الخميس: 24 سبتمبر، 2020 - 06 صفر 1442 - 02:01 صباحاً
دفاتر
الثلاثاء: 7 أبريل، 2020

منى يسري

في عقده الثالث، مات “أبو مسلم الخُراساني”، مقتولاً على يد الخليفة العباسي الثاني “أبو جعفر المنصور”، بعد أن حمل لواء الدعوة العباسية، ومكّن بني العباس من مقاليد الحكم، لكنّه ظلّ حياً في الوجدان الشعبي الفارسي، الذي وصل به الأمر إلى اعتباره المهدي المنتظر الذي سيعود في آخر الزمان فيرسي في الأرض عدلاً ورحمة، لكنّه لم يعد، بل تجسد في شخصيات أخرى، كان أهمّها بابك الخرمي ودعوته التي كانت أهم معوّل هدم لحكم بني العباس.

حمل لواء الدعوة العباسية ومكّن بني العباس من مقاليد الحكم

الرضى من آل محمد
لأكثر من ثلاثة عقود، انتشر العباسيون في ربوع البقاع الإسلامية، بدعوتهم التي في ظاهرها تحالف مع أبناء عمومتهم من العلويين، إلى جانب عنصر الموالي الذي كان الأكثر حقداً على حكم بني أميّة، وتحت شعار “الرضى من آل محمد”، اجتذبوا خصوم السلطة لصفوفهم، ونظموا أنفسهم بشكل غير مسبوق لانتزاع الحكم من أبناء معاوية.

 

كان أبو مسلم الخراساني أبرز ما أنتج الصراع الاجتماعي الاقتصادي، الذي أجّجه الأمويون من سيادة النفوذ العربي

ولكن كان سبب النجاح عاملاً اجتماعياً مهماً، وهو ما يسمى في الاصطلاح الحديث “الصراع الطبقي”، الناجم عن صراع الموالي “وهم من أسلم من غير العرب: أي الفرس والسريان وغيرهم”، الذين عوملوا من قبل الدولة كمواطنين من الدرجة الثانية، وكانت الصراعات القبلية العمياء بين المضرية واليمنية بشكل خاص تلعب دوراً في هذا الضعف الأموي؛ إذ إنّ خطاب الدولة الأموية كان أشبه بما نعرفه اليوم بخطاب اليمين المتطرف، فهو يسعى لسيادة الجنس العربي على غيره، حتى وهم من دينه نفسه، وهو عكس ما أتى به الإسلام ونبيه، فكان الموالي يعاملون بشيء من التعالي، ولا يتقلّدون المناصب الإدارية العليا، وغير مسموح لهم بالتجنيد في الجيش، وهو ما زاد حنق الموالي عليهم، خاصة الفرس الذين دخلوا الإسلام جموعاً في بداياته، ورغم ذلك فرضت عليهم الجزية!

 

مقتل الخُراساني كان سبباً أولياً أدّى إلى تراكم هزّ وزعزعة نفوذ العباسيين

مقتل الخُراساني كان سبباً أولياً أدّى إلى تراكم هزّ وزعزعة نفوذ العباسيين

ويرى أستاذ التاريخ بجامعة الإسكندرية، أحمد مختار العبّادي، في كتابه “في التاريخ العباسي والأندلسي”؛ أنّ “تذمّر الموالي من سوء المعاملة والتفرقة العنصرية بينهم وبين العرب، كان من أهم عوامل سقوط الأمويين، وانتصار دعوة العباسيين، الذين استغلوا هذا الحنق بجانب الحقد التاريخي من العلويين الذين انتزع حقهم في الخلافة انتزاعاً، لذا فإنّ ثورات الفرس، خاصة في خراسان، هي ما أرهق خلفاء بني أميّة، الذين لم يكفوا عن إخماد ثورة تقوم تلو الأخرى، وكانت في الأساس ثورات مطلبية، بحثاً عن مساواتهم بالمسلمين العرب، ورفع الجزيات والضرائب التي أرهقت العامة، خاصة الفلاحين منهم، لذلك فإنّ دعوة العباسيين التي كانت الأكثر تنظيماً عما قبلها من ثورات، وبفضل “أبو مسلم الخراساني”، الذي تولى زمام تلك الدعوة وهو في العشرينيات من عمره، ونجح في تنظيم الجماهير، حتى أنّه بات رمزاً لتلك الثورة، التي ستُعلي من شأن الموالي، خاصة الفرس منهم، وبحسب كتاب “مروج الذهب ومعادن الجوهر”، للمؤرخ المُعتزلي “أبو الحسن المسعودي”؛ فإنّ نسَب أبو مسلم متنازعٌ عليه، فمنهم من يرى أنّه من العرب، لكن رجّح المسعودي، أنّه كان عبداً فارسياً ثُمّ اعتنق الإسلام، واتصل بإبراهيم بن محمد حامل لواء الثورة على بني أمية، وأوكلت إليه القيادة لما رأى فيه من الذكاء والقوة وقدرة على التأثير في الجموع.

