الخميس: 13 أغسطس، 2020 - 23 ذو الحجة 1441 - 05:18 مساءً
سلة الاخبار
الأربعاء: 12 فبراير، 2020

نشر مركز «بيلفر» للعلوم والشؤون الدولية تحليلًا للباحثة مارسين الشمري حول الوضع في العراق، خلص إلى وجود انقسام بين من يريدون إصلاح النظام من الداخل ومن يرون أنه لا حلول حقيقية بدون تغييرات جذرية، مرجحة أن يستمر المحتجون في احتجاجاتهم، على الرغم من العنف الذي يتعرضون له من قبل قوات الأمن والجماعات شبه العسكرية.
وتستهل الباحثة تحليلها بقولها: «منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي نظم العراقيون احتجاجات سلمية مناهضة للحكومة في جميع أنحاء بغداد والمحافظات الجنوبية. ولفتت هذه الحركات الاحتجاجية الجماهيرية الانتباه إلى خطابها القومي الموحد، وتجاهلها لشخصيات مجتمعية وسياسية تقليدية، والتزامها الصارم بالوسائل السلمية في مواجهة الوحشية المتزايدة من جانب قوات الحكومة والجماعات شبه العسكرية».

مقتدى الصدر.. هل يمكن لرجلٍ واحدٍ إخماد الانتفاضة العراقية؟

ومن جانبها حاولت العديد من الجهات الفاعلة في المؤسسة إعادة توجيه الاحتجاجات بطرق مختلفة. وقد تضمن ذلك إجراءات مباشرة ضد المحتجين، بالإضافة إلى محاولات أكثر دقة للتوسط في مسارات للإصلاح الداخلي. انقسم الشعب العراقي بشكل غير متساو بين أولئك الذين لا يقتنعون بإمكانية الإصلاح الداخلي، وأولئك الذين هم على استعداد للمحاولة. آخر مظاهر هذا هو رد الفعل الشعبي على ترشيح محمد توفيق علاوي كرئيس للوزراء. وبالرغم من أن غالبية المتظاهرين رفضوا ترشيح علاوي، إلا أن هناك البعض ممن يطالب بمنحه فرصة.
تنسيق داخلي وخارجي لمحاصرة الاحتجاجات
يضيف المقال: التحديات المباشرة التي تواجه المحتجين العراقيين جرى تنسيقها من قبل جهات فاعلة محلية وأجنبية. وتتعرض حركة الاحتجاج العراقية للحصار منذ الأيام الأولى.
ويشمل ذلك تصرفات الحكومة العراقية نفسها، التي استخدمت مختلف وسائل العنف ضد المتظاهرين، بما في ذلك الاستخدام المميت لقنابل الغاز المسيل للدموع التي تطلق مباشرة على الحشود.
ولجأت الجماعات شبه العسكرية المرتبطة بالنخب السياسية إلى الرصاص الحي وأساليب التخويف المختلفة، بما في ذلك خطف الناشطين وتعذيبهم. ونتيجة لذلك، تم الإبلاغ عن أكثر من 600 حالة وفاة وآلاف الجرحى في الأشهر الأربعة الماضية.
وتشير مارسين إلى أنه في الآونة الأخيرة انقلب بعض أنصار مقتدى الصدر، وهو رجل دين إسلامي بارز، ضد حركة الاحتجاج وحاولوا وقفها بالقوة. وفي بغداد، استولوا على المطعم التركي، وهو مبنى كبير في ميدان التحرير كان بمثابة النقطة المحورية للاحتجاجات. واصطدم أصحاب «القبعات الزرق» من أتباع مقتدى الصدر بعنف مع المحتجين في جميع أنحاء الجنوب أيضًا. ويوم الخميس، تشير التقارير إلى مقتل ثمانية محتجين وجرح 52 آخرين في اشتباكات في مدينة النجف المقدسة.

مبنى المطعم التركي في ميدان التحرير
لكن ليست قوات الأمن المحلية وحدها هي التي هددت حركة الاحتجاج العراقية، وأصبحت ضحية لموقع العراق كمنطقة للتنافس الأجنبي. وأدى القرار الأمريكي باغتيال القائد الإيراني البارز قاسم سليماني ونائب رئيس قوات الحشد الشعبي أبي مهدي المهندس، إلى تسارع مذهل في التهديدات والمواجهات الموعودة بين إيران والولايات المتحدة، وكل ذلك على الأراضي العراقية.
وبينما حذر العديد من المراقبين من تداعيات هذا الرفض الكامل للسيادة العراقية (من جانب الأمريكيين والإيرانيين)، وحُقَّ لهم ذلك، فإن الضرر الذي تسببت به هذه الأعمال للمحتجين العراقيين لم يسلط الضوء عليها في كثير من الأحيان.
المؤسسة الدينية تريد الإصلاح من داخل النظام وتتخوف من الفوضى
أولًا واجه العديد من المحتجين اتهامات بأنهم عملاء أمريكيون وأصبحوا أهدافًا للانتقام من جانب الفصائل المسلحة. ثانيًا أدت المحاولات الأمريكية لإضفاء الشرعية على تصرفات المحتجين من خلال التأكيد على بعض النغمات المعادية لإيران للاحتجاجات إلى تعريض المحتجين العراقيين لمزيد من الخطر، والذين جرى تجاهل رفضهم لجميع التدخلات الأجنبية في بلادهم.

