الأربعاء: 26 سبتمبر، 2018 - 14 محرم 1440 - 11:21 مساءً
ملفات
الأثنين: 26 فبراير، 2018

حامد فتحي

رغم اختلاف التوجهات السياسية للأنظمة العربية، إلا أن هناك استخداماً شائعاً بين الجميع لكلمة واحدة هي البيعة. تستخدمها الدول الملكية لمباركة نقل السلطة بالوراثة، ويعبّر بها سياسيون ومؤسسات حكومية عن ولائهم للحاكم في جمهوريات. فما هي البيعة؟ وما هي دلالات استخدامها المعاصر؟

وقد لا يكون غريباً أن يصادفنا مصطلح البيعة في الأنظمة الملكية أو في أوساط الحركات المتطرّفة كتنظيم داعش الذي ادّعى أن قائده أبا بكر البغدادي تولى “الخلافة” بالبيعة. ولكن من الغريب أن يحضر اللفظ في الفضاءات السياسية للجمهوريات العربية.

“البيعة” في السياسة العربية المعاصرة

في كتابه “البيعة عند مفكري أهل السنة والعقد الاجتماعي في الفكر الحديث”، يعرّف أحمد عبد المجيد البيعة بأنها من المبايعة والطاعة، ونظرياً هي عقد تبادلي بين الأمة والخليفة، تترتب عليه حقوق لكلا الطرفين، وينفسخ إذا لم يقم الحاكم بواجباته.

ويقول الباحث في التاريخ سامح عسكر لرصيف22 إن البيعة آلية قديمة لتولي السلطة، ومارستها جميع شعوب العالم، من خلال مبايعة الوريث القوي داخل الأسر الحاكمة، ولا يُستثنى من ذلك إلا اليونانيين الذين مارسوا الديمقراطية في بعض فترات تاريخهم.

وبيّن الباحث السياسي عمرو عبد الرحمن لرصيف22 أن أغلب الممارسات السياسية العربية لا علاقة لها بالديمقراطية، وأن الدول العربية لم تتخلَّ عن البيعة كآلية للوصول إلى السلطة، حتى في النظم الجمهورية التي تمارس الانتخابات.

ومن الملاحظ أن نموذج البيعة الذي نظّر له الفقه السياسي السنّي لم يُطبَّق في التاريخ الإسلامي، ولا حتى في واقعة تولية أبو بكر السلطة بعد وفاة النبي، لأن ما حدث في السقيفة هو ترسيخ لعصبية قبيلة قريش على حساب سائر المسلمين، يقول الباحث السياسي علي الرجال لرصيف22.

ويضيف أن نموذج “الإمام المتغلب” هو الذي عرفه التاريخ السياسي الإسلامي إلى الآن، في جميع النظم الجمهورية والملكية، وليس البيعة الفقهية المثالية.

وفي كتابه “الفقه الإسلامي وأدلته”، بيّن الدكتور وهبة الزحيلي أن فقهاء المذاهب الأربعة أجمعوا على عقد الإمامة بالتغلب والقهر، إذ يصير المتغلب إماماً دون مبايعة أو استخلاف من الإمام السابق ودون أن يبايعه الناس. وتلخص مقولة “مَن قويت شوكته وجبت طاعته” هذه الرؤية.

الفرق بين البيعة والديمقراطية

يوضح عسكر أن الديمقراطية أشمل وأعم من البيعة، فالديمقراطية بيعة ولكن بالاقتراع، بمشاركة جميع الشعب، ومع صيانة حرية الاختيار.

ويقول هشام عوف، وكيل مؤسسي الحزب العلماني المصري-تحت التأسيس، إن البيعة تعبّر عن الصوت الواحد، والثقافة الواحدة، وحكم الفرد، وهي تاريخياً شكل من أشكال الحكم الشمولي، بينما الانتخابات هي التعددية، وقبول الآخر، وتقوم على احترام الفرد المواطن.

وتختلف البيعة عن الانتخابات في أمور عديدة، منها أن الفقه السنّي يذهب إلى ضرورة أن يكون الإمام من قريش، في مقابل الفقه الشيعي الذي يحصر الإمامة في ذرية الإمام علي، بينما في الديمقراطية يحق لكل مواطن أن يترشح للمناصب العامة.

