السبت: 31 أكتوبر، 2020 - 13 ربيع الأول 1442 - 10:08 مساءً
سلة الاخبار
السبت: 1 فبراير، 2020

عواجل برس /

مصطفى سعدون

“لا نعرف إذا ما خرج الأمريكيون أم بقوا، أي الخيارين هو لمصلحتنا. في الحقيقة، هذه ليست من أولوياتنا، فنحن نريد حياة من دون قلق لأن ما مررنا به طوال السنوات الماضية، أضاعنا”، يقول علي الجبوري، وهو من قضاء الشرقاط في محافظة صلاح الدين، شمالي العراق.

مخاوف الجبوري تتعلق باحتمال عودة تنظيم “داعش” إلى المناطق السُنية التي يعيش في إحداها، ولا تقتصر مخاوفه على عودة التنظيم الذي سيطر على تلك المناطق لأكثر من أربع سنوات، بل تتعداه إلى مخاوف من “بطش” الجماعات المسلحة الموالية للحكومة العراقية والمُقربة من إيران، مستذكراً بحديثه الحرب الطائفية عامي 2006-2007.

لا يبدي الجبوري في حديثه لرصيف22 موقفاً حاسماً في رغبته بخروج القوات الأمريكية من العراق أو بقائها، لكنه يعتقد أن هناك حاجة لـ”ضمانات” بعدم عودة تنظيم “داعش” و”استفراد” الجماعات المُسلحة المقربة من إيران بالوضع في مناطقهم.

على عكس الجبوري، يبدو موقف رائد الجواري (اسم مستعار) الذي يسكن قضاء بيجي في المحافظة ذاتها (صلاح الدين) أكثر حسماً، إذ يتحدث عن بأهمية “بقاء القوات الأميركية في العراق”، ويقول لرصيف22: “الأكراد لديهم البيشمركة، والشيعة لديهم الحشد الشعبي، ونحن ليس لدينا سوى الله، لكننا على الأرض نحتاج على الأقل إلى من يمنع الخطر عنا”.

ويتحدث الجواري الذي نزح أربع سنوات إلى إقليم كوردستان العراق عن “مساوئ” مترتبة عن كونه يعيش في مناطق سُنية: “هذه المناطق كأنها ليست ضمن حدود العراق، ويمكن أن يعود داعش إليها في أية لحظة”، مضيفاً “ليس لدينا قيادات سياسية، ولا قيادات دينية، ولم تعد لدينا بعد النزوح شخصية حقيقية، لذا نرى أن وجود الأمريكيين قد يُعطينا ضمانات باستقرار نسبي”.

داخل المجتمع السني، كبرت المخاوف من خروج القوات الأمريكية من العراق بعد قرار البرلمان العراقي الذي “يُلزم الحكومة بإنهاء وجود أية قوات أجنبية على الأراضي العراقية لأي سبب كان”.

داخل المجتمع السني، كبرت المخاوف من خروج القوات الأمريكية من العراق بعد قرار  البرلمان العراقي في الخامس من كانون الثاني/يناير الحالي الذي “يُلزم الحكومة العراقية بإنهاء وجود أية قوات أجنبية على الأراضي العراقية لأي سبب كان”.

وكانت الأحزاب الشيعية قد دفعت بشكل أساسي بهذا القرار، بحضور أربعة أو خمسة نواب سُنة فقط ومن دون أي حضور يُذكر للأكراد.

صوتٌ سني واحد برز في هذه الجلسة، وهو النائب أحمد مدلول الجربا من محافظة نينوى والذي ينتمي لعشيرة شمر التي قاتلت داعش، وقال خلال الجلسة: “رداً للجميل الذي قدمه أبناء الوسط والجنوب (الشيعة) وفتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع علي السيستاني لتحرير مناطقنا السنية، فإنني أصوت لصالح إخراج القوات الأمريكية من البلاد”.

في المقابل، الجربا طرح عدة تساؤلات خلال الجلسة ومنها ما إذا كانت القوات العراقية قادرة على توفير الحماية اللازمة للمناطق السُنية من داعش.

ولأن مخاوف العديد من السنة من إخراج القوات الأمريكية من العراق مرتبط بـ”عدم وجود ثقة” بالقوات الحكومية العراقية، يبقى المكون في حالة خوف غير مُعلنة بشكل كامل، فإن قالوا موقفاً صريحاً من بقاء هذه القوات قد يُتهمون بـ”العمالة”، لذا يُحاولون دائماً تبرير موقفهم بالخوف من “عودة داعش”.

كانت العلاقة بين السُنة والأمريكيين منذ عام 2003 حتى خروجهم عام 2011 متوترة، ولم تكن البيئة السنية بالنسبة للأمريكيين آمنة، لكن مع ظهور داعش وسيطرته على المناطق السنية في حزيران/يونيو 2014، تغيرت القناعات، فشعر السنة بأنهم من دون “ظهر” عسكري يسندهم، لذا وجدوا في بقاء هذه القوات ضماناً يحميهم من “الآخرين” (الجماعات المُسلحة الشيعية والجماعات المُسلحة الكردية).

