الأثنين: 9 ديسمبر، 2019 - 11 ربيع الثاني 1441 - 03:28 صباحاً
سلة الاخبار
الخميس: 21 نوفمبر، 2019

 ميرفت عوف

تمثل مظاهرات العراق الكثيفة التي تشهدها كل من لبنان والعراق قلقًا كبيرًا لإيران ووكلائها في المنطقة؛ فالسلطات الإيرانية التي عملت لسنوات لبسط نفوذها في هذين البلدين أمام تحدٍ كبير، حين يصر مئات الآلاف من المتظاهرين على التخلص من نفوذها.

 

بيد أن العراق التي صدعت بشعار «إيران بره بره» وغيره، تخافها إيران أكثر من غيرها من مناطق النفوذ خاصتها، وهي تخشى بشكل كبير من نجاح الشعب العراقي في التغلب على وحش الطائفية، وتغيير الوضع الحالي، وتقزيم نفوذها، ناهيك عن خوفها على رئتها الاقتصادية والشيعية الأكبر في المنطقة؛ لذا فهي لم تتوان عن استخدام قوة مضاعفة للسيطرة على الحشود المنتفضة في العراق، على وجه التحديد.

العراق رئة مفتوحة لإنعاش النظام الإيراني

أكثر من مرة شهدت إيران مظاهرات حاشدة نددت بالنظام الإيراني، وتبديد المال على ما يراه المتظاهرون مغامرات خارجية واستغلالية مكلفة، كان آخرها في أغسطس (آب) الماضي، حين خرجت عدة مدن إيرانية احتجاجًا على ارتفاع التضخم وانهيار قيمة الريال، الذي فقد ثلثي قيمته قبيل إعادة واشنطن فرض العقوبات على طهران آنذاك.

صورة من مظاهرات العراق

تمتلك السلطات الإيرانية ثقة كبيرة في النفس في مثل تلك الظروف، يفخر الجنرال الإيراني قاسم سليماني بالقول: «نحن في إيران نعرف كيفية التعامل مع الاحتجاجات»، قمعت المظاهرات وتعاملت معها بقسوة؛ إذ اعتقلت آلاف وشددت من قبضتها الأمنية على مرافق البلاد.

 

طهران التي تخاف الآن من فقدان نفوذها المتراكم في العراق منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003، يخشى نظامها السياسي من ضمن ما يخشاه انتقال عدوى المظاهرات من بغداد إلى طهران؛ إذ يتابع الشعب الإيراني مظاهرات العراق.

 

يقول الباحث في شؤون الأزمات والصحافي العراقي صفاء خلف إن الإيرانيين يعون تمامًا أن الشارع العراقي، ليس كغيره من البلدان التي يتمتع فيها نظام طهران بنفوذ، فالشارع اللبناني مثلًا، والشيعي منه بالتحديد، قراره مصادر من قبل ثنائية «حزب الله– حركة أمل»، بالتالي ليس هناك منصة أكثر «استقلالية» لشيعة لبنان للتعبير عن رفض النفوذ الإيراني.

 

ويضيف خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «يحاول الإيرانيون عسكرة الاحتجاج بأي شكل من الأشكال، ويضغطون على النظام في العراق لتشوية سلمية التظاهرات؛ فقائد فيلق القدس قاسم سليماني في اللقاء الأخير له في بغداد، تعهد بإنهاء الاحتجاجات على الطريقة الإيرانية.

بالتالي، الإيرانيون لا يؤمنون فعلًا بشيعية العراقيين، بقدر إيمانهم بقدر خنوع العراقيين لنفوذهم وتنفيذ مصالحهم»، ويضيف: «إن خسرت إيران العراق، فهي بداية تداعي نظام طهران سريعًا، واشتعال شرارة الثورة في إيران، وانحسار نفوذها بكامل المنطقة، العراق يمثل لإيران رئة مفتوحة لانعاش نظام يحتضر اقتصاديًّا وسياسيًّا».

