافة السائدة هنا قد تكون فرعية هناك، وبالعكس، وعليه، لا محل في الوعاء الحضاري البشري لغير ثقافات متجانسة ومتمايزة في نفس الوقت، منفصلة ومتصلة ومتفاعلة في آن واحد، وكل ظرف يشكل قطعاً مع هذا التعايش يظل ظرفاً عارضاً تاريخياً وعرضة للزوال حتى يستكمل وضع التعايش والتفاعل الطبيعي ذاته، يقول الزهيري.

ويتفق طه حسين في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” مع الآراء السابقة، ويقول: “ليست الثقافة وطنية خالصة، ولا إنسانية خالصة، ولكنها وطنية إنسانية معاً، وهي في أكثر الأحيان فردية أيضاً”.