الجمعة: 25 مايو، 2018 - 10 رمضان 1439 - 08:45 مساءً
ملفات
الأحد: 28 يناير، 2018

  عواجل برس/ بغداد

 

القوات المسلحة غالبًا ما تؤدي أدوارًا مهمة في اقتصادات البلدان النامية، وغالبًا ما يتم تمويلها بطرق غير رسمية.

نشر موقع «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الاستراتيجية تقريرًا يتناول بالتحليل سعي إيران الملحوظ تجاه الإصلاحات الاقتصادية، والتي قد تبدو على أنها تنازلات من أجل الفوز بالتأييد الأوروبي، علاوة على الإجراءات الصارمة التي فرضت على الحرس الثوري، والتي تبدو في ظاهرها كمحاولة لإضعاف شوكته. فكيف نجح الرئيس الإيراني في الحصول على دعم خامنئي في تلك التحركات؟ وهل المستهدف منها إصلاح حقيقي، أم استمالة للموقف الأوروبي ألا يسير على خُطى التعنت الأمريكي؟

يقول التقرير: إنه «في حين تهدد الولايات المتحدة الأمريكية بالانسحاب من اتفاقية الأسلحة النووية مع إيران، توجه العسكرية الإيرانية الأوامر لجيشها – المؤلف من قوات الحرس الثوري الإيراني وجيش الجمهورية الإسلامية – بتصفية أية أنشطة اقتصادية، ليس لها صلة بمهامه العسكرية الأساسية. تعد تلك الخطوة مميزة؛ نظرًا إلى مدى رسوخ الحرس الثوري الإيراني في السياسة والاقتصاد الإيرانيين».

بيد أن من ناحية أخرى، ما تزال لجنة التحكيم تبحث في حقيقة حدوث تدخل قانوني فعلي، أم أن الأمر لا يخرج عن كونه عرضًا ظاهريًا، ويضيف بأن هناك محركات داخلية قد تكون السبب وراء تلك الإجراءات الصارمة، وأنه «يجب ألا يُستبعد هذا الاحتمال»، إلا أن المحركات الدولية بالتأكيد أثرت على حسابات طهران، كضغط الولايات المتحدة الأمريكية على إيران اقتصاديًا، وحثها الاتحاد الأوروبي على اتباع نفس النهج من خلال التوقيع على اتفاق تكميلي يزيد من نطاق تفعيل الاتفاق النووي الايراني.

وتقول واشنطن: إنها في حالة لم يوقع الاتفاق التكميلي المعروف رسميًا بـ«خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)» -اتفاقية المراحل الأخيرة للنقاشات بين إيران وبين الدول الست حول برنامجها النووي – ستنسحب من الاتفاقية.

سيادة الحرس الثوري الإيراني

في ظل حكم الرئيس السابق أحمدي نجاد بدأت إمبراطورية الأعمال التجارية للحرس الثوري الإيراني في التوسع بشكل ملحوظ، وربما على حساب قدراتها الدفاعية والاستخباراتية.

يذكر التقرير أن القوات المسلحة غالبًا ما تؤدي أدوارًا مهمة في اقتصادات البلدان النامية، وغالبًا ما يتم تمويلها بطرق غير رسمية، وباعتبار أن «المال هو القوة»، فإن تلك الجيوش غالبًا ما تلعب دورًا ضخمًا في تشكيل السياسية، وأحيانًا على حساب القيادة المدنية للدولة مثلما في حالة إيران الثيوقراطية.

ويضيف أن تداخل الحرس الثوري الإيراني في الاقتصاد الإيراني والمجتمع المدني تداخلًا ملحوظًا وبارزًا، ولطالما كانت القوة متمثلة في الدور الاقتصادي، لكن في ظل حكم الرئيس السابق أحمدي نجاد في الفترة من 2005 حتى 2013، بدأت إمبراطورية الأعمال التجارية للحرس الثوري الإيراني في التوسع بشكل ملحوظ، وربما على حساب قدراتها الدفاعية والاستخباراتية.

