الأربعاء: 19 سبتمبر، 2018 - 08 محرم 1440 - 11:11 صباحاً
دفاتر
السبت: 10 مارس، 2018

أحمد متاريك

اعتاد العرب النقش على الصخور منذ سنوات ما قبل الإسلام.

ومخلفات هذه العادة وصفها عميد كلية الآداب بجامعة الفيوم عبد الحميد حسين حمودة في كتابه “تاريخ العرب قبل الإسلام” بأنها “وثائق ذات شأن، لأنها الشاهد الناطق الوحيد من تلك الأيام”.

مضيفاً أن العرب درجوا على حفر نصوص كشفت بعضاً من مراحل تطور اللغة العربية، وأرّخت لمواقيت مفصلية في حياة الجزيرة وأهلها.

قد يعتقد البعض أن هذه النقوش مجرد خربشات لا تستحق الذِكر.

إنما الحقيقة أن من احتمل عناء الحفر بالصخر الصلد لينقل لنا قبساً من حياته وسيرته، يستحق أن نُفرد له الأبحاث المطولة المُدقِّقة لكل ما ترك.

وربما نكون في ذلك المسعى نحقق جزءاً من رغبة صاحب “خربشة تدمر” في الخلود، عندما كتب بنهايته “هذا نقش كتبته بيدي، يدي ستُبلى ولكن سيبقى النقش”.

في هذا الموضوع اخترنا أن نتماس مع التاريخ الإسلامي، باستخدام أقدم وسائل توثيق التاريخ؛ الصخر، الذي حفظ لنا بعضاً من نقوش تابعي الرسول وأخبار صحابته.

الأقدم في نجران

وثّق الباحث الياباني موتسكو كاواتوكو مدير معهد الآثار الإسلامية في طوكيو، بكتابه “المسح الأثري لمدينة نجران والمدينة المنورة 2002″، هذا النقش الذي كُتب بخط كوفي بالقرب من ينبُع.

واكتفت صاحبته بتخليد اسمها في الصخور بعبارة “كتب سلمي” وبجوارها أرّخت لتاريخ فِعلتها كما هي عادة العرب مع أي نقش برقم “23” أي في العام الـ23 من الهجرة.

فيما سجّل عالم الدراسات الإسلامية فريديك إمبيرت، والمتخصص بالنقوش الصخرية، في أطروحته ذاك النقش المثير الذي كشفته بعثة المسوح السعودية – الفرنسية المشتركة في نوفمبر 2012 بنجران.

وقدّرت وقت حفره بالعام 23 هجرية، وحمَل اسم عمر بن الخطاب، أحد أعظم من حكموا الدولة الإسلامية منذ تأسيسها وحتى زوالها.

نقش زهير

في 1999 اكتشف الدكتور علي إبراهيم غبان، أستاذ الآثار الإسلامية بقسم الآثار والمتاحف بجامعة الملك سعود، هذا النقش الفريد في جبل يقع بين “العُلا” و”الحِجر”.

وحقّق أصالته بدراسات ميدانية استغرقت سنوات ألّف عنها كتاباً فريداً منحه اسم صاحب الخطوط؛ “زهير”، ولكنه أثار جدلاً أجبر اليونسكو على تسجيله في قائمة الذاكرة الإنسانية.

“أنا زهير كتبت زمن توفي عمر سنة أربع وعشرين”

اعتبرت هذه الكلمات المكتوبة بالخط الحجازي قوام أحد أهم النقوش الإسلامية على الإطلاق، بسبب وضوح كلماته وسهولة تحديد تاريخه، كما أن النِقاط التي تزين حروفه تضرب نظرية أنّ الأمويين هم أول من رقّموا حروف العربية في مقتل.

ولقد عثر الدكتور الغبّان على نقش آخر غير مكتمل بالقرب من هذه الأسطر يبدأ بكلمة “أنا” ويحمل اسم زهير منسوباً إلى مولاته ابنة شيبة، إلا أنه غير مؤرخ، ولا يمكن حسم هوية صاحب الاسم، لوجود عدد من الشخصيات التي عاشت في تلك الفترة وتحمل لقب زهير.

وكذلك اسم ابنة شيبة، الذي حملته عدد من الصحابيات وغيرهن.

لعن الله قتلة عثمان

بالقرب من مدينة “تيماء”، يبدو أن صاحب النقش هالته الفتنة التي أدت لمصرع عثمان، فما كان منه إلا أن استلَّ سكينه ولعن أصحابها أجمعين “أنا قيس، كاتب أبو كتير، لعن الله من قتل عثمن بن عفن”.

أرّخ “إمبيرت” تاريخ النقش بالعام 36هـ، أي السنة التالية مباشرة لمقتل خليفة المسلمين الثالث عثمان بن عفان (35هـ).

رحم الله بن العاص

في السبعينيات، قادت الصدفة بعثة أثرية للعثور على هذا النقش، الواقع على طريق الحج الشهير “درب زبيدة”.