العراق.. كنز اقتصادي لإيران

تمكنت طهران بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 من ترسيخ الطائفية السياسية في نظام الحكم العراقي الذي جعل السلطة في يد الطائفة الشيعية، فأقامت علاقات متينة مع أعضاء البرلمان العراقي ومع رجال المؤسسات المركزية، كما فرضت حصصًا مهمة للميليشيات المسلحة الموالية لها في مؤسسات الدولة لخدمة مصالحها؛ لتكون حصيلة السنوات الماضية اكتساب إيران قوة أكبر بكثير في بغداد على خلاف مناطقها مثل اليمن ولبنان وسوريا، وعلى رأس تلك المصالح خلق اقتصاد بديل لإيران ينجو من العقوبات الأمريكية والدولية.

صورة من مظاهرات العراق

ومع ذلك كانت نقطة ضعف إيران في  خطتها المستمرة منذ أربعة عقود  في العراق، تجاهل خلق رؤية اجتماعية اقتصادية للحفاظ على قاعدة دعمها الشعبية في العراق ولبنان أيضًا، فمقابل سيطرة طهران على كل قطاع في العراق، أثقل البلد بالديون والفقر والبطالة، وفقد العراقيون فرص العمل، وتدهورت الخدمات، وتعاني الغالبية العظمى من نقص المياه النظيفة، والكهرباء، والرعاية الصحية الكافية، كما تظهر تصريحات المتظاهرين.

 

المفارقة أن الحال السيئ ذاك كان في بلد غني جدًّا؛ فالعراق أحد أكثر الدول الغنية بالنفط في العالم، يحتل رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم،  ويؤكد قطاع كبير من العراقيين أن أموال النفط وأرباحه تستفيد منها إيران، فيما يساهم الفساد المتفشي في إفلات الطبقة الحاكمة بمباركة من إيران ذات تأثير كبير في المشرعين من العقاب، لاستيلائهم على التخفيضات الضخمة من إيرادات الدولة.

على مدار معظم الأعوام الست عشر الماضية، كما أن هؤلاء المسئولين العراقيين دفعوا نحو مشروعات اقتصادية تخدم إيران بالدرجة الأولى كتخصيص آلية مالية خاصة تسمح للبلد بمواصلة استيراد الغاز والكهرباء من إيران على الرغم من العقوبات الأمريكية، أو البدء في بناء خط سكة حديدية يربط بين معبر شلامشة الحدودي في جنوب غربي إيران والبصرة في جنوب العراق خلال ثلاثة أشهر.

 

يقول الباحث في شؤون الأزمات والصحافي العراقي صفاء خلف: «بصراحة شديدة، إيران عارضت طيلة سنوات ماضية أي اقتتال شيعي – شيعي؛ لأن ذلك سيؤثر في ملفاتها ونفوذها في المنطقة، ويحجب الرئة الاقتصادية المفتوحة من العراق لإنعاش اقتصادها، وكذلك خطوط الإمداد والوصول إلى سورية»، غير أن خلف يرى أيضًا «مصائب قوم عند قوم فوائد».

 

يستدرك خلف القول: «لكن الآن، إيران باتت تؤمن أكثر من أي وقت مضى بأنها بحاجة إلى إشعال فتيل اقتتال شيعي – شيعي بشكل محدود، لقصقصة نفوذ الجماعات والتيارات الشيعية المعارضة لها في العراق، ولزيادة نفوذ الميليشيات المرتبطة بها، ولإزاحة النفوذ الأمريكي نهائيًٌا من العراق، ومعاقبة الشارع الرافض للوجود الإيراني».

 

العراق.. ممر إيران الوحيد نحو مناطق نفوذها

أصدر رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي في الأول من يوليو (تموز) 2019 قرارًا يقضي بدمج الميليشيات الشيعية المسلحة الموالية لإيران، والمعروفة باسم «الحشد الشعبي»، بالكامل في القوات المسلحة العراقية.

صورة من مظاهرات العراق

ما سبق دلل على أن تأثير إيران في العراق لا يمضي على طريق التراجع في الاستفادة القصوى من الممر البري الوحيد لإيران في المنطقة، فمنذ تبنت الحكومة الإيرانية بعد الثورة الإسلامية سياسية ترتكز على تصدير الثورة إلى المنطقة، كانت طهران شديدة الصبر والمرونة في سبيل فرض النفوذ الإيراني على العراق أولًا، ثم لبنان، وسوريا، واليمن.

