الأربعاء: 22 نوفمبر، 2017 - 03 ربيع الأول 1439 - 01:35 صباحاً
ملفات
الأحد: 5 نوفمبر، 2017

عواجل برس _ بغداد

هالة اسامة

يُنظَر إلى عدم الإيمان في معظم الدول العربية على أنَّه أمر منذر بالخطر، فقد صدرت أوامر لوزارتين مصريتين بوضع خطة قومية لمحاربة الإلحاد والقضاء عليه، وفي السعودية يُصنِّف قانون مكافحة الإرهاب الجديد «الدعوة إلى الفكر الإلحادي» جريمة إرهابية. قد تبدو مطاردة غير المؤمنين غريبةً في وقتٍ تملؤه المخاوف بشأن أولئك الذين يقتلون باسم الدين، ولكن المجتمعات العربية تمقت الاختلاف، والأنظمة التي تحكمها تُروِّج غالبًا لنُسخة رسمية من الإسلام تلائم احتياجاتها السياسية، ومن ثَم يُنظَر لكُلٍّ من الجهاد والإلحاد -رغم اختلافهما الشديد- بأنَّهما أشكال للانحراف الاجتماعي أو السياسي، وتُثار في الإعلام العربي مخاوف من أنَّ أولئك الذين يرفضون الله والدين سيجلبون الفوضى وانعدام الأخلاق إذا أُتيحَت مساحة لأفكارهم.
يُعاقَب على الردَّة في ست دول عربية -الكويت وقطر والسعودية والسودان والإمارات واليمن- بالإعدام، لم تُنفَّذ إعدامات في السنوات الأخيرة ولكنَّ مَن يُتَّهمون بازدراء الدين قد يواجهون السجن لفترات طويلة. وفي مصر التي وصل قائد القوات المسلحة عبد الفتاح السيسي إلى السُلطة فيها في 2013 بعد الإطاحة برئيسٍ إسلامي، بدأ النظام الجديد في قمع الإخوان المسلمين والمُشتبه بأنَّهم مُتطرِّفون دينيون والمُلحدون في الوقت نفسه، فقد أُغلِق مقهى بالقاهرة يزعم أنَّ المُلحدين يرتادونه، ويواجه أمين مكتبة تحدَّث في برنامج تليفزيوني عن النزعة الإنسانية الفصل من وظيفته وقد يُحاكَم بتُهمة «الترويج لأفكار إلحادية».
يزداد وجود المُلحدين العرب وضوحًا، ويرجع هذا بدرجةٍ كبيرة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، كما أنَّه من الملحوظ زيادة أعدادهم. تسبَّب استفتاء حول الدين في 57 دولة أجراه معهد جالوب في 2012 في شعور السعودية بالخطر؛ وهي التي تدَّعي كونها أقدس الدول العربية لكونها مهد الإسلام، فقد قال 19 بالمئة ممَّن استُفتوا هناك أنَّهم غير مُتديِّنين، ووصف 5 بالمئة أنفسهم بأنَّهم مُلحدون.
أمَّا في مصر، فظهور «تهديد» إلحادي يتماشى مع رواية الحكومة السياسية للوضع، فهي تعتبره نتيجة مؤسفة لعامٍ من حُكم الإخوان المسلمين السيئ. وقد اقترح بعض المُحلِّلين أنَّ داعش تُبعِد بعض المسلمين عن الإسلام كما تجذب بعضهم للجهاد. ليست هناك الكثير من الأدلة لدعم النظريتين، فالمُلحدون يختلفون مع الدين بصورةٍ عامة، وليس فقط مع الأشكال الغريبة للتديُّن، فالجوانب الجدلية للإسلام التي يراها مَن يتركون الإيمان مختلفة عن تلك التي يُصوِّرها الإعلام الغربي.
حاولتُ خلال بحثي من أجل تأليف كتابي Arabs Without God العام الماضي معرفة سبب اتِّجاه بعض العرب إلى الإلحاد، لم يذكُر أيٌّ ممَّن تحدَّثتُ معهم الإرهاب باعتباره عاملًا أساسيًّا، فأولئك الذين تركوا الإسلام تركوه بسبب رفضهم لتعاليمه الأساسية، التي تعلَّموها أساسًا في المدارس وعلى يد رجال الدين المُعتمَدين من الحكومة.
