الأحد: 7 مارس، 2021 - 23 رجب 1442 - 01:05 مساءً
ثقافة وفن
الجمعة: 28 أبريل، 2017

عواجل برس _ بغداد

حيدر ناشي آل دبس

 

لقصيدة النثر حضور كبير في المشهد الأدبي الحالي، إذ تعتبر قفزة حداثوية كسرت السائد والتقليدي في قواعد وأطر الشعر العربي. بيد أننا بتنا إزاء إشكالية تتعلق باختلاف الرؤى والتحديدات الخاصة بهذه القصيدة ، واختلاف الشعراء بشأن تعريف وتوصيف قصيدة النثر. ولغرض تسليط الضوء أكثر على هذه المسألة ، التقت عواجل برس عدداً من الشعراء ووجهت إليهم أسئلة بهذا الشأن:
التباس المفاهيم
توجهنا بالسؤال الآتي إلى الشاعر الليبي عبد الحفيظ العابد:
* كثر اللغط بشان قصيدة النثر، فمنهم من اعتبرها نثراً ولا تمت للشعر بصلة، ومنهم من اعتبرها احدى أصناف الشعر. ما رأيك بهذا الاختلاف؟ وإلى أي جنس تصنّف قصيدة النثر؟
– ينزع الشعر، بوصفه فنّاً إبداعياً، نحو التغيير المستمر، وأنه لا ينضبط تحت قالب معيّن، بل هو رحلة دائمة، وسفر متجدّد نحو أرض بكْر لم يحرثها قلم، ولم تنمُ فيها قصائد الشعراء من قبل. لذلك سجّل الشعر عبر التاريخ خصومته مع التقعيديين واللغويين الذين حاولوا كبح جماحه، وتقييده إلى وتد النموذج القديم. لكنّه انتصر عليهم كما انتصر محدَث أبي تمّام على معارضيه، فحظي باهتمام القارئ على امتداد هذه القرون. في ضوء هذه الرؤية نقرأ قصيدة النثر التي عملت ضدّ الذاكرة الشعرية العربية غير عابئة بقداسة الماضي بعد أن أعلنت ولاءها للحظة انبنائها، متمردةً على أسبقية الإنشاد الذي ظلّ وسيطاً يحدّد مسارات الشعر واتجاهاته. قصيدة النثر أفادت من وسائط جديدة في تأكيد فرادتها عبر لغة منحازة إلى الشاعر، تطمح إلى تحرير الشعر من أبوّة التجنيس الذي ظلّ وفيّاً لتاريخيته، لذا فهو يمارس فعل الإقصاء ضدّ قصيدة النثر التي عملت على المصالحة بين الشعر والنثر، وبين الشعر والرسم، ونقْض الحدود بينهما. من هنا نرى أن القول بلا شعرية قصيدة النثر صادر عن تصوّر ثابت للإبداع، ويفترض وجود شكل مسبق للنص الشعري، وهو تصوّر يمتد عبر الفكري البلاغي الذي يطمح إلى إنتاج النصوص عبر قوانينه المجرّدة، ومعاييره المسبقة. والحال إنّ تجريد قصيدة النثر من شعريّتها حركة ضد الزمن، وضد التاريخ أيضاً الذي شهد محاولات مضيئة على مستوى كتابة النص الشعري والنقدي، من ذلك الموشحات، وآراء حازم القرطاجنّي في التخييل بوصفه شرطاً لشعرية النص.
السرد في الشعر
وأجاب ناجح ناجي على سؤالنا الآتي:
* يميل الكثير من كتّاب قصيدة النثر إلى اقحام السرد ، تحت مسمى “السردية الشعرية” بحيث نجدها مترهلة احياناً ولا تحتوي على وحدة الموضوع، ما تعليقك على مثل هذه الكتابات؟
