الخميس: 28 يناير، 2021 - 14 جمادى الثانية 1442 - 08:10 صباحاً
دفاتر
الخميس: 2 مارس، 2017

محمد عزه

«كنت واحدًا من الملايين الذين عاشوا الفقر والحرمان، لأن الأب تخلى عن بيته، ولأن الأم لم تجد ما تسد به رمق أطفالها سوى الحكايات والأحلام». – جوزيف ستالين متحدثًا عن طفولته
قبل كل شيء
قبل كل شيء، عليك أن تعرف كون هذا التقرير يتحدث عن زمن الخوف والقمع، الذي يُضرب به المثل حتى يومنا هذا، هو الزمن الذي استطاع فيه جوزيف ستالين، أن يحسم الصراع على الحكم لنفسه عام 1928، بعد وفاة لينين، ومن ثم اتبع سياسات قمعية بوليسية، أدت إلى قتل وتعذيب وتشريد ونفي مئات الآلاف وربما ملايين البشر؛ سياساته القمعية لم تستثن شريحة من شرائح الشعب السوفيتي، سواء أعضاء في القيادة العليا للحزب، أو فلاحين، أو رجال دين، أو جنرالات، أو عمال.
لو كنت مواطنًا سوفيتيًّا في عهد ستالين، عليك أن تعرف حقيقة كون كل حركاتك وسكناتك مراقبة، وأي خطأ صغير قد يؤدي بك إلى الهلاك في معتقلات التعذيب؛ بتعبير الأديب البريطاني جورج أورويل: «الأخ الأكبر يراقبك».
وقبل أن نبدأ هذا التقرير، ندعوك أن تستمع لهذه المقطوعة وأنت تقرأه، ودقق السمع للتركيز مع صوت البيانو بها، لترى هل ستعذر جبروت ستالين لأنه استسلم له؟
موسيقى أسرت قلب الدكتاتور
هذا العزف الذي تستمع إليه الآن، هو آخر ما وجد على قرص الجرامافون المجاور لسرير ستالين، وقت وفاته، وهو من إبداع أنامل عازفة البيانو الروسية ماريا يودينا؛ تلك المرأة التي كان يقول عنها معجبوها بأنها تعزف بقوة 10 رجال.
في يوم من الأيام، فتح الدكتاتور الراديو، لتصادف أذنه عزف يودينا لكونشرتو موتسارت؛ رقص قلبه طربًا وشجنًا، وحين انتهى العزف، طلب من رجاله، أن يحضروا له أسطوانة هذا العزف فورًا.
كان الموقف عصيبًا للغاية على رجال الدولة السوفيتية، فلا أحد يستطيع إخبار ستالين بأن هذا العزف كان يبث مباشرةً، ولم يتم تسجيله.
لكن الحاجة أم الاختراع، ولا بد من إيجاد سبيل لتفادي غضب ستالين، وجاء الحل سريعًا بالفعل، حيث قام رجال الدولة بإحضار يودينا والأوركسترا على الفور إلى الأستوديو، وأُعطيت لهم مهلة ليلة واحدة، من أجل تسجيل العزف، ومن ثم نقله لغرفة ستالين على أسطوانة.
حين نقول جملة الوجه الآخر لستالين، الذي اقترن اسمه بالتعذيب والتشريد والقتل وخيانة الأصدقاء الثوريين، لا يأتي في بال المتلقي سوى الحديث عن الثورة الصناعية، وتحديث الزراعة، وتكوين قوة عسكرية خرافية، والجدية الصارمة في تطوير التعليم، والعناية بصحة المواطن السوفيتي، وغير ذلك من الإنجازات المادية التي حققها ستالين إبان حكمه، والتي كانت نتيجتها، تحويل الاتحاد السوفيتي إلى قوة عظمى، تتحكم في العالم مناصفة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
علمًا بأن نسبة كبيرة من الروس، يرون في ستالين حتى يومنا هذا، قائدًا مخلّصًا، وزعيمًا عز الزمان أن يجود بمثله.
لكن في الحقيقة ليس هذا هو الوجه الآخر لستالين الذي نود أن نتحدث عنه هنا، إننا نريد أن نتحدث عن وجه الإنسان ستالين، في وسط هذا كله.