واختلف فقه الخوارج عن الفقهين السني والشيعي، فجعلوا الخلافة حق لكل مسلم. ويقول محمد عابد الجابري في كتابه ” العقل السياسي العربي”: “ظهر الخوارج كتحالف لا قبلي، ووضعوا مبدأ أن الخلافة حق لكل عربي حر، وعندما التحقت بهم جموع من الموالي طوّروا مبدأهم فجعلوا منصب الخلافة من حق كل مسلم عادل حراً كان أو عبداً”.

 

ويشارك في الانتخاب مجموع المواطنين دون تفرقة على أساس الدين أو المكانة الاجتماعية، أما في البيعة، فينحصر حق الاختيار بـ”أهل الحل والعقد”، وهم هيئة خاصة، يُترك لهم الاضطلاع بمسؤولية اختيار الإمام، وعقد البيعة له، وهم يفعلون ذلك بصفتهم ممثلين عن الأمة، ولم يحددهم الفقه الإسلامي بدقة ولكنه وضع لهم شروطاً عامة هي: العدالة، والرأي والحكمة، والعلم، وفق ما ذكره محمد ضياء الدين الريس في كتابه “النظريات السياسية الإسلامية”.

وبرأي الرجال، فإن الشروط الفقهية لأهل الحل والعقد غير عملية، ولم يشهد التاريخ وجود مثل هذه الهيئة، ففي اجتماع السقيفة المثالي هُمّش علي بن أبي طالب، كما أن الصحابة لم يكونوا أهل حل وعقد، بل حاربوا وقتلوا بعضهم البعض في ما بعد.

وثمة اختلافات أخرى بين المفهومين ذكرها الريس منها أن الإمامة قد تنعقد بالنص، وذلك عن طريق ولاية العهد إلى شخص بعينه، كما أن مدة ولاية الحاكم لا تُحدّد بمدة، ولا يجب عزله حتى لو كان ظالماً، أو فاسقاً.

ويرى عسكر أن البيعة مرحلة تاريخية، ربما كانت الأنسب لظروف تطور الدولة العربية الإسلامية. ويتفق الرجال مع ذلك ويقول: “لم تكن الدولة الإسلامية متخلفة في السياسة عن وقتها، فلم تكن الديمقراطية معروفة في أي مكان في العالم”.

الجمهوريات العربية والبيعة… مصر نموذجاً

ترددت كلمة البيعة في وسائل الإعلام المصرية مع فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية لعام 2018، وسارعت شخصيات عامة ومؤسسات حكومية إلى استخدام مصطلح “مبايعة” لإعلان دعمها تولّي الرئيس السيسي فترة رئاسية ثانية.

وأفتى الشيخ السلفي سعيد رسلان في فيديو بحرمة الانتخابات، واعتبر أن الرؤية الشرعية لعزل الحاكم هي بموجبات العزل التي حددها الفقه، وليس بآلية الانتخابات، وقال: ولي الأمر لا يُنازع، لا في مقامه ولا منصبه ولا ينافس عليه، بل هو باق فيه إلا إذا عرض عارض من موانع الأهلية، أما إذا لم يعارض فلا يجوز غير ذلك.

ويقول هشام عوف إن ظهور مصطلح البيعة في الخطاب السياسي المصري كان نتيجة طبيعية جداً لمقدمات كثيرة تهدف إلى الاستئثار بالسلطة، عن طريق خنق المجال العام تماماً بإجراءات مثل السيطرة على الإعلام بالشراء المباشر للقنوات، والانقضاض على المجتمع المدني و التحرش بالأحزاب والناشطين الشباب وغيرها.

ويضيف عوف: “أصبح النظام السياسي حالياً يردد صوتاً واحداً فقط بدون تقبل لأي اختلاف أو تعددية، مثل أية دولة شمولية في العالم، فكان طبيعياً أن تحدث هذه المسارعة إلى مبايعة الحاكم الوحيد تملقاً”.

ويوضح الرجال أن أفعال مبايعة السيسي تعكس استسلاماً من العديدين لتوجه السلطة للاستحواذ على السياسة والدين، بالإضافة إلى أن البيعة، بما تحمله من طاعة وولاء، تتسق مع فكر مؤيدي السيسي بما يستخدمونه من مصطلحات لوصفه تعبّر عن الذكورة والزعامة.

البيعة وتأصيل الوراثة في المَلَكيات العربية

كانت الدولة الأموية أول نظام ملكي عرفه الإسلام، فقد حُصر الحكم في بني أمية من قبيلة قريش. ويقول أحمد عبد المجيد في مرجعه المذكور سابقاً: “سنّ معاوية سنّة جديدة غيّرت طبيعة نظام الحكم في الإسلام، وذلك عندما عهد بالخلافة بعده إلى ابنه يزيد، فحلت الوراثة محل الشورى”.