ومن غير قصد حولت الإجراءات الأمريكية سليماني والمهندس بعد اغتيالهما إلى شخصيات أكبر من الحياة داخل البلاد، حيث كتب حتى أبرز رجل دين شيعي في العراق، آية الله العظمى علي السيستاني، رسالة رثاء إلى الزعيم الأعلى لإيران علي خامنئي.
في الوقت نفسه دعت تصريحات السيستاني العلنية حول حركات الاحتجاج – الصادرة خلال خطب صلاة الجمعة لممثليه في كربلاء – إلى الوساطة والإصلاح الداخلي، مع الإقرار بمطالب المحتجين.
وكان السيستاني قد دعا في السابق إلى إصلاحات داخلية أخرى بما في ذلك استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وإجراء انتخابات مبكرة. وربما يكون هذا التأييد غير الرسمي للنظام السياسي من خلال اقتراح حلول من داخل هيكل النظام يتعارض مع مطالب المحتجين.
وتشير الباحثة إلى أن المؤسسة الدينية، التي تعد متخوفة تاريخيًا من عدم الاستقرار السياسي و«الفوضى»، سوف تدعم ترشيح علاوي كشكل من أشكال الإصلاح من الداخل. غير أن ترشيح علاوي من قبل النخبة السياسية الحالية، بما في ذلك الصدر، وكذلك فترة عمله كنائب برلماني سابق ووزير للاتصالات جعلته غير مستساغ لكثير من المحتجين.
«واشنطن بوست»: كيف اختير توفيق علاوي رئيسًا لوزراء العراق؟
ويتابع التحليل: إن بوادر انفتاح علاوي تجاه المتظاهرين – بما في ذلك حثهم على الاستمرار في المطالبة بحقوقهم من خلال الاحتجاج ووصف نفسه بأنه «موظفهم» – سقطت على آذان صماء. لكن بعض المحتجين دعوا العراقيين إلى السماح لعلاوي بفرصة لإظهار التزامه بوعوده. وتشمل هذه الوعود إجراء انتخابات مبكرة، والعدالة إزاء العنف الذي ارتكب ضد المتظاهرين، وتشكيل حكومة تمثيلية خارج الكوتا الطائفية العرقية.
وفي أعقاب الهجمات على المتظاهرين في النجف، كان علاوي من بين أول من دان ذلك وأعاد التأكيد على الحاجة إلى محاسبة من ارتكبوا جرائم ضد المتظاهرين. ويصف علاوي إراقة دماء العراقيين بأنها «خط أحمر».
بين العراقيين هناك البعض ممن يسعون إلى الإصلاح من داخل النظام، وفيما يعتقد البعض الآخر أن التغييرات الأكثر جذرية هي التي ستحقق النتائج. وبينما يقف العديد من المحتجين في المعسكر الأخير –  إذ يشككون في صحة أي حل مقترح من داخل المؤسسة السياسية – عبرت أقلية عن استعدادها لمنح علاوي فرصة.
غير أن مسار الإصلاحات الداخلية ليس بالضرورة سهلًا ولا مباشرًا، حتى لو قرر المتظاهرون تأييده. أولًا لأنه من الصعب دفع أي مرشح من خلال النظام السياسي في العراق. وعلى الرغم من ترشيحه، إلا أن تولي علاوي رئاسة الوزراء وحكومته يحتاجان إلى موافقة البرلمان.

المحتجون مستمرون وحققوا مكاسب سياسية
وتختتم الباحثة تحليلها بأنه من المرجح أن يستمر المحتجون العراقيون الذين استمروا بالرغم من العنف والتدخل الدولي في المضي قدمًا في احتجاجاتهم. وترى أنهم يعملون في بيئة حاولت فيها كل جهة فاعلة من النخبة أن تستغلهم أو تقصيهم أو تقلل من شأنهم. على الرغم من هذه التحديات، إلا أنهم حققوا مكاسب سياسية، وأهمها اعتراف جميع الأطراف بأن الشرعية لا يمكن أن تأتي إلا من الشعب.