بصعود ستالين للحكم، وصياغته لدولة بوليسية من مبادئ الثورة الروسية التحررية، اختار العديد من جيل الثوار الروس، الذين مسهم حلم الثورة التحررية، أن ينتحروا، وعلى الجانب الآخر، كان ستالين الذي عاش في حياته شابًا متمردًا وثائرًا على كل شيء حوله، وشاعرًا أيضًا، قد أصبح ناجحًا بشدة في التحول إلى شخصية براجماتية بيروقراطية واقعية قاسية، لقد نجح ستالين في أن يحول عذابات السنين، التي كان فيها ثوريًّا متمردًا، لا يملك مالًا، وبلا وسادة ثابتة، وبلا عمل؛ إلا كتابة المقالات للصحف كما يفعل أغلب الثوار في كل العالم، ويملك أحلامًا كبيرةً لا سبيل لها آنذاك، إلى واقع يكون هو سيده الأوحد؛ إلى نجاح باهر في نحت أسطورته الذاتية.
إذا كنت عزيزي القارئ واحدًا من هؤلاء الذين مستهم أحلام الربيع العربي، فأنت أفضل من يدرك صعوبة أن تخرج من ثورةٍ منتصرًا، حتى وإن كان ذلك في حالة ستالين قد جرى على حساب مبادئ الثورة ذاتها، ورفاقه فيها أيضًا.
كان ستالين يتمتع بإرادة حديدية، وقدرة على تحدي العالم وقواعده، ندر أن تجدَ مثلها؛ قوة الإرادة هذه جعلت ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا، يقول عنه بعد وفاته: كان يتمتع بقوة إرادة حديدية، حتى أنا من تربيت في البرلمان البريطاني الديمقراطي، لم أستطع يومًا أن أقول لستالين: «لا».
حين أرسلت والدة ستالين الخادمة الفقيرة ابنها للمدرسة المسيحية الأرثوذكسية، كي يحقق حلمها بأن يصبح رجل دين، لم تكن تتخيل أن طفلها الضئيل سيشكل إمبراطوريةً عظمى، يحارب فيها كل مظاهر التدين، ولم تكن الأم تتخيل أن تمرد ابنها ورفضه الذهاب لامتحانات المدرسة، يعني أنه اختار طريقًا آخر سيجعله الشخصية، ربما الأهم، في القرن العشرين.
هي قصة أم اختارت مملكة السماء، لأنها تعلم أن مملكة الأرض لا مكان فيها لأمثالها من الفقراء، هي وابنها «ابن الإسكافي»، لكن الابن تمتع بقوة إرادة صارخة، جعلته يختار بوضوح أن يُنشأ مملكته على الأرض، لا في غياهب السماء؛ التي لم يكن يرى فيها إلا الفراغ من كل معنى.
كان ستالين سليل أسرة من الفلاحين قهرها العمل بالسخرة، عند الإقطاعيين، وحين تجاوز الـ16 عامًا، قرر الشاب الذي أضفى الجدري الذي أصيب به في الطفولة، دمامة على وجهه، أن يمتنع عن حضور امتحانات اللاهوت، رغم تاريخه المبهر من التفوق في المدرسة، وأن ينخرط في صفوف اليسار، ويقرأ كثيرًا جدًّا في النظرية الماركسية الثورية.
كان الخيار واضحًا عند ستالين: هذا العالم لم يحبنا، ولا يمكن البقاء فيه إلا بتغييره؛ وآخر ما أريده هو أن أدرس تخمينات حول طبيعة السماء، أنا أريد أن أنخرط في الأرض وأحقق فيها كل أحلامي.
وإزاء خطته لحياته الجديدة، كان ستالين عبقريًّا وشجاعًا، ومنذ أن انخرط في العمل السياسي، اشتهر بالبراعة والكاريزما، والقدرة على الحسم الواقعي، وحتى المشاركة في الاغتيالات السياسية، وفي تأجيج غضب العمال ضد مستغليهم، وفي الهرب والتنكر من مراقبيه، كل هذا برع فيه ستالين بجسده الضئيل، كما لم يبرع فيه أحد آخر.