وصوَّر معظمهم في حواراتهم ابتعادهم عن الدين بأنَّه تطوُّر تدريجي، أحيانًا على مدار سنوات، فلم تكُن هناك لحظة مُفاجئة تحوَّلوا فيها إلى الإلحاد. يبدأ الأمر عادةً بسؤال تافه عن بعض جوانب التعاليم الدينية التي يرونها غير منطقية، ويأملون غالبًا في حلّ تلك التناقضات لكي يفهموا دينهم أفضل.
كانت المشكلة التي يذكر العرب أنَّها أول خطوة في الطريق إلى عدم الإيمان أكثر من غيرها هي الظُلم الواضح في العدل الإلهي، فالصورة التي كوَّنوها عن الله كانت إلهًا عنيفًا غير عقلاني أحيانًا يتصرَّف مثل الديكتاتوريين العرب، رمز بصفات بشرية يتَّخذ قرارات تعسُّفية ويبدو مُتلهفًا لعقاب الناس في أول فرصة. يبدو أنَّ التحذيرات المخيفة المُكرَّرة باستمرار في القرآن حول ما سيحدث لغير المؤمنين قد تركت فيهم في طفولتهم انطباعات قوية.
يقول مُلحد مصري: «كانت فكرة النار الأبدية مُزعجة جدًّا لي، كنتُ في التاسعة عندما سألتُ والديَّ عن سبب عقاب الله لنا جميعًا للأبد بينما نعيش لحوالي 70 عامًا فقط». وقال مُلحد سعودي إنَّه بعد ذهابه إلى الولايات المُتحدة للدراسة بدأ يُدرك مدى تشابه كل الديانات في التعاليم الأساسية، وقال: «في الإسلام، نتعلَّم أنَّ كل غير المسلمين سيذهبون إلى النار، كان لي جاران يهوديان كانا أطيب وألطف ثنائي، وجعلني هذا أتساءل لماذا عليهما أن يذهبا إلى النار؟ وفجأةً بدأ الإسلام ينهار أمامي».
ووصف شاب فلسطيني من مدينة قلقيلية أسرته التي نشأ فيها بأنَّها أسرة مسلمة عادية ولكنَّه بدأ في المرحلة الثانوية طرح أسئلة مثل هل نحن أحرار في اختيارنا أم لا؟ كان قد خاض في جدال دام لقرونٍ في عقول اللاهوتيين -المسيحيين والمسلمين- عن حرية الإرادة والقَدَرية. طرح الشاب أسئلته على مُعلِّمه فقال إنَّ السؤال عن هذه الأمور حرام، فيقول: «لم أحصل على إجابةٍ فذهبتُ إلى إمامٍ في قلقيلية وحصلتُ على الإجابة ذاتها».
هذا النوع من الإجابات مألوف في المجتمعات السُلطوية وقد وجده الكثيرون من العرب الآخرين الذين تركوا الدين، وكان هو على الأرجح ما وضع الكثير من الشباب المسلمين على طريق عدم الإيمان عن طريق حثِّهم على البحث أكثر عن الإجابات. فيقول هذا الشاب: «ذهبتُ إلى المكتبة في مدرستي والمكتبة العامة في مدينتي، يمكنك العثور على الكثير من الأشياء عن الدين ولكنَّك لن تجد شيئًا عن انتقادات الدين. قضيتُ حوالي أربع سنوات في البحث لأنَّني عندما بدأتُ بهذه المسألة اكتشفتُ المزيد والمزيد، وابتعدتُ عن الدين خطوة تلو الأخرى حتى تركتُ الإسلام في عامي الجامعي الأول».
ربما نظن أنَّ للنساء في الشرق الأوسط أسبابًا أكثر من الرجال للتخلِّي عن الدين، نظرًا لتبرير الإسلام غالبًا لعدم المساواة بين الجنسين -مثل قوانين الإرث التمييزية، وإخضاع النساء تحت قناع «الاحتشام»-، تتمرَّد بعضهن بالطبع وتتركه، ولكنَّ الظروف الاجتماعية التي صنعها النظام الأبوي تجعل حتى تفكير الأخريات في ذلك صعبًا، فالاختيار بين الإيمان وعدم الإيمان ليس خيارًا واقعيًّا أمام أعداد شاسعة من النساء العربيات.
تقول فتاة بحرينية: «هناك الكثير من الضغط على النساء لكي تتماثل مع المجتمع، فكل شيء يُحسَب وكل شيء يُراقَب، حتى الأمور البسيطة مثل العثور على شريكٍ أو الدخول في علاقة عاطفية على سبيل المثال». كما يُشكِّل الربط المجتمعي بين الإلحاد والفسق عائقًا آخر أمام النساء اللاتي تواجه شكوكًا دينية، بما أنَّه من المُتوقَّع منهن أن يكُنَّ «عفيفات» لكي تتزوَّجن.
