السبت: 18 أغسطس، 2018 - 06 ذو الحجة 1439 - 02:44 مساءً
بانوراما
السبت: 9 يونيو، 2018

تسنيم فهيد

 

مع انطلاق موسم الدراما المُنتظر كل عام في شهر رمضان تُصبح إطلالات الفنانين في أعمالهم الفنية حديث الجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سواء بالإعجاب أو النقد أو حتى السخرية. في هذا العام احتلت لحية الممثل ياسر جلال في مسلسل «شارب الممثل أمير كرارة في مسلسل «كلبش2» ذلك الشارب الذي سبق وأن تصدّر «الترند» في مصر العام الماضي إبان عرض الجزء الأول من العمل، لكنه وجد في لحية ياسر جلال هذا العام منافسًا قويًا له.

وفي السنوات الأخيرة راج إطلاق اللحية والشارب بين عدد كبير من الرجال والشبان في العالم؛ حتى وصلت ذروة هذه «الموضة» عام 2013، وبحسب صحيفة «الإندبندنت» فإن السبب في ذلك يعود إلى نشر العارض البريطاني ريكي هول، صورته وهو ملتحٍ عبر موقع التواصل الاجتماعي «إنستجرام»؛ مما دفع الكثير من متابعيه والمشاهير إلى أن يحذوا حذوه، ومن ثم انتشرت «موضة» إطلاق اللحية كانتشار النار في الهشيم.

ومن المثير للدهشة، أن وجود اللحية والشارب قد يوحي أحيانًا بإطلالة مخيفة ومُنفّرة، وفي أحايين أخرى تزيد من جاذبية صاحبهما أو هيبته؛ فمن المعروف أن اللحية اقترنت لفترة طويلة بالمعتقدات الدينية والانتماء لطبقات اجتماعية بعينها؛ قبل أن تعود في صورة «موضة»، وتنتشر بين الشباب على أنها من سمات الوسامة والرجولة.

وذكرت صحيفة «النيويورك تايمز»، نقلًا عن الجمعية الدولية لجراحة استعادة الشعر (ترميم الشعر)، أنه قد ارتفع معدل عمليات زراعة اللحية من 1.5% من إجمالي عمليات استعادة الشعر التي تم إجراؤها دوليًا في 2012، إلى 3.7% في عام 2014؛ إذ قام ما يقرب من 14 ألف رجل بزراعة شعر لتعزيز اللحى في 2014، في مقابل 4 آلاف و700 عملية في 2012.

وأشارت دراسة أخرى في عام 2016 إلى أن الرجال في المدن الأكثر ازدحامًا يميلون إلى إطلاق لحاهم؛ بسبب قلة الدخل المادي؛ إذ تتحول اللحية حينئذ إلى مجال تنافسي لإظهار سمات الرجولة، وتجدر الإشارة إلى أن حوالي 33% من الذكور الأمريكيين، و55% من الذكور في جميع أنحاء العالم، لهم لحى أو شوارب أو كلاهما، فيما يرى ثلثا النساء أن الرجل الملتحي أكثر جاذبية من الرجل الحليق.

السطور التالية تتبع تاريخ اللحية والشارب، ولماذا سادا في أزمنة، واختفيا في أخرى.

تاريخ اللحية والشارب منذ قديم الأزل

كان للذقون المشعرة واللحى العديد من الاستخدامات خلال تاريخ البشرية؛ إذ استخدمت في وقت مبكر من أجل جلب الدفء والحماية، وكذلك من أجل إلقاء الرعب في قلوب الأعداء، أما الآن فتُعد من مظاهر إلى الرجولة والأصالة والعراقة ومواكبة الموضة.

مصدر الصورة: نيويورك تايمز

ففي عصور ما قبل التاريخ أطلق الرجال لحاهم وشواربهم من أجل الدفء والترهيب والحماية؛ إذ ساعد شعر الوجه على بعث الدفء، وعلى حماية الوجه من الرمال والأوساخ، ومن أشعة الشمس الحارقة أيضًا، في حين أن وجود اللحية يخلق مظهرًا قويًا لخطوط الفكين؛ مما يوحي بالرهبة ويخفي ملامح الوجه الضعيف الشاحب.