اللمسة الفارسية
ربما أكثر ما أكد عليه المؤرخون من مختلف المدارس؛ أنّ النفوذ الفارسي في الدولة العباسية، كان الأكثر حضوراً، حتى في ظلّ تواجد العنصر التركي، لكنّه لم يكن بالأثر نفسه الذي تركه الفرس على تلك الحقبة، يتجلى هذا في أبهى صوره من خلال تتبع المنتج الثقافي والعلمي والاجتماعي، الذي كان الفرس يتصدر مشاهده المهمة، حتّى إنّ المؤرخ المصري، عبد الحميد العبادي، يجزم بأنّ معظم العلوم والفنون التي ترجمت وألفت في تلك الحقبة، كانت بفضل الفرس، الذين عدّهم وقود الثورة، واصفاً تلك الحقبة بأنها “نهاية السيادة العربية”، حتى في المراحل اللاحقة للخلافة، لم يعد العنصر العربي مهماً كما كان في عصرالأمويين، وكان الفضل الأول في هذا يرجع لقيادة قائد محنك وذكي، وله من الحضور ما جعل كلمته مسموعة في الأمصار، حتّى إنّ الخليفة الأول للعباسيين، كان يستعين به في التفاهم مع المعارضة بالشكل السياسي أحياناً، والحرب غالباً، لإخماد أيّ تمرّد يلوح في الأفق، وهو ما استفزّ “أبو جعفر المنصور”، ثاني الخلفاء، الذي أدرك في قرارة نفسه أنّ السلطة لا تقتسم، وأنّ المنافس الوحيد له على كرسيّ الخلافة كان الخراساني، فكان من اللازم التخلص منه.

 

كتاب "مروج الذهب ومعادن الجوهر"، للمؤرخ المُعتزلي "أبو الحسن المسعودي"

كتاب “مروج الذهب ومعادن الجوهر”، للمؤرخ المُعتزلي “أبو الحسن المسعودي”

غير أنّ هذا الخوف بدأ منذ حكم “أبو العباس السفاح”، الذي حاول الحدّ من نفوذ الخراساني، الذي بعد أن أرسى قواعد حكم العباسيين (132هـ)، ظلّ يقود جيوشه لقيود الثورات التي انطلقت عامين متواصلين حتى 134هـ، حتى وصل إلى أواسط آسيا، وهزم جيوش الصينين، التي دخلت للمرة الأولى حروباً مع المسلمين، وهو ما جعل نفوذه وحضوره يطغى بين الجماهير، فلمّا طلب الحج، عام 135هـ، بحراسة عشر آلاف جندي، رفض الخليفة وأمره بأخذ ألف فقط، وأمر أخاه المنصور بأن يحجّ في العام نفسه، وهنا بدأ “أبو مسلم” يشعر بالخطر، وأنّ العباسيين يحاولون تقويض نفوذه، بل كان نذيراً بأنّ نهايته قد اقتربت، كما يروي المسعودي، ولكن سرعان ما مات “أبو العباس”، وتولى “المنصور”، الذي كان حريصاً على نهاية هذا النفوذ، وهو ما يؤكّده أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة طنطا، الدكتور محمد  فياض، في حديثه قائلاً: “كان تخلص “أبو جعفر المنصور” من الخُراساني، أمراً طبيعاً، يدخل في إطار تصفية الخصوم السياسيين؛ لأنّه أدرك أنّ نفوذ هذا الرجل مُهدّد لنفوذ دولتهم التي سارعت لترسيخ قواعد حكمها بنسب ظلّ الألوهية لخلفائها، ولفقت العشرات من الأحاديث المنسوبة زوراً للنبي تتحدث عن مشروعية حكمهم”.