عودة إلى العزف الذي قهر جبروت ستالين

وصلنا إلى أن عزف يودينا لموسيقى موتسارت، وصل إلى ستالين، بعد ليلة شاقة من العمل المكثف لأجل إرضاء شهوة الدكتاتور، في امتلاك نسخة من هذا العزف الفريد.
كانت يودينا عازفة البيانو المُلهمة (1899- 1970)، امرأة متدينة في زمن يطارد فيه كل المتدينين، وثائرة بعزفها ضد محاولة إخراج «الله» من حياة البشر الحديثة، وكانت تعزف وكأنها تلقي على المسامع مواعظ كنسية، أو ترسم لهم طرقًا إلى الله، وكانت تقول دومًا إنها تعرف طريقًا واحدًا إلى الله: هو الفن.
حين وصلت الأسطوانة لستالين، قرر أن يكافئ يودينا بمبلغٍ كبيرٍ من المال، لكن حدث ما لم يتوقعه أي أحد؛ فالمرأة التي ألهمت ستالين بعزفها، ولمست بأناملها كل أوجاعه وذكرياته، أرسلت له ردًّا على مكافأته، رسالة شديدة اللهجة، لا يقدر أي فرد في الاتحاد السوفيتي آنذاك أن يرسل له مثلها.
أرسلت يودينا رسالة للقائد الملحد الذي يحارب كل مظاهر التدين، قالت له فيها إنها تبرعت بكل النقود التي أرسلها للكنيسة التي تزورها، كما قالت له إنها ستصلي لله، كي يغفر له خطاياه الجسمية التي اقترفها.
في ذلك العصر، كانت إشارة عابرة منك توحي بعدم تقديس الرفيق ستالين، كفيلة بأن تجعلك تقضي المدة البسيطة المتبقية من حياتك، في زنزانة تعذيب بشعة لا يتحملها بشر، فما بالك برسالة لستالين نفسه تقول له فيها إنك ستدعو الله، كي يغفر خطاياه الجسيمة، وبأنك أنفقت نقوده في التبرع لكنيسة.
في الواقع، كان لعزف يودينا مفعول صاعق على شخصية ستالين، وجعلته يصدر رد فعل ينافي فيه كل قواعد حياته، التي تقوم على إبادة كل من يحاول مزاحمته أو انتقاده، بسبب مقطوعة يودينا التي أسرته، باعتبارها تحفةً فنيةً لمست روحه، تصرف ستالين وكأنه شخص آخر غير ستالين.
في الواقع أمسك ستالين برسالة يودينا، وقرأها جيدًا، ثم طواها ووضعها في جيبه، وكأنها لم تحدث، حيث لم تتعرض يودينا إلى أي أذى نتيجة هذه الرسالة.
إزاء نشاطاتها المزعجة للأمن، والتي وصلت إلى حد إلقاء قصائد دينية ممنوعة لبوريس باسترناك على مسامع جمهورها، تعرضت يودينا للإبعاد والإقالة من التدريس، ومنعها من إحياء الحفلات أيضًا، لكنها لم تتعرض للاعتقال أبدًا، وكان القول الشائع آنذاك، إن يودينا متوفر لها حماية خاصة من الرفيق ستالين نفسه؛ كان لعزفها أثر السحر فيه، الذي كبل قسوته، ورغم أنه كان يحتقر كارهيه ومنتقديه في السر، الذين يلقي بهم إلى الهلاك، إلا أنه كان يرى في يودينا رمزًا للطهر، وكان يراها واحدة من هؤلاء الأتقياء المخابيل، الذين يضفون على الحياة الكئيبة معنى وروح.
لا أحد يعرف
على كل حال، لا يستطيع أحد أن يوقن بالسبب الذي جعل ستالين الملحد الشرس، يولع كل هذا الولع، بعزف امرأة ترى أن فنها هو الطريق الوحيد الذي تعرفه إلى الله، وتقول إنها رأت الله في الفن.
ويبقى السؤال المحير: لماذا كان آخر ما استمع له ستالين قبل وفاته، موسيقى مفعمة بالأسئلة الوجودية، التي تلح في محاولة العثور على المعنى وعلى الله؛ موسيقى تنضح بالاعتراف بعجز الإنسان أمام الحيرة .