الذقون في الحضارات القديمة.. رمز القوة والشرف والحكمة

في الفترة من العام 3000 وحتى العام 1580 قبل الميلاد، أطلق المصريون القدماء لحاهم لأسباب دينية، إذ كانوا يتشبهون بالإله أوزوريس الذي ظهر ملتحيًا في النقوش والتماثيل، وانطلاقًا من مبدأ النظافة الشخصية الذي كان سائدًا لدى الفراعنة؛ فقد آثر الملوك والملكات على حد سواء استخدام اللحى المستعارة المصنوعة من المعدن على اللحى الحقيقية؛ إذ اعتبروا أن اللحى والشوارب والحواجب الكثيفة دليل على عدم النظافة الشخصية، واستخدموا لعقد اللحى المزيفة على الوجه شرائط تُربط فوق رؤوسهم، أما عامة الشعب؛ فكانوا يُطلقون لحاهم التي اعتادوا على صبغها بألوان تتدرج من البني المحمر وحتى البني الغامق.

تمثال رمسيس الثاني في مدينة الأقصر

الحضارات في بلاد ما بين النهرين أيضًا اهتمت كثيرًا باللحى، حتى أنهم استخدموا مستحضرات تجميل مثل الزيوت كي يبدو شعر الوجه صحيًا ولامعًا، واستخدموا أيضًا أدوات كيّ الشعر لتجعيد لحاهم وإعطائها مظهرًا كثيفا مجدولًا، واعتاد الآشوريون على إطلاق لحاهم وصبغها باللون الأسود، فيما أطلقها الفرس وصبغوها باللون البرتقالي المائل للحمرة، وفي كلٍ من تركيا والهند القديمة اعتُبر أصحاب اللحى رموزًا للحكمة والكرامة، وقد اهتم الفينقيون أيضًا بلحاهم تاريخيًا، وتجلى ذلك من خلال تابوت الرجل الذي تم العثور عليه عام 1887، والموجود حاليًا في متحف قادس في إسبانيا.

وفي الحضارة اليونانية القديمة كانت اللحى من علامات الشرف، وكان اليونانيون يُجعدون لحاهم بواسطة ملاقيط معدنية خاصة صنعت لهذا الغرض، وكان حلق اللحية عقوبة تُفرض على البعض ممن يثبت ارتكابهم لجرائم تستحق العقاب أو في حالات الحداد، فيما منع الإسكندر الأكبر الجنود من إطلاق لحاهم بمقتضى مرسوم أصدره عام 345 قبل الميلاد وسرى في جميع الأراضي التابعة لمملكته، وذلك خوفًا من قيام جنود الأعداء بشد لحى جنوده وتأخيرهم؛ مما ينتج عنه إلحاق الهزيمة بهم.

تمثال الإسكندر الأكبر

أما الرومان، فقد فضلوا تهذيب لحاهم وتحديدها بشكل جيد، حتى أصدر لوسيوس تارقينيوس بريسكوس، ملك روما الخامس، مرسوما يقضي بتعميم استخدام شفرات الحلاقة وحلق اللحى في الفترة من 616 إلى 578 قبل الميلاد، وذلك لرفع الوضع الصحي للبلاد، وعلى الرغم من محاولاته لتشجيع الحلاقة، إلا أنها ظلت غير مقبولة حتى عام 454 قبل الميلاد، عندما سافر مجموعة من الحلاقين اليونانيين من صقلية إلى إيطاليا، وأقاموا محلاتهم في شوارع روما الرئيسة، وأصبحت الحلاقة في نهاية المطاف الاتجاه الشائع في روما القديمة، فيما أبقى الفلاسفة على لحاهم دون حلق.

الملتحي والأمرد.. المظهر المهندم الأنيق vs المظهر الريفي الخشن

أطلق الأنجلوسكسونيون لحاهم حتى ظهور المسيحية في القرن السابع؛ إذ صدر حينئذ قانون يأمر بالحلق، ويُحرم على رجال الدين الكاثوليك أن يُطلقوا لحاهم. ثم عادت اللحى عندما بدأت الحروب الصليبية، وتم السماح بترك جميع أنواع شعر الوجه لمدة أربعة قرون؛ إذ كان بوسع الرجال الاختيار بين إطلاق اللحى والشوارب أو ترك وجوههم ملساء كيفما أرادوا.

وفي القرن السادس عشر أطلق الرجال العنان لذقونهم، وبدأوا بإطالتها والاهتمام بتصميمها على غرار شكل المجرفة الإسبانية، أو القصة المربعة الإنجليزية أو الشكل المتشعب غير المهذب أو اللحية المثلثة التي تشبه الخنجر؛ وبقي الحال على ما هو عليه إلى أن جاء منتصف القرن الـ17، فأصبحت الذقن المحلوقة علامة على التحضر والمدنية، حتى أن إمبراطور روسيا بيتر الأعظم، ومن أجل مجاراة الحضارة الأوروبية، أمر الروس بحلاقة ذقونهم، وفرض ضرائب على من يخالف ذلك.