 

وقد أدرك العراقيون مدى إصرار طهران على قمع احتجاجاهم الآن؛ لأنها تريد تجنّب أي شيء قد يهدد وجودها في العراق، لذا فمنذ اللحظات الأولى لتلك الثورة العراقية الشيعية تعرض العراقيون للبطش الشديد، وغلب سفك الدماء على نطاق واسع في هذه الاحتجاجات، فقُتل أكثر من 250 شخصًا منذ اندلاع الاحتجاجات لأول مرة في بداية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نتيجة استهدف المتظاهرين مباشرة، سواء بالرصاص الحي أو بقنابل الغاز المسيل للدموع من الطراز العسكري التي ثقبت جماجمهم، على يد قناصة الميليشيات المدعومة من إيران.

 

ويؤكد الباحث والمحلل السياسي اللبناني ربيع دندشلي أن حراك العراق أقرب جغرافيًّا لإيران، كما أن العراق يشكل مركز الثقل الديني الشيعي العربي، وبالتالي يمكن أن تكون المستجدات العراقية أكثر حضورًا على طاولة القيادة الإيرانية، ويوضح لـ«ساسة بوست»: «النفوذ الإيراني في الدول العربية يتفاوت من حيث الحضور والوزن، وأي شكل من أشكال التغيير للوضع القائم في كل من سوريا، أو اليمن، أو العراق، أو لبنان سيؤثر حتمًا في النفوذ الإيراني».

الخوف من الانقلاب.. طبيعة العراق تحدث فارقًا!

بعد يوم واحد فقط من اندلاع الاحتجاجات، حطت طائرة هليكوبتر إيرانية في المنطقة الخضراء شديدة التحصين بالعراق، ففي وقت متأخر من الليل قرر الجنرال الإيراني قاسم سليماني مفاجأة كبار المسؤولين الأمنيين الذين كانوا على موعد للاجتماع برئيس الوزراء العراقي  عادل عبدالمهدي.

 

جاء سليماني من بلاد لها سجل واضح في قمع الاحتجاجات داخل أراضيها، ليسدي النصح ويخطط لمقاومة أي تفجر للوضع في المظاهرات، وقد وصلت الرسالة حينها إلى العراقيين بأن الاحتجاجات يجب أن تقمع بأي ثمن في بلادهم.

 

الموقف الإيراني السابق لم يتخذ من قبل إيران وحليفها «حزب الله» في لبنان، إذ إنها أكثر اطمئنانًا على أن الوضع قابل للسيطرة من خلال منظومة الحزب، بينما طهران وميليشياتها في العراق يهابون أكثر من هاجس الانقلاب في العراق، الذي تعد الثورات والحروب والاضطرابات فيه أحداثًا متكررة.

 

يقول الباحث في شؤون الأزمات والصحافي العراقي صفاء خلف إن العراقيين لا يفكرون بأعمال عنف انتقامية مباشرة من مصالح طهران في العراق، فحتى حرق القنصلية في البصرة في سبتمبر (أيلول) 2018، وحرق بوابة القنصلية في كربلاء الآن، ليس بالعمل الانتقامي، إنما مفاده إيصال رسالة، والعراقيون بارعون في إيصال هكذا رسائل بالأسلوب نفسه الذي برع فيه الإيرانيون سابقًا.

 

ويضيف: «إن تخوف إيران من الحراك في العراق، ليس مصدره حرق قنصلياتها، بل انحسار نفوذها، إذ لم تتوقع الاستخبارات ودوائر القرار الإيرانية حجم كراهية الشارع العراقي لنظام طهران»، فطيلة السنوات الماضية كان الإيرانيون يبثون دعاية شديدة التنسيق والاتساع بأن العلاقات بين الشعبين عميقة ووطيدة، ثم اتضح أن هذه الدعاية كانت مبنية على أوهام، وأن الدعاية الإيرانية لم تؤثر عميقًا، فالعراقيون يرون في طهران عامل تخريب إقليمي في بلادهم، حسب خلف.