محمود أحمدي نجاد

وحسب ما جاء في التقرير، فإن الرئيس الأسبق أحمدي نجاد بينما انتقد محاولات أسلافه لخصخصة أجزاء من الاقتصاد الإيراني، كان يعمد إلى تكديس حكومته بأعضاء من الحرس الثوري و«الباسيج» – الميليشيات التطوعية في الحرث الثوري – وبالتالي من بناء تحالفًا من المتشددين في وجه الإصلاحيين الذين تولوا الرئاسة من بعده.

بيد أنه بناء على طلب الحرس الثوري الإيراني استكمل أحمدي نجاد خصخصة العديد من الشركات المملوكة للدولة، بل وسرع من وتيرة تنفيذ ذلك، واضعًا الأفراد والشركات شبه العامة التي علاقتها قوية بالحرس الثوري في مواقع قوية، فضلًا عن منح العقود المحلية المربحة، كتراخيص البترول والغاز الطبيعي ومشروعات الخدمات العامة لشركاتٍ ذات صلة بالحرس الثوري الإيراني من خلال عقود غير مدفوعة.

أدت تحركات أحمدي نجاد تلك إلى اجتياح الحرس الثوري كل القطاعات الاقتصادية تقريبًا، وعلى وجه الخصوص وحدة «خاتم الأنبياء» للإعمار – شركة هندسية إيرانية يسيطر عليها حرس الثورة الإسلامية – سواء بصورة رسمية أو غير رسمية. وسرعان ما صارت العيوب والثغرات في النظام الجديد واضحة.

فضلًا عن فشل بعض المشروعات المغامرة للحرس الثوري الإيراني في قطاعات النفط والغاز الطبيعي لدرجة صدور قرار بمنع الحرس الثوري الإيراني من المشاركة في أي تطويرات كبيرة خاصة بالنفط أو الغاز الطبيعي بصورة مباشرة في إحدى الفترات، علاوة على تفشي غسيل الأموال، والتهريب، والفساد، وسوء الإدارة؛ ما ألحق الدمار بالاقتصاد الإيراني، والذي سرعان ما صرعته ضربة مزدوجة مع تشديد العقوبات الغربية الخناق على صادرات إيران النفطية.

تراجع وإصلاح بطيء

وعلى الرغم من انتهاء ولاية أحمدي نجاد قبل خمس سنوات تقريبًا، فلم تزل سياساته الاقتصادية تخيم على الاقتصاد الإيراني؛ فيقول الكاتب: إنه «منذ بداية حملة ترشحه الأولى، ركز الرئيس الحالي حسن روحاني على وعوده بالإصلاح المعتدل، وأنه سيجري مفاوضات لتخفيف العقوبات الاقتصادية؛ مما يسمح بتعزيز الاقتصاد الإيراني، وكانت إحدى رسائله الأساسية خلال الحملة الرئاسية لعام 2017، أن الحرس الثوري الإيراني يجب أن يتخلى عن بعض أوجه إمبراطوريته التجارية، إلا أن توجهاته الإصلاحية لم تكن موضع ترحيب».

حسب تقرير «ستراتفور»، واجه الحرس الثوري الإيراني أجندة روحاني للإصلاحات الاقتصادية من أجل حماية مصالحه، ولعل ذلك يفسر «لماذا استغرق منح عقد البترول الإيراني لشركة دولية وقتا طويلًا؟» إذ لعب الحرس الثوري الإيراني دورًا مهمًا في السياسة الخارجية أيضًا، وبشكل خاص محاولاته المضنية من أجل تقويض الاتفاق النووي.

حسن روحاني

بيد أن العائق الوحيد أمام روحاني لم يكن الحرس الثوري وإمبراطوريته الاقتصادية، فحسب ما ذكره التقرير أن محاولات روحاني للوفاء بوعود حملته الانتخابية، وأن يدحر الحرس الثوري الإيراني، كانت رهينة لما يسمح به القائد الأعلى «آية الله علي خامنئي» – الأكثر تشددًا من روحاني؛ فالرئيس في إيران لا يمكنه التصرف إلا في حدود ما يسمح به «خامئني»، وهكذا كافح «روحاني» لكبح جماح الحرس الثوري الإيراني خلال سنوات توليه الرئاسة الأولى. ومع ذلك ظهرت مجموعة من التقارير العام الماضي تفيد باعتقال بعض أعضاء الحرس الثوري الإيراني، وبعض شركائه، واحتجازهم، وصودرت بعض ممتلكاتهم، ويؤكد الكاتب أن مثل تلك الخطوات «لم تكن ممكنة بدون دعم ضمني من خامئني».