– جميل ما صدر منك “الكثير من كتاب قصيدة النثر …” وهذا يشير إلى غير الشعراء.. وواهم من يحمل قصيدة النثر اكثر من خصائصها الفنية فهي شكل من أشكال الشعرية المعاصرة ، تعمل على استعادة المغمور الجمالي من الهامش إلى الكوني بما يوجز ويوحي . وهذه أهم خصائصها الفنية المشتركة مع الأشكال الشعرية الأخرى ..لا مرجعيات قبلية ، ولا انتماء صنمي لجنس أدبي لها ، بل القيمة لحضورها الشعري الذي يحاكي قلق الأجناس الاخرى إزاء المسؤلية الفنية والجمالية وحضورها التاريخي والمعرفي الذي يفترض بنيتها اللغوية وبما يوجز ويوحي .هي حاضرة في مثابة الوعي الشعري حيثما يكون الحضور صعبا . من أراد أن يتمكن منها معرفيا فليحبو من الجرجاني العربي وصولا إلى بول فاليري الفرنسي. قلت في مكان آخر إن قصيدة النثر لم تتح لطارئ الدخول إلى فضائها الشعري ، وهي تستدعي الحضور الابداعي حينما يكون الحضور صعبا.
الدراما في النثر
الشاعر عمر السراي أجاب عن سؤالنا :
* البناء الدرامي في النص الادبي سلاح ذو حدين، إذ نجده أحياناً يسلب النص بنيته الجمالية، فكيف تجده في قصيدة النثر؟
– لا يسلب البناء الدرامي النص جمالياته، فالبناء الدرامي نوع من الأسلبة التي تفتتح بوابة تداخل الأجناس، ولكل جنس جمالياته، ولكل أسلوب كذلك. وقصيدة النثر بوصفها طرازاً شعريا حداثياً، اتخذت البناء الدرامي وسيلة لطرح أفكارها، وآمنت بهذا التوجه كما آمنت قصيدة التفعيلة من قبلها بهذا البناء.
ولأن قصيدة النثر تميل إلى تخفيض صوت الأنا الذاتي، وإشاعة اللاعضوية داخل النص، فمن الطبيعي أن تذهب الى التعبير الدرامي، فهو الطريق الأقرب للعبور من الإخبار الغنائي الى العرض السردي. وفيه لا ينطلق الشاعر من مشاعره فقط، بل ينطلق ليخلق حيوات جديدة تمارس الصراع ليستتر خلف صوتها محركاً خفياً لحواراتها وافعالها.
ازدواجية التسمية
وأخيرا توجهنا بالسؤال إلى الشاعر عبد السادة البصري
* وجدنا تناقضاً في رؤية عدد من الشعراء… إذ يعتبرون قصيدة النثر لا تنتمي لجنس الشعر، إلا أنهم يطلقون على عدد من كتّاب هذا النوع من الأدب صفة شاعر… هل هذه من الازدواجية؟
– منذ نشأتها ولغاية هذه اللحظة لم يتم الاتفاق من قبل الدارسين والباحثين والنقاد والشعراء على توصيف قصيدة النثر بشكل نهائي ، وذلك لكثرة كتّابها مستخدمين بشتى الاتجاهات والطرق!
قصيدة النثر الحقيقية والتي من الممكن أن تنتمي للشعر هي مَن تحمل بين طيّاتها موسيقى الأحرف والكلمات التي تتضمنها، لأننا لا يمكن أن نتخلص من موسيقى الكلمة بحجة النثر. هناك مَن سيقول : والوزن الشعري مثلاً ؟! ، أجيبه : ليس للوزن مكانٌ هنا، لأنها تكسر تقاليد الأوزان وتبقي على للموسيقى فقط.
قصيدة النثر بأشكالها ( قصيدة ، نص ، نص مفتوح ، نص سردي، ومضة ..الخ ) لابدّ أن تكون ذات جملة مكثّفة وصورة شعرية بليغة لتمنح القارئ فسحة من التأمل والرحيل معها بسفرٍ جميل مع أيّ أسلوب لغوي كان. لكن علينا أن ندرك أنها لا يمكن أن تكون إيهاماً وغموضاً وهلوسات وخواطر. مع الاسف هناك مَن يكتب هلوسات لامعنى لها ويحسبها قصيدة نثر، ومَن يتعمّد الايهام والغموض ويحسبها قصيدة نثر أو نصاً ما، كذلك هناك الكثير ممن يكتب الخاطرة ويحسبها قصيدة نثر. لهذا يقع الكثيرون في ازدواجية التوصيف. علينا أن نعي تماماً ماهيّة قصيدة النثر، وآليّة كتابتها، وصورها ومعانيها ورؤاها وأفكارها، وبعد ذلك نطلق توصيفاتنا.