كما يقول مدير صفحة «الملحدين العرب» على فيسبوك: «من الصعب الإعلان عن الإلحاد لأنَّ المجتمع يعتبرك شخصًا بلا قيم أخلاقية على الفور، ويؤثِّر هذا على الفتيات أكثر من غيرهن، كان علينا حذف أسماء العضوات من الصفحة لحمايتهن من أسرهن ومن المجتمع». ليست الضغوط المجتمعية من هذا النوع هي السبب الوحيد لتمسُّك العديد من النساء بالدين، فقد يُشكِّل أيضًا عاملًا مُطمئنًا لمَن تشعر بالاضطهاد، ممَّا يصنع موقفًا مُفارقًا يقهر الدين فيه صاحبته ويدعمها في الوقت ذاته.
هناك فرق بارز بين غير المؤمنين من العرب وأولئك في الغرب، وهو أنَّ الحُجج العلمية عن التطوُّر وأصل الكون، التي تُشكِّل جزءًا كبيرًا من الخطاب الإلحادي الغربي، تلعب دورًا ضئيلًا في ابتعاد العرب عن الدين، على الأقل في المراحل الأولى. فلا يكون تساؤلهم المبدئي عمومًا عن احتمالية وجود الله من عدمها، وإنَّما يكون عن إمكانية وجود الله على الشكل الذي تصفه به الأديان المُنظَّمة.
فيحتفظ بعضهم بإيمان مُبهَم بذاتٍ إلهية أو يُعبرون عن تطلُّعٍ إلى «الروحانية»، رغم رفضهم لإله الإسلام. لربما كان بعضهم قد استكشف الأنظمة العقائدية الأخرى أو الأديان الجديدة في ظروفٍ أخرى، ولكن الفرص محدودة جدًّا في الشرق الأوسط، إذ تتسامح معظم الدول المسلمة مع المسيحية واليهودية إلى حدٍّ ما، وتشير إليهما بالأديان «السماوية»، ولكن لا يُعترَف عادةً بالأديان الأخرى أو يُسمَح بها، برغم إمكانية ممارستهم سرًّا.
كما يتَّخذ بعض المسلمين قرارًا تكتيكيَّا بعدم الانفصال عن الدين تمامًا، ويُقدِّمون أنفسهم باعتبارهم مسلمين «تقدُّميين» علمانيين أو «مُصلِحين» إسلاميين، ولكن بالطبع ليس كل المُسلمين التقدُّميين يُضمِرون عدم الإيمان، فالكثيرون منهم متديِّنون. يعتقد شاب فلسطيني يدرس بجامعة بيرزيت كان قد درس أعمال مجموعة من المُفكِّرين العلمانيين العرب في القرن العشرين أنَّ نسبة كبيرة منهم كانت في الحقيقة مُلحِدة، أو على الأقل لا توافق على فكرة وجود إله في السماء. وأضاف أنَّ العديدين منهم قد قالوا ذلك في جلساتٍ خاصة، وقال: «إنَّ الكتابة النقدية عن الدين في العالم العربي ليست سهلة ولا آمنة، ولكن بما أنَّنا نقرأ بالعربية للعقلانيين، نبدأ في فهم ما يقصده الكُتَّاب عندما يستخدمون طرقًا معينة للتعبير عن أفكارهم، ويمكننا تخمين مواقفهم التي لا يمكنهم التعبير عنها بصراحةٍ». ومركز الدين البحثي الذي يصف نفسه بأنَّه «مركز بحثي إسلامي معاصر» هو مثال على المُنظَّمات التي تُعيد تفسير النص وتقترب من الإلحاد بينما تظل تدَّعي عضويتها بالإسلام.
لا شك أنَّ الإصلاح الإسلامي سيُفيد الشرق الأوسط على المستوى الاجتماعي والسياسي، ولكن لا يمكن للمُلحِدين مناصرة هذه القضية دون التضحية بمبادئهم. تنظر الأشكال المُتقدِّمة من الإسلام عمومًا إلى القرآن في سياقه التاريخي، وتقول إنَّ القواعد التي طُبِّقت في عهد الرسول يمكن إعادة تفسيرها اليوم في ضوء الظروف المُتغيِّرة، ولكن يتطلَّب هذا ارتضاء القرآن سُلطةً نصِّيةً فوقيةً. ووضع القرآن أمر هام على نحوٍ خاص لكُلٍّ من أتباع الإسلام ومعارضيه، فبينما يعتبر المسيحيون الإنجيل وحيًا إلهيًّا كتبه البشر، يُزعَم أنَّ القرآن هو كلام الله كما أوحِي به للنبي محمد عن طريق الملاك جبريل.
