الأربعاء: 25 أبريل، 2018 - 09 شعبان 1439 - 12:49 مساءً
ملفات
الأربعاء: 11 أبريل، 2018

مصطفى سعدون

في 9 أبريل 2003، اعتلى جُندي أميركي تمثال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في ساحة الفردوس وسط بغداد. رَبط الحبل حول عُنق التمثال وسحبه بالدبابة. كان العراقيون يحتشدون بالمئات في الساحة التي فيها التمثال ليكونوا شهوداً على لحظة سقوط نظام حزب البعث.

لا يتفق العراقيون على سقوط رئيسهم الأسبق، فبين تحرير واحتلال ما زالت نقاشاتهم مستمرة، وربما تتحول جدالاً وخلافاً. لكنهم جميعاً يتفقون على أن الحياة التي عاشوها بعد ذلك التاريخ (9 أبريل 2003) واحدة وذاقوا الويلات فيها معاً.

تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي في هذا اليوم من كل عام بآراء متفاوتة، وتحتدم النقاشات لكنها تخف بعد أيام أو ساعات، لمجرد حدوث شيء جديد في عراق الحوادث المتسارعة.

أتذكر الحواسم وأُفكر في الهجرة

بعدسة علي جابر

حسن الغرباوي، 18 سنة طالب.

كان عُمره 3 سنوات عندما شنت الولايات المتحدة الأميركية حربها على العراق عام 2003، لا يتذكر شيئاً سوى أنه كان يرتجف عندما يسمع أصوات الغارات ويذهب إلى حضن والدته عندما يبدأ القصف.

يتحدث حسن عن واحدة من لحظات السقوط  المهمة والساعات التي أعقبته، وهي “الحواسم”.

يُطلق هذا المصطلح على ما حدث من عمليات نهب لمؤسسات الدولة العراقية من المواطنين، ويعود أصل التسمية إلى اسم الحرب الذي أُطلقه صدام حسين على أنها “الحاسمة”.

بعد 15 سنة على ذلك اليوم، صار عُمر الغرباوي 18، لكنه لا يُفكر في شيء بسوى الهجرة من العراق إلى بلد آخر ويُفضل أوروبا أو أميركا، فهو يعتقد أنه لم يعش طفولته كبقية أطفال العالم، لأنها كانت مشوهة بالحرب الطائفية والعُنف وغياب الخدمات.

يقول الغرباوي أنه لم يُحقق أي شيء حتى الآن، ولا يُمكن أن يُطور نفسه ويُنتج ما يُريد بسبب الأوضاع التي تمر فيها البلاد، لذا يُفضل الهجرة على البقاء في مكان مُنهار سياسياً وأمنياً واقتصادياً حتى لا ينسى طموحاته.

احتلال مارس، القتل العشوائي 

بعدسة علي جابر

ذكرى، 58، أستاذة في كلية الفنون الجميلة.

كان التاسع من أبريل 2003 غريباً في حقيقته، فقد رقص ورحب به عدد كبير من العراقيين، بخاصة أصحاب النظر المحدود. هذا اليوم هو احتلال جاء بحُجة الخلاص، ولو كان هُناك عُقلاء لما كانت هذه الطريقة المثلى للتخلص من صدام والتي تسببت في مقتل مئات آلاف العراقيين.

كُنا ننتظر الخلاص من صدام، لكننا لم نكن نُريد فتح حدود العراق بهذه الطريقة واستباحة البلاد وتشريد العباد.

كان لا بُد من سقوط صدام، فحُكمه وسُلطته بناهما على قاعدة ألم وخوف وظلم، فما عشناه في فترة حُكمه كان مرحلة تجهيل وخوف.

لا ترى ذكرى أن ما تحقق بعد التاسع من أبريل 2003، يُساعد العراقيين في تجاوز الماضي وتضميد الجراح، بل كان سبباً في تعميق جراحهم وازدياد مُعاناتهم، فهي تعتبر ما حصل في هذا اليوم احتلالاً أميركياً، ولا تزال تقول أن صدام كان يجب التخلص منه لكن بطريقة لا تتسبب في قتل العراقيين.

 

مرتضى صبري، 23 عاماً، طالب جامعي وعامل في مطعم.

كان عُمر مرتضى صبري عام 2003، سبع سنوات. يتذكر الأيام الأولى للحرب، وما حدث في مدينته الناصرية بمحافظة ذي قار، جنوب العراق. “كُنت مرعوباً وخائفاً، وكُنت أيضاً أسمع أهلي الذين يأملون بسقوط صدام، لذا عرفت أن هذا الرجل ظالم وأن الأميركيين سيُخلصوننا منه، فصفقت لهم عندما أسقطوا تمثاله”.

كُنت أسمع أهلي يتحدثون عن جرائم صدام والاعتقالات التي يُمارسها وإعدام الناس بأساليب وحشية، حينذاك شعرت بالضيق الذي يُشعرون به، خصوصاً أنهم لا يستطيعون ممارسة حياتهم وأخذ حقوقهم بشكل طبيعي، فوجدت من حقهم أن يُهللوا لسقوطه.

