الأثنين: 1 مارس، 2021 - 17 رجب 1442 - 12:16 مساءً
دفاتر
الأربعاء: 12 أبريل، 2017

على أثر المساومات التي جرت في عام 1945 بين وزير الدولة ماجد مصطفى ورئيس حزب (هيوا) رفيق حلمي كتب الرفيق فهد في العدد (2) من جريدة الحزب الشيوعي العراقي (القاعدة) مقالا افتتاحياً بعنوان (الشعب الكردي بين الحانة والمانة) فضح فيه المساومة التي كانت تجري بين ماجد ورفيق والخاسر هو الشعب الكردي. وقد اقحم اسمي ايضاً كأحد النشطاء في تلك المادة في وقت كنت أنا قد فضحت تلك المساومة. في العدد (3) من الجريدة جرى تصحيح ذلك الخطأ مبيناً فيه بأنني من نشطاء الشباب الكرد المعارض لتلك المساومات، فكون الحزب الشيوعي علاقة معي عن طريق صالح الحيدري في وقت كانت لي علاقة عابرة مع جماعة (يه كيتى تيكوشي = وحدة النضال) ومنهم، جمال الحيدري ونافع يونس ورشيد عبد القادر وغيرهم. وكان لي تعارف مع الرفاق حسين محمد الشبيبي ومحمد حسين ابو العيس وسالم عبيد النعمان، كنت التقي بهم في مكتبة الحزب الشيوعي (دار الحكمة) اثناء شرائي بعض المطبوعات الماركسية. وكنت اشترك في النشاطات الجماهيرية وأحث الطلاب الكرد في كلية الحقوق على ذلك.

أول لقاء مع الرفيق فهد.
توثقت العلاقة بيني وبين المذكورين اعلاه. وفي احدى الأمسيات من حزيران من عام 1945 اخبرني صالح الحيدري بأن شخصية شيوعية ترغب اللقاء بي. ذهبنا مساء الى حي الكرادة خارج، فكانت بيوت متفرقة فيها. دخلنا بيتاً كان ضوءاً ضعيفاً ينور المدخل يجلس في باحة الدار شخص، فجلسنا بعد السلام والترحاب. علمت بعد ذلك ان الدار تعود للرفيق (يعقوب يحيى) وان الجالس معنا هو عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي الرفيق زكي محمد بسيم (حازم) . تبادلنا الاحاديث عن الوضع السياسي، قفز أثناء ذلك شخصً من فوق جدار الدار الواطئ، فنهض الحاضرون لاستقباله، وهو شخص متوسط القامة مربوع الجسم. قدرت بأنه الشخص الهام الذي يريد اللقاء بي هو وانه لم يدخل من باب باحة الدار وانما دخل تحفظاً للأمان. علمت من سياق الكلام بينه وبين الرفيق زكي انه الرفيق فهد. بعد احاديث عن الوضع السياسي والنشاطات الجماهيرية للحزب الشيوعي والاحزاب الوطنية الأخرى. قال الرفيق فهد للرفيق زكي: “خذوا مكرم لكم” اجاب بأنه ليس عضوا في الحزب لحد الآن. سألني الرفيق فهد: ” ألا تريد ان تكون عضواً في الحزب الشيوعي؟” قلت: “هذا مطمح لي” تناول الرفيق فهد استمارة من الرفيق زكي، فملأتها فجرى توثيقها من الرفاق الثلاثة فهد وزكي وصالح الحيدري، واصبحت عضواً في الحزب الشيوعي. طلب مني الرفيق فهد ان اعمل جاهداً للحصول على امتياز اصدار جريدة من الحكومة ولا بأس ان استفيد من نفوذ أعمامي وان ادفع بعض المبالغ للمسؤولين لتسهيل ذلك بعد تخرجي من الكلية. ولم التق بالرفيق فهد بعد ذلك الا في عام 1945 في قاعة محكمة الجزاء، عندما كنت محامياً و توصلت مع عدد من المحامين للدفاع عنه وعن رفاقه.