يُحاول السنة الدخول عبر بوابة “التحالف الدولي” الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية من أجل محاربة داعش لإقناع الحكومة العراقية بضرورة عدم إخراج الأمريكيين، وهذا ما يعمل عليه رئيس البرلمان محمد الحلبوسي وفقاً لمصادر تحدثت لرصيف22 عن “تقديمه حلولاً ومُبادرات لمسك العصا من المنتصف”.

ووفقاً للمصادر، فإن “الحلبوسي الذي يقود الطرف السني الأكبر سياسياً يعمل مع الأمريكيين على إيجاد صيغ تُبقيهم في العراق ولا تُحفز الحراك الذي تقوم به فصائل شيعية مُسلحة لإخراجهم من البلاد أو الوصول لمرحلة الصدام العسكري”.

مخاوف السنة من إخراج القوات الأمريكية من العراق مرتبط بـ”عدم وجود ثقة” بالقوات الحكومية العراقية، لكن الدعوة الصريحة للأمريكيين بالبقاء قد تسبب اتهامهم بـ”العمالة”، فيحاولون دائماً تبرير موقفهم بالخوف من “عودة داعش”

وفي هذا الإطار، يسأل النائب السابق عن المكون السني محمد عبد ربه الحكومة العراقية عن إمكان توفير الحماية لسُكان تلك المناطق، وعن مدى قدرتها على منع عودة تنظيم داعش من جديد.

ويقول لرصيف22: “لسنا دُعاة إبقاء القوات الأمريكية أو التحالف الدولي بشكل عام، خاصة أنها جاءت باتفاقية وطلب من الحكومة العراقية، لكن في الوقت ذاته نبحث عن مصالح ومستقبل مناطقنا وبلادنا، والسؤال الذي يجب أن ترد عليه الحكومة العراقية هو هل تمتلك ما يُساعد في تدعيم استقرار الأمن ومواجهة المخاطر؟”.

من جهته، يقول الكاتب عُمر الشاهر لرصيف22: “نستطيع أن نتحدث الآن عن بداية تشكل هذه المخاوف، والأمر بدأ مع انطلاق الجدل الشيعي بشأن بقاء القوات الأمريكية من عدمه، وقد بدأ السكان السنة يتحدثون عن هذا الملف ومستقبله، لكن في الوقت نفسه لديهم شيء من الاطمئنان بأن القوات الأمريكية لن تُغادر العراق ببساطة”.

ويضيف الكاتب المتابع لشؤون السنة في العراق: “هناك انقسام سني، لكن هل هو انقسام يتعلق بالفائدة التي من الممكن أن تُجنى من بقاء القوات الأمريكية أو رحيلها؟”، ويجيب “بكل تأكيد لا، فهو لا يدور حول المصالح المبتغاة من بقاء القوات أو رحيلها، بل حول خلافات داخلية، أي خلافات قديمة بين الأطراف السنية القديمة التي أفرزت خارطة الداعين للبقاء والرافضين له”، بمعنى أن الموقف السياسي السُني قد يكون موحداً الآن بضرورة عدم إخراج القوات الأميركية من العراق”.

“بصراحة، نحن نرتجف، نخشى الميليشيات وداعش. على الأقل، يكون الوجود الأمريكي رادعاً للفاسدين في مناطقنا من السياسيين السنة الذين قد يُشكلون ميليشيات في أية لحظة”

وتتركز القواعد الأمريكية في العراق في المحافظات السنية وإقليم كردستان العراق، فمثلاً، في محافظة الأنبار قاعدة “عين الأسد” المعروفة التي زارها بشكل مفاجئ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أكثر من عام، وفي صلاح الدين قاعدة “بلد” الجوية، وفي نينوى قاعدة “القيارة”.

ويعبّر الناشط في محافظة صلاح الدين علي البيدر لرصيف22 عن مخاوفه حيال الانسحاب الأمريكي، فيقول: “بصراحة، نحن نرتجف، نخشى الميليشيات وداعش. على الأقل، يكون الوجود الأمريكي رادعاً للفاسدين في مناطقنا من السياسيين السنة الذين قد يُشكلون ميليشيات في أية لحظة”.

بالعودة إلى حديث الشاهر تظهر مخاوف من إيران كذلك، إذ يعتبر أن “الخوف الأكبر يكمن في إمكانية تحريكها لأدواتها، ومن هنا يمكن القول إن الوجود الأمريكي يحقق التوازن على الأرض”.

في المقابل، يستبعد الشاهر أن تكون للجماعات الشيعية خطة لارتكاب انتهاكات بحق السكان السنة ويقول من جديد: “لا أعتقد أن هناك رغبة لدى جماعات مسلحة في التعامل السلبي مع السكان المحليين، وإذا لاحظنا الخرائط فسنجد أن الجماعات المسلحة في هذه المناطق موجودة في أماكن معزولة، لكنها تنفذ خطة إستراتيجية تتعلق برؤية إيران في المنطقة، وللعراق بوصفه ممراً برياً مختصراً نحو البحر المتوسط عبر سوريا وربما الوصول إلى لبنان”.

ويختم: “الانتشار الإستراتيجي لا يتعلق بالسكان، خاصة أنه لم يحدث أي احتكاك، وهذه الجماعات هي أذكى من أن تخوض نزاعاً في هذه المناطق ولا تُريد استفزاز السُكان حتى لا تكون هذه البيئة عدائية، كما أن هذه المناطق لن تغيب عن مدار التغطية والمراقبة الأمريكيتين”.