يميل المُلحِدون من خلفيةٍ إسلامية غالبًا إلى الخلاف حول أصالة القرآن والنبي أكثر من التشكيك في الإله، ويمتد هذا لتاريخ طويل. لطالما صُنِّف رمزا القرنين التاسع والعاشر؛ ابن الراوندي وأبو بكر الرازي، ضمن المُلحِدين، رغم أنَّه من الأدق وصفهم بأنَّهم عقلانيون مناهضون للنبوة. لم يكونا مهتمين بما إذا كان الله موجودًا (ولم تكُن لديهم معرفة علمية كافية ليبنيا عليها قضيةً) ولكنَّهما كانا مُتشكِّكين جدًّا في الأنبياء، بمن فيهم محمد. فمع زعم الكثيرين كونهم أنبياءً ومناقضتهم لبعضهم البعض غالبًا، يوحي المنطق بأنَّه من غير الممكن أن يكون لهم جميعًا صلة بالله، ولذا كان السؤال هو أيُّهم نبي حقيقي -إذا كان هناك نبي حقيقي-.
كانت حُجج غير المؤمنين آنذاك -وما زالت- تعتمد على لا عقلانية التعاليم الدينية أكثر من اعتمادها على التشكيك في وجود الله، وهنا تختلف ردود فعل المُلحِدين تجاه الإسلام والمسيحية، فعلى الرغم من وجود تاريخ طويل من الصراع بين المسيحية والعلم، لم يعتبر المسلمون الاكتشافات العلمية تهديدًا لدينهم، فقد ارتبطت رغبة المسلمين القديمة في الاشتغال بالعلم بدينهم، وكان للفلك اهتمام خاص بما أنَّهم يستخدمون تقويمًا قمريًّا ويحتاجون لمعرفة اتِّجاه مكة عند الصلاة.
كانت هناك ردود فعل متفاوتة للمسلمين على نشر كتاب تشارلز داروين «أصل الأنواع» عام 1859، تلذَّذ البعض -بمن فيهم مفتي مصر- بالمشاكل التي سبَّبتها نظرية داروين للمسيحية، قائلين إنَّ الإسلام كان خاليًا نسبيًّا من الصراعات الخاصة بالعلم ومن ثم قادرًا على التماشي مع الأمور. ولكن معارضة المسلمين للداروينية اليوم في ازدياد، ربما بسبب الاتِّجاه نحو المحافظة الدينية والتفسيرات الحرفية للنص المُقدَّس منذ سبعينيَّات القرن الماضي، ونتيجةً لذلك، أصبح التطوُّر مجال تسير فيه المدارس والجامعات والإعلام العربي بحذرٍ خوفًا من إثارة الشكاوى.
إنَّ مسألة الإله في الشرق الأوسط أكثر من مُجرَّد جدال فكري، فتحدِّي الدين قد يعني تحدِّي السياسة أيضًا، لأنَّ الدين والسياسة متضافران جدًّا. تستخدم معظم الأنظمة العربية الدين للتعويض عن فقدها للشرعية الانتخابية، فتتبنَّى نُسخة الإسلام التي تساعدها في الحفاظ على نفسها وتُروِّج لها.
فقد اخترع النظام البعثي في سوريا على سبيل المثال -رغم ميوله العلمانية- شكلًا موحَّدًا للإسلام ينفي وجود اختلافات طائفية ولم يسمح للناس بالحديث عنها بصراحةٍ، ممَّا ساعد على إخفاء حقيقة تولِّي بعض أفراد الأقلية العلوية لمناصب بارزة في النظام، في دولة ذات أغلبية سُنِّية. وفي السعودية، أكثر الحالات تطرُّفًا، من المستحيل أن يكون المرء مُلحِدًا علنًا دون تحدِّي النظام السياسي أيضًا، فالنظام الأساسي للحُكم بالمملكة (وهو ما يوازي الدستور) ينص على التالي: «يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله».
العرب الذين يرفضون الدين الآن قليلون جدًّا من حيث العدد فلا يُشكِّلون تهديدًا فعليًّا لهذه الأنظمة، ولكن هذه الأنظمة تود أن تحافظ على الوضع كما هو عليه، ومخاوفهم ليست جوفاء برغم ما قد تبدو عليه من سخافةٍ في نظر الأجانب.