الرفيق فهد ورفاقه أمام محكمة جزاء بغداد
قيل ان شيوعياً سابقاً (فاضل فعل؟) القى القبض عليه من قبل التحقيقات الجنائية (الأمن) وتحت التعذيب اشار لهم بعناوين عشرة بيوت من التي يتردد اليها الرفيق فهد، فاذا جرى كبسها في آن واحد قد يتواجد الرفيق في احدها. وعند كبس البيوت المذكورة وجدوا الرفيق فهد والرفيق زكي محمد بسيم في دار عضو الحزب الشيوعي، الصيدلي ابراهيم شميل، فالقوا القبض عليهما وعلى كل من وجد في الدار منهم ابراهيم شميل وزوجته- لا شك ان التحقيقات الجنائية قد استعملت انواعاً من التعذيب مع المعتقلين لانتزاع الاعترافات منهم. وقد فضح ذلك الرفيق زكي بسيم امام المحكمة، و نتيجة لذلك القى القبض على عدد من الشيوعيين بينهم عدد من الرفيقات (سعيدة مشعل وعمية مير مصري الخ )اما الرفاق حسين الشبيبي ومحمد حسين ابو العبس وسالم عبيد النعمان. كانت محكمة جزاء بغداد سبق ان حكمت عليهم بالحبس لمدة سنتين لمشاركتهم في مظاهرة حزيران عام 1946 فالحقوا الآن بهذه الدعوى ايضاً. وفي اليوم المحدد للمحاكمة، جيء بالرفاق مقيدين اثنين اثنين بجامعة اليد (كلبجة) يتقدمهم كل من الرفيق فهد والرفيق زكي محمد بسيم وهما مرفوعا الرأس وكأنهما ذاهبان الى حلبة الصراع. ولعل الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري رآهما بهذا الوضع عند انشد: “سلام على مثقل بالحديد” ويشمخ كالقائد الظافر كأن الحديد على معصميه تباشير مستقبل زاهر.
ادخلوا المتهمين الى قاعدة محكمة الجزاء وحاكمها (عبد العزيز الاعرج) وهو شخص لا اخلاق له بذيء اللسان، عينه فيما بعد، نوري السعيد نائباً في البرلمان ليشتم كل من يتحدث عنه بسوء. دخلنا نحن ايضاً قاعة المحكمة وكان بين المحامين،عزيز شريف وعبد الجبار العبيدي وكامل قزنجي وشريف الشيخ وأنا مكرم الطالباني وغيرهم ومحامين لشخصين: نجيب الراوي وغيره. بعد تدوين اسماء وعناوين المتهمين، جرى توثيق وكالات المحامين؟ ثم استدعى الرفيق فهد للافادة. وكان معاون مدير التحقيقات الجنائية عبد الرزاق يقف بجانب الحاكم يسيره كما يريد. سأل الحاكم الرفيق فهد عن اقواله، فقال: “كنت وطنياً قبل ان اكون شيوعياً، فلم أر أي تمايز قبل ان اكون شيوعياً وبعد ان اصبحت شيوعياً، سوى انني اصبحت بمسؤولية اكبر تجاه الشعب بعد ان اصبحت شيوعياً..”. ثم تحدث عن اهداف الحزب الشيوعي بشأن استقلال البلاد وسيادته الوطنية الكاملة وحرية الشعب في تنظيم نفسه في الاحزاب الوطنية. وكثيراً ما كان الحاكم يقاطعه باسئلة بهدف حرفه عن المسائل التي يتحدث فيها سأله عن شعار الحزب الشيوعي. قال الرفيق فهد: “ليس لنا شعار غير العلم العراقي ليكون رمزاً للسيادة الوطنية.” سأله الحاكم: ” كم تتقاضى من الحزب؟” قال: “عشرة دنانير شهرياً.” قال الحاكم: “كل هذه الرزالات لعشرة دنانير؟! “ثم طلب الحاكم الرفيق زكي بسيم. الذي فضح انواع التعذيب النفسي والجسدي التي مارستها التحقيقات الجنائية ضده وضد الاخرين. ثم طلب من الحاكم تزويده بنسخة من برنامج الحزب الشيوعي ليبين للمحكمة اهداف الحزب. وعندما زود به اخذ يشرح مادة فمادة من البرنامج وكأنه يشرح للجماهير اهداف الحزب الشيوعي. وكثيراً ما قاطعه الحاكم بتحريض من معاون الامن عبد الرزاق عبد الغفور، ولكنه يعاود في الشرح ويقول: انكم تحاسبوننا على اهداف الحزب الشيوعي، أليس من حقي أن ابين ذلك لكم؟..