ومنذ بداية القرن 18 الميلادي، اختفى الشعر تمامًا من وجوه الرجال في جميع أنحاء أوروبا آنذاك، ولم يعد إطلاق اللحية أمرًا شائعًا، وسادت أفكار جمالية أخرى حول مظهر الرجال؛ وأصبح شعر الوجه مرتبطًا بصور نمطية قاسية وخشنة وريفية، يقابلها صورة أخرى عن الرجل المهندم ذي الوجه الناعم الأملس، والتي استمرت لمدة 150 عام.

وعندما عادت اللحية إلى الظهور كانت سمة من سمات العمال، وأصحاب المهن اليدوية الشاقة الدُنيا، بالإضافة إلى إطلاق بعض الأشقياء والمنحلين للحاهم، بحسب ما ذكر كتاب «Toilette of Health»عام 1834. فكانت الحلاقة على عكس إطلاق اللحى؛ تعكس صفات أخلاقية رجولية؛ لما تتطلبه من ثبات يد وصبر ومزاج رائق؛ إذ إنها – بحسب الكتاب – تضع «السيد المحترم» في إطار ذهني محدد يعمل على تحسين أخلاقه بصورة يومية.

الرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن

ثم شهد أوائل القرن 19 محاولات لإعادة شعر الوجه، وبدأ الاتجاه نحو إطلاق الشوارب الجانبية (السوالف بطول الخدين)، والتي أصبحت شائعة لدرجة أن بعض التجار بدأوا في توفير شوارب جانبية مستعارة للرجال الذين أرادوا الحصول على حل فوري، وعدم انتظار الشعر حتى ينبت؛ كما بدأ الرجال في إطلاق شواربهم لتقليد جنود سلاح الفرسان البريطانيين الذين أبلوا بلاءً حسنا في ميدان القتال أمام الفرنسيين؛ إذ لم يعتقد البريطانيون أن بإمكان جنودهم الصمود في القتال، خاصة وأن الشعب البريطاني آنذاك كان قد اعتاد على الحياة الرغدة اللينة، وعلى العمل غير الشاق في المكاتب والمصانع؛ مما جعل من تقليد هؤلاء «الأبطال» أصحاب الشوارب واجبًا وطنيًا.

ومع بداية الخمسينات من القرن 19 عاد إطلاق اللحى الكاملة إلى الظهور، وعرفت تلك الفترة لاحقًا بأنها العصر الذهبي لشعر الوجه؛ إذ أصبحت اللحى الكاملة والكثيفة سمت من سمات «السيد المهندم المحترم»؛ ومع شعبية الرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن أطلق الرجال من الطبقة العليا والفقراء في أمريكا لحاهم؛ لما رأوه فيها من سمت للشجاعة الأخلاقية التي كان يتحلى بها لنكولن.

 اللحية والشارب في القرن العشرين.. ظهور واختفاء

على الرغم من أن اللحى لم تكن شائعة خلال الجزء الأول من القرن الـ20، إلا أن بعض الرجال المعروفين، مثل سيجموند فرويد، وألبرت أينشتاين، ومارسيل بروست، كانوا يطلقون لحاهم أو شواربهم؛ ومع حلول عشرينات القرن الـ20 في الولايات المتحدة، كانت معظم وجوه الرجال خالية من شعر الوجه، مع شيوع الشارب الشبيه بعجلة القيادة (handlebar mustache).

الشارب الشبيه بعجلة القيادة (handlebar mustache) – مصدر الصورة: beardstyle.net

ثم بدأت شعبية الشارب في الانحسار، خاصة خلال الحرب العالمية الثانية عندما مُنع إطلاق شعر الوجه في الجيش؛ لأنه يمكن أن يعوق وضع الأقنعة الواقية من الغاز على الوجه بإحكام. ثم عادت اللحية مرة أخرى، ولكن كرمز معاد للدولة، وشاعت بين أوساط الكُتّاب والموسيقيين والمثقفين، حتى أن أعضاء مجموعة البيتلز الموسيقية أطلقوا لحاهم، ثم اختفت اللحية في نهاية سبعينات القرن الماضي، وبقيت الشوارب، ولم تلبث أن عادت مرة أخرى في التسعينات.

ويرى خبراء الأزياء أن إطلاق اللحية، ولو لأيام معدودة، ومن ثم حلاقتها، يعود لنمط الحياة السريعة التي لا تسمح بالحلاقة اليومية، بالإضافة إلى حساسية البشرة التي انتشرت مؤخرًا، وكون الحلاقة عملية مؤلمة للبعض، يهرب منها بإطلاق لحيته وشاربه.