الأربعاء: 17 أكتوبر، 2018 - 05 صفر 1440 - 10:56 مساءً
ملفات
الأحد: 14 يناير، 2018

مصطفى سعدون

باللون الأحمر، وبخط عريض، تُكتب جملة “مطلوب عشائرياً”، وفي بعض الأحيان تضاف إليها عبارة “لا يُباع”. هذه الكلمات الأربع كفيلة بمنع بيع أو شراء أو استئجار أي عقار خُطّت على جدرانه.

كُتبت هاتان الجملتان على عدد من البيوت والمحال التجارية في العراق، وهما تشيران إلى “تورط” صاحب العقار أو أحد أفراد عائلته بمشكلة عشائرية، قتل أو قضية “شرف” أو ربما أسباب أخرى غير معروفة.

ولا تعني كتابة “مطلوب عشائرياً” على منزل أو عقار أن صاحبه بالضرورة تسبب بمشكلة ما أو ألحق ضرراً بآخرين، فهناك حالات “ظُلِم” فيها أشخاص ليس لديهم أي ذنب.

ظاهرة الكتابة على جدران أو أبواب العقارات ليست جديدة في العراق، فهي من ضمن عادات وتقاليد المجتمع العراقي منذ سنوات طويلة، لكنها برزت بعد عام 2003 بشكل كبير وأخذت في بعض الأحيان مساحة أكبر من حجم المشكلة الحقيقية.

لا يأتي كاتب الجمل على العقارات خفيةً أو في الليل. على العكس من ذلك، فإنه يأتي أمام الناس وفي أحيان كثيرة يأتي ومعه مجموعة تُطلق بعض العيارات النارية في الهواء من أجل إعلام سكان المنطقة بفعله.

تنتشر مجموعات أشبه بـ”العصابات العشائرية” بحسب تعبير الباحث الاجتماعي سعيد كريم، ويقول عنها: “تبحث عن الاستفادة من أية فرصة أو مشكلة، وتستخدم الآليات العشائرية للحصول على مكاسب مادية من الطرف الآخر من خلال طرق ابتزاز تعتبرها هي أسلوباً عشائرياً طبيعياً”.

من مالك منزل سعره 300 ألف دولار إلى مستأجر

يعيش (س. ع.) في منزل مستأجر بمنطقة الحرية شمالي بغداد بعدما كان يملك منزلاً سعره 300 ألف دولار ومساحته 250 متراً مربعاً في منطقة أخرى من العاصمة العراقية.

هذا الرجل وعائلته المكونة من سبعة أفراد وجدوا أنفسهم في لحظة ما داخل بيت مساحته 75 متراً مربعاً خارج بيتهم القديم.

تحمّل (س. ع.) وزر ما فعله شقيقه الذي “دخل بشراكة عمل مع أصدقاء له وسرق أموالهم”، بحسب قوله، ليضعه هو وإخوته الآخرين بمواجهة عشيرتين يطالب أبناؤها ما يُقارب الـ400 ألف دولار أمريكي.

لم يكن خروج (س. ع.) من منزله بإرادته، بل تسبب بذلك تعرضه لتهديد بالرصاص الحي عندما رشق أبناء العشيرتين منزله بعدد من الطلقات النارية، وهذا ما يسمّى في العرف العشائري العراقي بـ”الدكة”.

“الدكة” هي واحدة من الآليات العشائرية التي تُستخدم ضد “المعتدي” أو “الجاني” أو الطرف الذي يُعتبر “المتسبب بالمشكلة” عندما لا يلتزم بالتواصل مع الطرف الآخر أو يخلف بوعده بدون أن يطلب من خصومه “العطوة” (فترة سلم).

بداية عام 2017، رمى ثلاثة عمّال في شركة إنشائية ببغداد زميلهم من سطح العمارة التي يعملون فيها.

كان عامل آخر في شركة قريبة منهم أحد الشهود أثناء التحقيق. ساعد اعترافه على إصدار حكم إعدام بحق العمال الثلاثة، لكن المشكلة لم تنتهِ.

(ع. ح.) وهو صاحب شركة مواد إنشائية مقرها في شارع النضال ببغداد، كان يذهب إلى العمل برفقة عامله الذي اعترف بما جرى مع العُمال الثلاثة.