يشير التقرير إلى أن موجة الاحتجاجات التي اجتاحت إيران طوال الشهر الماضي ركزت بشدة على المشكلات الاقتصادية، ووجهت الأنظار للكسب غير المشروع في بعض المجموعات، بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني، لكن هذه المرة تبدو مختلفة؛ إذ يذكر التقرير أن «محاولات روحاني الإصلاحية ربما حازت على تأييد واضح من خامئني»؛ فقد وجه خامنئي الأوامر للحرس الثوري الإيراني ببيع أسهمه التي تقع خارج نطاق أعماله الأساسية كقوة عسكرية.

وهكذا، يبدو أن روحاني نال الدعم الكامل من خامئني في خطواته الإصلاحية وإعادة هيكلة الاقتصاد السياسي الإيراني، فضلًا عن دعمه البراجماتي للاتفاق مع الغرب على برنامج إيران النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية، لكنه يستدرك قائلًا: إن «توجيه الأوامر بخروج الحرس الثوري الإيراني من الاقتصاد، وضمان تحقيق ذلك فعليًا، هما أمران مختلفان تمامًا».

وبالتالي فإنه من المرجح أن يحدد الحرس الثوري الإيراني – بشكل موسع – العمليات التجارية التي تشكل مصالحه الأساسية، فعلى سبيل المثال، صرح وزير الدفاع الجنرال «أمير حاتمي» أن بعض المشروعات التنموية للحرس الثوري الإيراني ستبقى تحت المراقبة؛ ما يعني ضمنيًا أن وحدة «خاتم الأنبياء» للإعمار ستبقى مطالبة بالمشروعات الهندسية المدنية الواسعة النطاق، والمشروعات المعمارية. وعلى الرغم من أن الحرس الثوري الإيراني والشركات التابعة له تملك حصصًا مباشرة في شركات معينة.

فإن العديد من الشركات التي تستفيد من القوة السياسية للحرس الثوري يمتلكها أعضاء من الحرس الثوري الإيراني السابقين، أو الشركات التابعة له؛ ما يعني أن دورهم في الاقتصاد سيبقى قويًا، وبالمثل: فعلى الأرجح ستؤول أية حصص يخصخصها الحرس الثوري الإيراني إلى الشركاء المقربين من قوات الحرس الثوري، لكن التحدي الأصعب – حسب ما جاء في التقرير – يتمثل في كون كثير من الاقتصاد الإيراني «غير رسمي»؛ ما يجعل إنفاذ تلك الخطوات الإصلاحية أمرًا في غاية الصعوبة.

تنازلات ملائمة

سوف تواصل طهران جهودها لتقديم تنازلات للاتحاد الأوروبي؛ لتتجنب توافقه مع موقف الإدارة الأمريكية.

يفيد التقرير بأن إمكانية حدوث مباحثات أخرى بين طهران والغرب بشأن أوجه البرنامج الإيراني النووي، أو أنشطة إيران العسكرية الأخرى، مثل برنامجها طويل الأمد للقذائف الباليستية، قائمة، لكن بشرط الحصول على تصريح من خامئني. ففي الأسبوع الماضي، أخبر «زيجمار جابرييل» – وزير الخارجية الألماني – «ريكس تيلرسون» – وزير الخارجية الأمريكي – أن «إيران عرضت مناقشة بعض أوجه برنامج الصواريخ الباليستية في مباحثات جديدة».

ومن ناحية أخرى صرح «جان إيف لو داريان» وزير الخارجية الفرنسي بتصريح مماثل في يوم 21 يناير (كانون الثاني) قائلًا: إن «فرنسا قد بدأت بالفعل المحادثات مع إيران بشأن الأمر»، إلا أن إيران سارعت بنفي تلك الادعاءات، فيما يشير تقرير «ستراتفور» إلى أنه لا يمكن الوثوق في صحة النفي الإيراني؛ باعتبار ضخامة الخسارة التي ستمنى بها إيران، إذا ما اعترفت بصحة تلك المفاوضات، في مقابل المكاسب المتدنية التي ربما تحققها إذا ثبتت صحتها.