كان معاون الأمن عبد الرزاق عبد الغفور يذكر للمحكمة بان المتهمين سبق لهم ان حكموا بتهمة الشيوعية فسألته: ” ان المادة القانونية التي تعاقب على بث المبدأ الشيوعي هي المادة 89 أ من قانون العقوبات فهل سبق لأحد من المتهمين ان حكم عليه بموجب هذه المادة؟ لا يجاوب. عندما قرر الحاكم تأجيل المرافعة الى اليوم التالي، طلبت انا والمحامي كامل قزنجي تزويدنا بوثائق من الحزب الشيوعي (اعداد من جريدة القاعدة وبيانات الحزب الشيوعي وبرنامجه.) امر الحاكم معاون التحقيقات بذلك وعند ذهابي الى التحقيقات لهذا الأمر اخذوا مني وصلاً بما زودوني به من الوثائق. انا ايضاً طلبت ختم وتوقيع المسؤول على تلك الوثائق، ويظهر ان السيد كامل قزنجي لم يطلب ماطلبت.
في اليوم الثاني من المرافعة. سألني الحاكم “شيخ حبيب ماذا يقرب مني.” قلت: “انه عمي واثناء الحديث بين كامل قزنجي وبعض المتهمين حول القضية، وبناءً على ايعاز من معاون الأمن قال الحاكم: مابك تتكلم كثيراً؟ قال: مداولة مع موكلين- قال: انت شيوعي مثلهم، فتشوا حقيبته- فتش معاون الامن حقيبته، فاخرج منها الوثائق التي استلمها منه. قال المعاون. ” اننا لم نزوده بشيء والدليل على ذلك ان التي زودنا بها المحامي مكرم الطالباني عليها ختم الدائرة وتوقيعي- اوقفوا كامل قزنجي اثناء الجلسة وارسل في اليوم الثاني مبعداً الى بلدة بدرة، وقدمنا نحن المحامين استقالاتنا احتجاجاً على ما جرى. فلم ندخل الدعوى الا في محكمة الجزاء الكبرى بصفتها الاستئنافية، عندما حكمت على كل من الرفاق فهد، وزكي بسيم وحسين الشبيبي بالاعدام وعلى الآخرين بعقوبات تصل الى الحبس المؤبد بينهم عدد من النسوة.
في محكمة التمييز كان رئيس المحكمة هو الحاكم البريطاني (بريجارد) وعندما حدثت ضجة عالمية على تلك العقوبات اضطرت الحكومة للايعاز الى بريجارد بتبديل عقوبات الاعدام الى السجن المؤبد.
لم أر الرفيق فهد بعد ذلك الا عندما سمعت صوته في احدى الليالي عندما كنا معتقلين في معسكر الحرس الملكي في ابي غريب، وهو يقول بصوت عالٍ: ” الوداع يا رفاق.. انني في طريقي الى المشنقة” وذلك في عام 1949. لقد نفذ حكم الاعدام بالرفيق فهد وزكي بسيم وحسين محمد الشبيبي ويهودا صديق في يومين. وارسل مئات الشيوعيين الى السجن بعقوبات قاسية، قاسى فيها السجناء صنوف العذاب في سجون (نقرة السلمان، والكوت، وبغداد، وبعقوبة) ومنها المذبحة التي جرت لهم في سجن بغداد والكوت عام 1953 وراح ضحيتها عشرات من الشهداء والجرحى، لم يضع حدا لها الا ثورة الشعب عام 1958. ولكن عادت بعد انقلاب 1963 المعادي للثورة ليكون اشد واقسى ” والحبل على الجرار”.