الأفكار لا تموت
وأردف قائلاً: “لكنّ هذا الاغتيال لم يمنع من حضور “أبو مسلم الخراساني” في الذهنية الفارسية، التي ظلّ حنقها مستمراً، وسيكون هو سبب انهيار تلك الدولة كما كان سبب بنائها”، وبناء على  ما خطّ المؤرخ الفارسي، وأحد أشهر وزراء السلاجقة “نظام الملك”، في كتابه “سير الملوك”؛ فإنّه لما قُتل مزدك قبل الإسلام، وكان أول من حثّ في تلك المناطق على شيوعية الأراضي والمال بين الناس كطريقة للعدالة، خرجت زوجته تبشر سراً بأفكار زوجها، وانتشرت أفكاره في تلك الحقبة، حتى بدأت تتجلى من جديد، في الصراع الطبقي بين الموالي والعرب، فاتخذ “أبو مسلم” من هؤلاء الناس أتباعاً له، وبشرهم بعدالة جديدة تنتظرهم إذا ما أسقط الأمويين، لذلك فجّر قتله غضب هؤلاء الطامحين إلى العدالة، بعد أن قتله المنصور في قصره، عام 137هـ، وعليه خرجت جماعات وفرق انتشرت في خراسان والعراق، تسمي نفسها “المسلمية”، نسبة إليه، ومنهم من آمن بأنّه المهدي المنتظر، منتظرين عودته في آخر الزمان؛ إذ تزعّم تلك الحركة رجل من نيسابور، يدعى سنباذ، ودعا للثورة ضدّ المنصور، واستطاع الخليفة قتله بعد 70 يوماً من الجهر بدعوته في طبرستان.

 

بنى الخراساني نفوذه على حبّ الناس وتعلقهم بفكرة العدالة التي سيحققها، وهو ما سيتبلور في الثورات التي قامت لاحقاً

يزعم الباحث في التاريخ الإسلامي ممدوح مكرم، في حديثه : أنّ “مقتل الخُراساني كان سبباً أولياً أدّى إلى تراكم هزّ وزعزعة نفوذ العباسيين؛ إذ بنى الرجل نفوذه على حبّ الناس وتعلقهم بفكرة العدالة التي سيحققها، وهو ما سنجده في الثورات التي قامت لاحقاً، خاصة القاضية الناهية على نفوذ بنو العباس، وهي ثورة بابك الخرمي، التي صدّعت دعائم هذا الحكم، وكان السقوط مرحلة وقت ليس أكثر”، لم يمضِ على هذا الصراع الذي سرعان ما أخمده المنصور سوى خمسة عقود، حتى استعادت الجماهير روحها الثورية، ومنحها حرب الخصوم الآخرين وقتاً إضافياً؛ إذ انصرف المنصور إلى قمع ثورات العلويين الذين زاد حنقهم على أبناء عمومتهم الذين أخذوا الخلافة بعد أن أيّدهم العلويون واتفقوا على اقتسامها، وانصرف الرشيد، بعد المنصور وابنه، إلى حرب الخوارج الذين استطاع القضاء عليهم، ثم تركوا المأمون ابن الرشيد وحيداً أمام نفوذ بابك الخرمي، الذي ظهر كبطلٍ للخراسانيين، الذين عدّوه إحياءً لأفكار سلفه، بينما رآه آخرون إحياء لأفكار مزدك الاجتماعية، على الأقل؛ إذ اعتمدت دعوته على مشاعية الموارد، ومنع اكتناز الثروة، وتقسيم الإنتاج حسبما يحتاج كلّ فرد.

 

ربما كان “أبو مسلم الخراساني” حلقة الوصل بين المزدكية والخرمية، لكنّه كان أبرز ما أنتج الصراع الاجتماعي الاقتصادي، الذي أجّجه الأمويون من سيادة النفوذ العربي، واستغلال الموالي باعتبار الجنس، غير مبالين بالمساواة الدينية، لكن ما أكده المؤرخون، أنّه أنشأ الدولة العباسية، وقتله كان أول معاول هدمها، الذي لم يستلزم سوى الوقت والثورات التي أضعفت الخلفاء واحداً تلو الآخر.