رحمة الله وبركته على عبد الرحمن بن خالد بن العاص كتب لسنة أربعين”.

وأما عن الشخص المذكور بالسطور فهو “تابعي، أرسل حديثاً في المَسْحِ على الخفين؛ فذكره بعضهم في الصحابة”، وفقاً لموسوعة الصحابة.

وفي كتابه “تاريخ دمشق”، يورد ابن عساكر خبراً مبهماً أن معاوية ولَّى عبد الرحمن على مكة، قبل أن يعود ويشكك بالمعلومة، بأن الوالي ربما يكون أخاه “الحارث”.

سد معاوية

هذا السد لعبد الله معويه (معاوية)

أمير المؤمنين بنيه (بناه) عبد الله بن صخر

باذن الله لسنة ثمن (ثمان) وخمسين

اللهم اغفر لعبد الله معويه (معاوية)

أمير المؤمنين وثبته وانصره ومتع

امير المؤمنين به كتب عمر بن جناب

بخط مجازي منقط، كُتبت هذه الأسطر الستة على بعد 12 كلم جنوب شرقي الطائف، لوحة احتفالية بالانتهاء من تدشين سد معاوية، أو ما يُعرف بـ”سد سيسد” الذي أقيم لحجب مياه الأمطار والاستفادة بها.

يقول سامي المغلوث في كتابه “أطلس تاريخ الدولة الأموية”، أن هذا البناء مشيّد من أحجار كبيرة، يبلغ طوله 58 متراً وعرضه 4.10 متر و8.5 متر، أقيم في عهد الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان سنة 58هـ.

أي بعد وفاة الرسول بـ47 عاماً تقريباً، وعلى الرغم من تعرضه لأضرار متتالية بفِعل عوامل الطبيعة، إلا أنه لا يزال قائم حتى الآن، بعدما جدّدته الحكومة السعودية عام 1419هـ.

مولى الزبير

بالقرب من تبوك، كتب خادم بن الزبير هذا النقش: “أنا حبيب بن أبي حبيب مولى عروة بن الزبير، أسأل الله أن يجعل موتي قتل في سبيله، وأسأله أن يجعلني من المهتدين، ورحم الله من قال آمين وكتب في سنة ثمنين”.

إن كانت كتب التاريخ لا تعرِّفنا بالكثير عن شخصية “حبيب”، إلا أنها تستفيض عند الحديث عن سيده عروة ابن الزبير بن العوام (23- 94 هـ) حواريّ الرسول، وتصنفه كـ”تابعي جليل”، اشتُهر باعتزال فِتَن عصره وعرف باسهاماته الكُبرى في رواية الأحاديث ومغازي النبي.

بيشة

تقع جنوبي غرب السعودية، وسكنتها قبائل عربية عريقة من تاريخ ما قبل الإسلام.

في أطروحته “نقوش إسلامية مؤرخة من طريق الحج اليمني الأعلى”، المُجازة من جامعة الملك سعود، وثّق الدكتور محمد الثنيان 4 نقوش أثرية تنتمي للفترة (141- 240 هـ)، معتبراً إياها:

“نماذج مصدرية أصيلة يقاس بها وعليها لتكون مرجعية علمية خطية في دراسة الكتابات العربية الإسلامية”.

نكتفي باستعراض واحد منها؛ مؤرّخ في سنة 141هـ (758م)، عُثر عليه على سفح هضبة جبلية صغيرة تدعى أُمّ الرّحَي، شمال وادي التثنية، مكتوباً بخط كوفي بسيط غير منقط، ونصه كالآتي:

  1. لا إله إلا الله صلـ(ـى) الله على محمد النبي وسلم اللهم أنزلنا منزلاً مبـ(ـا) ركاً وأنت خير المنزلين

  2. وكتب موسى بن العجلان وهو يسـ(ـأ)ل الله الجنة له ولولديه وما ولدا ولذريته ويستغفره

  3. الحمد لله رب العـ(ـا)لمين حلها في صفر سنة إحدى وأربعين ومائة لا حول ولا قوة إلا بالله

  4. ربنا بارك لنا في الدنيا ما أحييتنا فيها وبارك لنا في الآخرة إذا أرجعتنا إليها واجعلنا صالحين

يقول الثنيان، إن النقش يظهر بلغة عربية سليمة خالية من الأخطاء الإملائية، عدا إهمال حرف ألف المد الوسطى في رسم بعض الكلمات، مثل مبركاً بدلاً من “مباركاً” والعلمين بدلاً من “العالمين”.

كما حذف همزة القطف في يسل بدلاً من “يسأل”، وهذا الحذف يعد من الظواهر اللغوية المستمدة من الخط النبطي.

أما عن هوية صاحب النقش “موسى بن العجلان”، فلا تقدم لنا المصادر التاريخية أي معلومات عنه، على الرغم من انتشار اسمي “موسى” و”عجلان” كأعلام للرجال منذ القِدم.