باللون الأحمر، وبخط عريض، تُكتب جملة “مطلوب عشائرياً”، وفي بعض الأحيان تضاف إليها عبارة “لا يُباع”. في العراق، هذه الكلمات الأربع كفيلة بمنع بيع أو شراء أو استئجار أي عقار خُطّت على جدرانه

شاركغرد

هجمت عائلة المحكومين بالإعدام على منزل صاحب الشركة بمنطقة بارك السعدون وسط بغداد، ورمت ما لا يقل عن عشر رصاصات على واجهته.

طالبت العشائر الثلاث الأخرى بـ”فصل”، أي تعويض مادي من صاحب الشركة، لأنه “ساهم” في ذهاب عامله إلى المحكمة والاعتراف ضد أبنائهم الذين “أقرّوا” بما قاموا به، بعدما كتبوا على محله “مطلوب عشائرياً”.

لم يعلن (ع. ح.) لرصيف22 عن المبلغ الذي طُلب منه لغلق القضية، لكنه أشار إلى وجود “طمع” من الأطراف الأُخرى التي “تحاول قلب قصة أبنائها من جناة إلى مظلومين”.

انتهت القضية الآن بتحمل (ع. ح.) نصف “فصل” القتيل، رغم أنه لم يكن سوى مرافق للشاهد الذي اعترف بما جرى مع “القتلة”.

سلوك مجتمعي

هناك من يحوّل أي خلاف إلى الإطار العشائري. وفي بعض الأحيان يقع تصادم بسيط بين سيارتين أو يجري تبادل تعليقات على فيسبوك فيتفاقم الأمر ويصل إلى تهديدات عشائرية ومفاوضات وفصول (دفع تعويضات) تصل إلى عشرات آلاف الدولارات، وفي أحيان أخرى أكثر من ذلك.

“حضّر عمامك”، كلمتان ليستا بسهلتين، فهما بداية المشكلة العشائرية. “حضّر”، أي جهّز، عمامك وعشيرتك لمفاوضة عشيرتي، فإذا ما قال أحدهم للآخر هاتين الكلمتين فإنه أدخله في أزمة لم يكن يتمناها.

يتحدث الباحث الاجتماعي سعيد كريم لرصيف22 عن “تحوّل بعض العادات والتقاليد العشائرية إلى سلوك مجتمعي مؤطر بعبارات الثأر والحق والباطل، وهذا بحد ذاته تحدٍّ يواجه المجتمع العراقي الذي تسيطر العشيرة على جزء كبير من حياته”.

ويعتقد كريم أن “هناك مَن صار يعتاش على الخلافات العشائرية، أو يبحث عنها في أية لحظة خاصة مع الأغنياء أو الضعفاء المستعدين لدفع أي شيء مقابل التخلص من ضغط خصومهم أو تهديداتهم”.

نأي الدولة بنفسها عن المشاكل العشائرية

لا يتدخل أي رجل أمن إذا ما كُتب أمامه على عقار ما “مطلوب عشائرياً”، ولا يُفاجأ أو يسأل عن الجملة المكتوبة إذا ما قرأها في أي مكان، فهذا خلاف عشائري ليس للدولة دخل فيه، مهما كانت نتائجه، سلمية أو عكس ذلك.

الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003 عززت دور العشيرة وأعطت وجهاءها وشيوخها نفوذاً أكبر من الذي كانوا يمتلكونه خلال حكم صدام حسين.

وُزّعت على شيوخ العشائر الأسلحة والمنح المالية، بالإضافة إلى درجات وظيفية لكسب أصوات أبنائها في الانتخابات.

في حكومة نوري المالكي الثانية (2010 – 2014) كانت هناك وزارة دولة لـ”شؤون العشائر”، لكنها ألغيت بعد ذلك في فترة الترشيق الحكومي، بيد أن نفوذ العشيرة وسطوتها بقي قائماً. ففي وزارة الداخلية هناك مديرية باسم مديرية العشائر.

هويات ترخيص السلاح تُمنح للعشائر، ومجلس النواب العراقي يسعى إلى تشريع قانون العشائر العراقية، وهو بذلك، بحسب المحامي إسماعيل الفتلاوي، “يحاول تقنين السلوكيات العشائرية الخاطئة ولا يحد منها”.

يقول الفتلاوي لرصيف22: “ضُعف الدولة العراقية بعد عام 2003 ساهم في بروز أو زيادة قوة العشيرة ونفوذها، وكلما عجزت الدولة عن فرض القانون أخذت العشيرة دوراً أكبر”.