مع مرور الزمن، بدأت نظرتي تتغير إلى اليوم الذي اعتبرت ما حصل فيه “تحريراً” من الظُلم، فهو نقلنا من ظُلم إلى ظُلم وطُغيان، ولم أعد أعتبره تحريراً بل احتلالاً، رغم مساحة الحُرية التي حصلنا عليها، فلم نحصل على حقوقنا، ولم أعرف أي شيء من سنوات عُمري الـ23 التي أمضيتها في العراق.

لم نحصل على حقوقنا، ولم نأخذ فرصتنا في بناء هذا البلد، وليس عندنا ساسة يُفكرون في الشعب، كل هذا هو نتيجة ما حدث يوم سقوط الطاغية صدام حسين، حيث كُنا نأمل بوضع أفضل وحياة كريمة، لكن كل ذلك لم يحدث، فالموت والتشريد والخراب والفقر ومصائب أخرى لحقت بالعراقيين.

أنا مُصرّ على اعتبار ما حصل ذلك اليوم احتلالاً لا تحريراً، لكنني في الوقت ذاته غير سعيد بما حدث خلال الـ15 سنة الماضية، فتصفيقي للأميركيين ندمتُ عليه.

لستُ مع النظام لكنني مع أحلامي

بعدسة علي جابر

نور الزبيدي، 28 سنة، طالبة جامعية

لا يُمكنني أن أنسى التاسع من أبريل 2003. حينذاك، كان عُمري 13 سنة. كُنت أيام الحرب أصحو على صوت الغارات ولا أستطيع النوم طويلاً لأن أزيز الرصاص وسُرعة الأخبار وبيانات الحرب، كانت تُقلق مَن حولي.

في أحد أيام ذلك الشهر، سمعنا دوي انفجار، فخرجت ووالدتي مفزوعتين من المنزل خشية أن يُقصف ويسقط علينا، لكنني تمنيت لو أنني لم أخرج. فقد رأيت القتلى في الطُرقات، وأشخاصاً تائهين، والموت في كل مكان.

كُنتُ طفلة، وكنت أرى دبابات وجنوداً غير منضبطين في تعاملهم مع الناس، هذه الدبابات لم أكن قد رأيتها يوماً في حياتي. رأيتُ الناس يسرقون مؤسسات الدولة، كأن كل شيء جميل انتزع في ذلك اليوم.

يوم سقوط تمثال صدام حسين هو يوم الاحتلال، لكن هذا لا يعني أننا نُحب صدام أو نرغب في وجوده، فكل ما حدث تجاوز حقوق العراقيين وتجاوز أحلام أطفاله ومستقبلهم، فكيف أرتاح في بلد كل ما فيه يدعو إلى القلق؟

إذا مشيتُ في الشارع الآن أشعر بالخوف، وإذا كُنت في أي تجمع أكون أكثر خوفاً من حدوث انفجار يُمزقني إرباً. نحن لا نعيش حياة طبيعية، بل حياة مليئة بالخوف والقلق والإرهاب، فلو كان يوم تحرير مثلما يقولون، هل كنا سنشعر بكل هذا الخوف؟

دُمِر العراق

بعدسة علي جابر

جابر عبدالله الذي عاش أكثر من حرب في العراق، لا يرى تحولاً في حياة العراقيين نحو الأفضل منذ الحرب مع إيران 1980 – 1988، فمنها إلى احتلال الكويت مروراً بالحصار وصولاً إلى حرب عام 2003 واحتلال العراق، صارت حياة العراقيين أكثر سوءاً.

ينظر الرجل الخمسيني إلى 15 سنة مرت على العراق بلا صدام حسين. يُحاول العودة إلى الذاكرة ليروي بعض تفاصيل تلك السنوات لكنه لا يتمكن، فحسرته التي ظهرت على وجهه يُلخصها بأن “كل ما حدث هو مؤامرة ضد العراق دفعتنا إلى التفكير في الهجرة إلى بُلدان أخرى”.

لحظة أمل كبيرة

بعدسة علي جابر

وسيم سيزيف الذي ترك العراق قبل أشهر بعد أن اختار الهجرة إلى تركيا، يبدو ناقماً كثيراً على ما يحدث في العراق الآن بحسب ما يكتبه على صفحته في الفايسبوك، لكنه كان يعتبر التاسع من أبريل 2003، لحظة أمل كبيرة.

يرى سيزيف أن صدام حسين ونظام حزب البعث كانا يجثمان على صدور العراقيين، فهو يعتبر صدام كابوساً بشعاً بالنسبة إلى شاب مُقبل على الحياة مثلما يقول. نظام صدام ديكتاتوري بنسخة بشعة جداً، سلب الحريات والأمل بغد أفضل.

على الرغم من انتقاده المستمر كلَّ ما يحصل في عراق ما بعد 2003، إلا أنه كان يحلم لحظة سقوط تمثال صدام حسين في نظام ديموقراطي تعددي يمنح العراقيين الحرية والأمل، لكنه صُدم بعد ذلك.

لم يكن يتخيل أن يكون شكل العراق على هذه الحال وهذا السوء، لكنه يقول أن إرادة الجهل والتخلف باسم الدين والوطن والمقاومة أوصلتنا إلى هذه اللحظة من الخراب.

سيزيف يرى أن “الثقافة المحلية الرافضة التحديث والتغيير هي التي قتلت هذا الحلم”.