ويضيف الثنيان، إنّ تاريخ النقش يقع خلال العام التاسع لقيام الخلافة العباسية في بغداد، وكانت وقتها الأمة الإسلامية في معية أبي جعفر المنصور (136-158هـ/752-775م).

أيضاً حقّق الدكتور علي بن محمد عواجي رئيس قسم الآثار بجامعة جيزان، نقشاً عتيقاً غير مؤرّخ لكنه حمل اسم أحد صحابة الرسول، فحُفرت عبارة بالكوفي “غفر الله لعبد الله بن قرة” في جبل قار بمركز التبالة التابع لمحافظة بيشة، قطَع بأثريتها، لكنه أكد استحالة تحديد تاريخ دقيق لها.

وقال “عواجي” خلال محاضرة طلابية له بعنوان “صحابي جليل من بيشة.. من خلال نقش جبل قار”، إنه عثر على النقش منفرداً بالعربية وسط غابة من أقرانه المكتوبين بخط المسند، وهو عبارة عن ستة أسطر كل واحدٍ منها مكون من كلمة، عدا الأخير مكوّن من حرف وكلمة.

وعبد الله بن قرة صاحبي عاصر النبي وروى عنه الأحاديث، كان اسمه في البداية “شيطان” لكن الرسول غيّره إلى “عبد الله”، يذكر أبو عبيدة “في الفتوحِ” أنه شهد اليَرْمُوك، واستعمله أبو عبيدة على حِمْص في عهد عمر، وقيل إنه استشهد بأرض الروم 56 هـ.

الجهوة

تقع شرق مركز “السرح” التابع لمحافظة “النماص”، عاش فيها العرب منذ القدم، وإلى الآن لا تزال بعض بقايا حياتهم القديمة موجودة، ويعتبرها أستاذ التاريخ الدكتور علي العواجي “من أهم المناطق الأثرية في الجزيرة العربية”.

وفي محاضرته “نقش العالم المكي عطاء بن أبي رباح في الجهوة”، استعرض الدكتور العواجي أبحاثه عن أعرق النقوش الأثرية بالمدينة بعدما أفنى 6 أعوام من حياته لدراستها، بتمويل من دارة الملك عبدالعزيز حتى أنجز مهمته وحصل على جائزة الأمير سلمان للدراسات والبحوث عام 1426هـ.

وأكد من خلالها أن 24 شخصاً من رواة الأحاديث عاشوا بهذه البقعة.

كما خالف الإجماع التاريخي بأن الإمام “ابن ماجه” وُلد في قزوين، موثّقاً نقوشاً تثبت أنه “أزدي من قبيلة بني شهر عاش في الجهوة”، ومؤكداً أن الصخور حفظت أدعية كتبها أصحابها على الصخور، وهم مجموعة من صفوة العلماء والتابعين: حفص بن عمر، وعبد الرحمن بن نمران، وعبد الله بن عمر، وعطاء بن أبي رباح، والوليد بن مروان.

آثار صحراء حسمي

وثق فريق الصحراء، وهم مجموعة من الشباب السعودي المهتمين بتاريخ بلادهم، مجموعة من النقوش التاريخية المهملة، من خلال رحلات شاقة في الوديان الوعرة بحثاً عن أي أثر لحضارة الجزيرة؛ أبرزها رحلتهم إلى صحراء حسمي القريبة من الأردن، التي استكشفوا بها آثار عددٍ من التابعين.

“توكل صالح بن جبير على الله ربه”، صاحب هذا النقش ورد ذِكره في “تاريخ دمشق” أنه كاتب عمر بن عبد العزيز على الخراج والجند، كما أوردوا نقشاً آخر لحفيد الصحابي سعد بن أبي وقاص كتب به “أنا أبو الأشعث إسحاق بن سعد، اللهم اغفر لعثمان بن طارق”، الذي روى بعض الأحاديث عن الرسول نقلاً عن جده.

كما ترك أخو زوج الرسول ميمونة في الرضاعة، توقيعه بأحد المواضع مكتفياً بحفر عبارة “أنا سليط بن الحارث”.

أنا عبد الرّحمن ابن حرملة الأسلمي أسـ[ـأ]ل اللّه

الجنة مآبًا ورضو[ا]نَه ثوابًا والمؤمنين

أصحـ[ـا]بًا آمين ربَّ العـ[ـا]لمين

صاحب هذه الكلمات هو تابعي شهير من بني خُزاعة، اشتُهر بالتقوى وغزارة العِلم، توفي 145هـ.

أمّا أبرز التوقيعات النقشية التي اكتشفها الفريق هو أثر منقوش في مكان قصي، لم ينقش فيه من قبله إنسياً، هو “أنا عبد الملك بن مروان”، دون أن يميز نفسه بأي لقب، إن كان يشير إلى الخليفة الذي يحمل ذات الاسم، مروان بن الحكم (26 هـ – 86هـ)، فيُرجح أنه وقّع على صخر حسمي قبل توليه إمارة المسلمين، ولكن يبقى احتمال أنه لشخص آخر يحمل نفس الاسم