آية الله علي خامنئي يتوسط رجال الجيش في جنازة أحد جنود الحرس الثوري الإيراني الذي قتل في معركة بسوريا

ويضيف التقرير أن الضروريات الاقتصادية التي دفعت إيران بداية للتفاوض مع الغرب حول برنامجها النووي ما تزال قائمة، فضلًا عن أن إيران تولي حماية ما توصلت إليه من تخفيف العقوبات المتفق عليه من خلال خطة العمل الشاملة أولوية عليا، وسوف تواصل جهودها لتقديم تنازلات للاتحاد الأوروبي؛ كي تحميه من التوافق مع موقف الإدارة الأمريكية؛ إذ تعتقد الأخيرة بقيادة دونالد ترامب أن خطة العمل الشاملة ليست كافية، ويهدد ترامب بالانسحاب منها، في حين تحذر القوى الأوروبية واشنطن من اتخاذ مثل تلك الخطوة، كما توصي بأن تمتثل إيران للاتفاقية.

يذكر التقرير بعض الأمثلة على المساعي الإيرانية: إذ عقدت إيران ثلاث محادثات منذ عام 2016 مع الاتحاد الأوروبي، وشملت مناقشات حول مخاوف الاتحاد الأوروبي المتعلقة بحقوق الإنسان. إلا أن إيران قد أبدت تنازلات بناء على تلك التخوفات، فأصدرت مؤخرًا قرارًا ينص على إلغاء عقوبة الإعدام لبعض مرتكبي جرائم المخدرات.

وظهر أحد التنازلات الأخرى في طريقة تعامل إيران مع الاحتجاجات التي اندلعت مؤخرًا؛ إذ كانت أقل حدة بكثير عما اعتادت عليه في الماضي، بالإضافة إلى أن وزير الخارجية الإيراني «جواد ظريف» كتب افتتاحية لصحيفة «فاينانشيال تايمز» في 21 يناير، آملًا أن تساعد في بدء محادثات استراتيجية بشأن القضايا الإقليمية مع جيرانها ومع الغرب، فضلًا عن حظر خامئني الصواريخ الباليستية التي تتجاوز مدى أبعد من ألفين كيلومتر.

يشير التقرير إلى أن الحملة على الحرس الثوري الإسلامي قد تكون تنازلًا آخر تقدمه إيران للاتحاد الاوروبي. جدير بالذكر أن الحرس الثوري الإيراني لطالما سعى إلى تعطيل المحادثات مع الغرب، ويعد إضعافه عاملًا رئيسًا لضمان نجاح أية محادثات مع الغرب، ويضيف أنه حتى في حال فشلت أية محادثات محتملة، أو أية عقوبات محتملة، فإن الحد من مشاركة الحرس الثوري الإيراني في الأعمال التجارية؛ سيقلل بالتبعية من أثر العقوبات التي تستهدف الحرس الثوري الإيراني على وجه التحديد.

ويختتم تقرير «ستراتفور» مؤكدًا على أن الاتحاد الأوروبي سيقبل بالتنازلات التي تقدمها إيران، لكن ليس واضحًا ما إذا كانت ستقبلها الولايات المتحدة الأمريكية أم لا. ويعتقد أن تلك التنازلات لن تحرز تقدمًا كبيرًا في تهدئة منافسيها الإقليميين كإسرائيل والمملكة العربية السعودية.

ويشير إلى أن «تيلرسون» – المتواجد في أوروبا الآن – سيحسم الجدل هذا الأسبوع حول «هل ستقبل أوروبا التنازلات الإيرانية وإعلان دعمها لخطة العمل الشاملة؟ أم ستؤيد الولايات المتحدة الأمريكية في موقفها، وتزيد الضغط على إيران بسبب برنامجها النووي والبرامج العسكرية الأخرى، وبالتالي تقوض خطة العمل الشاملة المشتركة؟» أما من ناحية إيران، فهي تدرك تمامًا المخاطر، وتأمل أن تحركاتها مؤخرًا ضد الحرس الثوري الإيراني، ستؤثر على توازن القوى، بما يصب في مصلحتها.