ونقل ضياء الدين الريس إجماع الفقهاء على أن الإمامة لا تُورث من منطلق ديني. وهذا يختلف مع ممارسات الملكيات العربية القديمة والحديثة التي تقوم على فكرة وراثة الدم.

ويقول عسكر إن تولية الحكم في الملكيات العربية هو نسخة عصرية لما كان يحدث في القرون الوسطى، فهذه الدول لم تعرف بعد بديلاً عن البيعة. كما أنها تتحالف مع الفكر السلفي الذي يقرّ بعدم جواز الخروج على الحاكم، ويوفّر له الدعم أملاً في تدعيم تياره الديني.

ويؤكد علي الرجال أن “مشاهد البيعة في دولة ملكية مثل المغرب بما تحمله من تقبيل الأيادي، والإهانة بالانحناء، تكشف عن زيف فكرة البيعة الفقهية”، ويرى “أن ما يحدث هو قبول إمام متغلب، بالإجبار لا بالاختيار أو التعاقد”.

“نموذج السياسة الفقهي فقير”

يبيّن عسكر أن تجربة خلافة داعش كانت محاولة لتمثيل الخلافة كما نص عليها الفقه السني، فقد رأى مناصرو التنظيم في “الخليفة” البغدادي صورة المسلم البالغ العاقل الذكر المنتسب إلى قريش.

إلا أن الغلبة لم تكن كاملة للبغدادي. ويقول علي الرجال إن ما ترتب على إعلان داعش الخلافة هو هدر دم من لم يُبايع البغدادي، ما أوقع القتال بين الفصائل الجهادية.

ويضيف أن نموذج السياسة الفقهي فقير، ولم يُستقَ من تجارب واقعية، لذا تلجأ الأحزاب الإسلامية إلى القبول بالديمقراطية التمثيلية.

ويفسر عوف موقف الأحزاب الدينية بالبراغماتية التي وصلت حد الانتهازية، فمن ناحية تحالف السلفيون مع الرئيس السيسي، في حين أظهر الإخوان إيحاءات بدعمهم لأي مرشح كان، قبل إقصاء جميع المرشحين عن الترشح.

ويؤكد عسكر أن الأحزاب الإسلامية مجبرة على الديمقراطية، فثقافة الأجيال الجديدة لم تعد تؤمن بالسلطوية القديمة التي كان الأقوى فيها هو السيد، كما أن تجارب الإسلاميين في الحكم فشلت في دول عدة، ومَن بقى منهم هو مَن التزم بالأصل الديمقراطي كما في تركيا والمغرب وتونس.

البيعة مثال يجب اتباعه أم تجربة تاريخية؟

يقدّم أحمد عبد المجيد في كتابه المذكور مثالاً لرؤية الفكر الديني الأصولي للبيعة، بتأكيده أن التجارب السياسية التي بدأت بتجربة سقيفة بني ساعد ستظل المورد الرئيسي للفكر السياسي الإسلامي، وأن مرحلة الخلافة الراشدة هي المثال الواجب الاحتذاء به.

ويختلف الجابري في كتابه مع هذا الطرح، ويرى أن عدم حماسة الحركات السياسية التي ترفع شعار الإسلام للديمقراطية، ورؤيتها للحاكم على أنه الخليفة، الذي يمكن مبايعته بفرد واحد، أو أفراد معدودين، بمدة ولاية غير محدودة، واختصاصات لا يحددها إلا كتاب الله وسنة ورسوله، نابعة من آراء لا تستند إلى أي أساس عقلي أو نقلي، وإنما تنقل آراء فقهاء السياسة مثل الماوردي وغيره، من أولئك الذين طوروا السياسة الإسلامية في ظروف تاريخية ارتبطت إما بالرد على الشيعة ودعاويها، وإما أتت تكريساً لأمر واقع كان قد فرضه حكام زمانهم بالقوة والغلبة.

ويضيف الجابري: ليس هناك نص تشريعي من القرآن أو السنة ينظم مسألة الحكم، بل المسألة مسألة اجتهادية يجب أن تخضع لظروف كل عصر ومتطلبات تحقيق الشورى فيه.

كما أنه يرى أن تحديد طريقة ممارسة الشورى بالانتخاب الديمقراطي الحر، والفصل بين السلطات الثلاث، وتعيين البرلمان كممثل للأمة، هي المبادئ الإنسانية التي تضمن ممارسة الشورى.