الأحد: 23 سبتمبر، 2018 - 12 محرم 1440 - 10:41 صباحاً
ثقافة وفن
الثلاثاء: 17 أبريل، 2018

مصطفى سعدون

“هُناك موجة من الكاتبات لاستغلال عقول المراهقات، من خلال تقديم كتابات سطحية عن الحُب والرجل”.

هذا ما كتبه مدون عراقي على صفحته على الفيس بوك، أثناء فورة الكتابة ضد مجموعة كاتبات شابات أصدرن نتاجاتهن الأدبية للساحة.

في العامين الماضيين شهدت مواقع التواصل الاجتماعي العراقية لغطاً كبيراً حول تقديم كاتبات عراقيات شابات لنتاجاتهن الأدبية:

بدءاً من شمم بيرم التي أصدرت كتاب هاشتاك زهري عام 2015 وصولاً إلى شهد الراوي التي كتبت رواية ساعة بغداد عام 2016 وربما لا تنتهي القصة عند حوراء النداوي صاحبة رواية قسمت التي صدرت نهاية عام 2017.

عندما يصبح النقد شكلاً جديداً من التمييز

بداية، تختلف تجربة الكاتبات الثلاث فيما بينهن.

فحوراء كتبت روايتين ولها أكثر من عقد في هذا المجال، أما شمم فهي تميل أكثر في كتاباتها إلى الخواطر، وبالمقابل، تدخل الراوي تجربتها الأولى في كتابة الرواية.

في وقت كان هُناك الكثير من المؤيدين لإصداراتهنّ الأدبية، ظهرت موجة أكبر من التسقيط والتشهير والسخرية، خاصة ضدّ شمم التي انتُقد عنوان إصدارها هاشتاك زهري.

مئات المنشورات كتبت، بحسب الروائية جمانة ممتاز، صاحبة “فوضت أمري للنسيان”، عنها وعن زميلاتها، في محاولة للانتقاص من أعمالهن، إلا أنها لا تعتقد أنّ الحملات ممنهجة، بل برأيها هي أراء سوقتها شخصيات معروفة ولاقت رواجاً وأتباعاً.

مع أن رواية ممتاز تعرضت للهجوم، لكن الروائية تقول إنها “لم تحصل على الكم الكبير من الانتقاد الذي تعرضت له كاتبات أخريات، لصدورها أثناء الموجة التي تعرضت لها رواية ساعة بغداد لكاتبتها شهد الراوي”.

لم تلحظ موجات مشابهة ضد الكُتاب الشباب رغم أن أكثر من كاتب أصدر ديواناً شعرياً أو رواية.

والمثير في هذه المسألة، أن النتاجات الأدبية هذه واجهت انتقادات حتى من بعض الذين لم يطلعوا على مضمونها، بحسب ما كُتب في مواقع التواصل. فكيف إذاً يمكن فهم هذه الظاهرة؟

هاشتاك زهري، “الكتابة المترفة”

ذيّل الذين كتبوا عن هاشتاك زهري منشوراتهم بذات العنوان (#هاشتاك_زهري).

كثيرون سخروا وشهروا بالكاتبة واعتبروا ما كتبته “ترفاً” في وقت الحرب، على اعتبار أن العراق كان يعيش حالة حرب ضد “داعش” عندما صدر الكتاب عام 2015.

في ظل الحرب الدائرة على داعش، ومشاركة آلاف الشباب في القتال مع الحشد الشعبي، بدأت تصدر انتقادات للصحافيين إن لم “يلتزموا” بما اعتبر الهمّ الأول، وطال ذلك الكتاب والكاتبات، وهو ما تعتبره جمانة ممتاز سبباً لانسحاب بعضهم من الساحة الأدبية.

تُعلق كاتبة هاشتاك زهري خلال حديثها لرصيف22 عن “الهجمة” التي تعرضت لها وزميلاتها قائلة: “للموضوع أبعاد تتعلق بطبيعة المجتمع، مجتمعنا ببساطة لا يجد أن المرأة قادرة على النجاح بدور آخر غير دورها المفترض كأم وربة منزل”.

تُضيف بيرم: “لمن يقول أن النقد الذي يطالني ويطال زميلات أخريات لا علاقة له بجنسنا ليذكر لي حملة واحدة من حملات التسقيط نحو كاتب رجل.

ستجد بعض الانتقادات نعم، لكن حملات واتفاقات غير معلنة بحجم ما حدث معنا ككاتبات لا يوجد بطبيعة الحال والبعض قالها بكل صراحة أنتقد لإني أجد المرأة غير قادرة على فعل الكتابة وإن فعلت فلن تصل بها للمستوى الإبداعي”.

وتعتقد الكاتبة العشرينية أن هُناك من هاجمها بسبب حجم المبيعات العالي الذي حققه كتابها هاشتاك زهري، لكنها تبدو سعيدة وهي تتحدث عن وجود كاتبات شابات تشجعن على الكتابة بعدما رأين الهجمة التي تعرضت لها.

لم تتوقف شمم بيرم بعد أن تعرضت للانتقاد والسُخرية عن تقديم نتاجاتها، فأصدرت رواية رازقي عام 2016 ورواية قديسة الغي 2017.

ساعة بغداد للبوكر

أما شهد الراوي فأحدثت روايتها الأولى (ساعة بغداد) ضجة كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي العراقية عندما صدرت عام 2016 وعندما ترشحت للقائمتين الطويلة والقصيرة في جائزة البوكر العربية لعام 2018.

