الأحد: 17 يناير، 2021 - 03 جمادى الثانية 1442 - 04:30 مساءً
سلة الاخبار
السبت: 18 فبراير، 2017

غياث عبدالحميد

الادارة بعمومياتها هي “فن” اولا ، والفن عادة ما يحتاج الى رقيب ذاتي ينظم العمليات الابداعية المنبعثة عنه ، وعلينا هنا ان نطرح سؤالا بشأن الرقيب ،هل هو العقل وحده كما يعبر عنه المسرحيون ،أم انه حزمة من الارادات التكوينية المرتبطة بالنشئة الاولى ؟.

لنتأبط السؤالين ونرافقهما بتجوال قد يقودنا الى مفاهيم اخرى او انهما يختزلان المسافة وندرك غاياتنا دونما عناء …. بالمفهوم الاجتماعي المنبعث عن علم النفس ان للانسان تربيتان ..الاولى أسرية محكومة بعاداتها وتقاليدها المكتسبة والمصنعة والاخرى ذاتية اي بمعنى ان الانسان هو من يعمل على تربية الذات سواء كانت متسقة مع الاولى او انها بعيدة عنها .. الاهم في الامر ان يخلق الانسان لنفسه قاعدة من الثوابت لتكون ركيزة لانطلاقات صحيحة وفق معدلات ومعادلات محسوبة طبقا للنسق الاسروي والاجتماعي.

واذا ما اسقطنا شخصية الدكتور حيدر العبادي بسلوكه الاداري والشخصي على مفاهيمنا واستنباطاتنا وتحليلاتنا المتواضعة اتي مر ذكرها بشيء من الفلسفة ، نجد ان هناك توأمة مسيطر عليها او لنقل انها واعية لكنها تتصاعد بتطور مضطرد مما خلق استباقا في تكوينات العبادي النفسية اولا ومن ثم الافعال السلوكية المتولدة عن بواعث حتى وان كانت متشنجة الا انه يصنع منها افعالا متزنة وبالتأكيد ان هذا التدوير التلقائي هو ما يمثل الاستقرار العام لشخصية العبادي.

فلو تابعنا تعاملات  الدكتور العبادي مع الازمات الخانقة التي مرت بالعراق وخلال الزمن القصير الماضي والحاضر لولايته  وهي كثيرة وعلى صعد مختلفة منها ، المحلي والاقليمي- العربي والدولي ، لاكتشفنا انها لم تك “بروتوكولية” مصطنعة او انه اعتمد بها على استشارات ممن حوله من الذين يسدون النصح والرشاد انما هي مجموعات متراكمة من نضجه التكويني الذي اشرنا اليه انفا ومن ترفعه وسموه عن امور يحسبها من الصغائر بحسب معياره.

هذا النضج التراكمي الممزوج بالخبرة الرئاسية البسيطه جعلته يقطع اشواطا من النضج السياسي الذي اكتشفه الاباعد الذين يراقبون ادائه عن كثب … فالازمة الاقتصادية وما رافقها من ازمات سياسية وامنية متكررة وعمليات عسكرية متشعبة كلها كانت حزمة واحدة توجهت صوب العبادي وصدق الشاعر والكاتب الانكليزي وليم شكسبير حين قال ” اذا ما اتت الاحزان لم تأت فرادى” ، وكان عليه لزاما ان يواجهها جميعا بقدراته هو وحده وبناء على مخزوناته الذاتية فكان النجاح حليفه.

ومقاييس النجاح لاينحصر تفسيره بالخروج من الازمة الاقتصادية المالية او ما حققته قواتنا الامنية من انتصارات باهرة او بتخطيه ازيمات سياسية محلية – ان صح التعبير – انما النجاح الحقيقي هو التوافد العالمي ومن العيار الثقيل الذي بات يطرق عليه بابه العالي والواسع وخير مثال لنا اتصال وزير الخارجية الاميركية به ولقائه بوفد من الكونغرس الاميركي وبطلب من الاخير على هامش قمة ميونيخ فضلا عن لقائه بـ ظريف وشخصيات سايية اخرى ومن ضمنها المستشارة الالمانية التي ابدت اهتماما كبيرا بحضور العبادي.

فلله درك يا ابا يسر … نجزم انك مهندس جديد لقيادة سياسة خارجية لم يسبق للعراق ان مر بها  وهذا دليل واضح كوضوح الايات العظمى انك استطعت ان تبعد العراق عن الاستمالات نحو سياسة المحاور والاقلمة وجعلت من العراق يحوم في فضاء العولمة المتصالحة مع النفس والاخر دونما تكتل لجوار او بعيد وخلقت للعراق انموذجا من سياسة التوازن بين الغرماء بالرغم من انك تتوسط بقعة محمومة تترقبها ساعات التشظي والنزاعات والصراعات .. وهم هكذا يكونوا رجال الدولة المتطلعين لبناء دولهم على اسس مدنية يتعايش فيها المختلفون .