واحدةٌ من أقسى المنشورات التي تعرضت لرواية ساعة بغداد، كانت من الناشط المدني علي الطوكي، الذي قال عنها في صفحته على الفيس بوك: “رواية ساعة بغداد، أنهيت نصفها الآن، مُلخصها، زعاطيط وبزونة”، في إشارة إلى أن الموضوع يتعلق بأطفال وقطة.

ويضيف لرصيف22، استكمالاً لما كتبه على فيسبوك إنّ “رواية شهد الراوي “ساعة بغداد” لا ترتقي لأن تكون رواية لأنها لا تمتلك مقومات السرد”. ولكن لا يبدو أنّ الخبراء في مجال النقد الأدبي يوافقون الطوكي الرأي، فقد دخلت الرواية القائمتين الطويلة والقصيرة لجائزة البوكرية العربية.

علّقت شهد الراوي، على ما تعرضت له من هجوم على شخصها وعلى روايتها، فكتبت منشوراً موسعاً على صفحتها في الفيس بوك تضمن في جزء منه رداً على من “أساء” لروايتها. قالت فيه:

“سنة ونصف السنة وهناك ليس من له عمل في هذه الحياة سوى “ساعة بغداد”، لم يترك سبباً في خياله إلا واستخدمه ضد رواية صدرت ضمن مئات الروايات، ولا يشغل تفكيره كل مشاكل الكون سوى مشكلة واحدة هي رواية “ساعة بغداد” . لم تبق في قاموسه شتيمة إلا واستخدمها بمناسبة وبدون مناسبة”.

ردّ الكاتبات العراقيات على من حاول الإساءة لهن؛ وتواصل نشاطاتهن رغم حملات التسقيط يمهد الطريق للكاتبات الشابات ويحمي ثقتهن بمستقبل إبداعهن

وفي العودة إلى عقود سابقة من تأريخ الثقافة العراقية ودور النساء فيها، يقول الكاتب عبد الزهرة زكي لرصيف22، في إشارة إلى عدم وجود أي تسقيط للمرأة في الوسط الثقافي:

“يكفي أن نعرف أنه في أربعينيات القرن الماضي التي شهدت أهم حدث ثقافي عربي في التاريخ المعاصر، وهو ولادة الشعر الحديث، كانت نازك الملائكة، مع بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي، شاعرة مؤسِّسة في هذا الميلاد”.

ويُضيف معلقاً على البعد التاريخي الذي يفسر تعامل مجتمعاتنا مع إبداع النساء: “يجب أن لا ننسى مثلاً أننا نعمل في ثقافة ظلت تنظر، عبر تأريخها القديم، إلى الشعر على أنه عمل مقترن بالفحولة، فقد كان التوصيف الأكثر إطراءً للشاعر هو في نعته بـ (الشاعر الفحل)”.

رواية بعشرة آلاف دولار”!

منذ أن صدرت روايتها (قسمت) نهاية العام 2017، تعرضت الكاتبة حوراء النداوي إلى تُهمة تُشير إلى أنها ليست صاحبة الرواية وبأن والدها رئيس نادي الشرطة الرياضي إياد بنيان قد دفع مبلغاً قدره 10 آلاف دولار لصاحب الرواية الأصلي.

كتب الكاتب والناقد العراقي حسين السكاف، على صفحته في الفيس بوك: “بعد أن دفع والدها 10 آلاف دولار لكاتب “روايتها” الأولى (تحت سماء كونبهاغن) تُعلن “الروائية” التي لا تجيد اللغة العربية، عن ولادة روايتها الثانية (قسمت)، الغريب، أن الإعلان ظهر مصحوباً بصورة لكاتب روايتها الثانية —لم يسمه— والسؤال المحير، لماذا الإصرار على تدنيس عالم الرواية بهذه الخسة والوضاعة؟ لماذا، هذا الكم الهائل من الوقاحة؟

ردت النداوي على السكاف بمنشور على الفيس بوك وكتبت: “حين تحاول النيل مني هو أن تكتب اسمي صريحاً، بعدين تعال بشرفك، هل يكتب “كاتب شبح” رواية لست سنوات كاملة بعشرة آلاف دولار فقط! ما هذا الرخص!”

يقول ياسر المتنبي وهو صاحب دار عدنان للطباعة والنشر في بغداد وصاحب مكتبة “كهوة وكتاب“:

“السوشيال ميديا هي التي سمحت للناس بالتعبير عن آرائهم التي تصل في بعض الأحيان حد الاتهام والتشهير، ولم تكن قبل عام 2003 أي مساحة للاتهامات والتسقيط مثل التي نراها الآن”.

برأي المتنبي: “الروائية الجيدة والكاتبة الجيدة، نتاجاتها هي التي ترد على الآخرين، النتاجات هي رد على من هجم عليهن، وهذا أفضل الردود”.

ويضيف، أنّ “حملات” السخرية التي تعرضت لها شمم بيرم وحوراء النداوي لم تمنعهما من القدوم من الإمارات العربية المتحدة حيث إقامتهما الحضور لمعرض بغداد الدولي 2018 وتنظيم حفلي توقيع لروايتيهما.

وعن نفس النقطة، يعلق حليم محمود، صاحب دار الحكمة للنشر في لندن —الدار التي طبعت روايتي “ساعة بغداد” و”فوضت أمري للنسيان”، في حديثه مع رصيف22:

“أعتقد أن سبب الهجمة على الكاتبات هي قوة مبيعات هذه الكتب، رغم أن بعضها كان ضعيفاً من الناحية الأدبية، لكنْ هناك جيشٌ إلكترونيّ ممنهج ومواقع مختصة—بعضها يعمل الآن في الحراك السياسي— أرادت أن تسخر من الكاتبات وأن تسيء لهن”.