الأربعاء: 23 يونيو، 2021 - 13 ذو القعدة 1442 - 04:45 صباحاً
ثقافة وفن
الثلاثاء: 28 فبراير، 2017

عواجل برس _ خاص

حيدر ناشي آل دبس

يعد الدكتور عقيل مهدي أحد أهم منظري المسرح العراقي، إلا أن تجربته اقترنت بالجوانب التطبيقية عبر تقديمه لعشرات الأعمال المسرحية المتفردة. التقته عواجل برس ووجهت إليه عدداً من الأسئلة بشأن المسرح العراقي ومفاهيمه الفكرية:

* أكد هيجل على أن الجمال في الفن يرجع إلى اتحاد الفكرة بمظهرها الحسي، ماذا تقول إزاء هذ المفهوم؟
– هيجل ليس من الفلاسفة الذي يمكن تجاوزهم، لأنه ثبت قيماً حقيقية في الجماليات . إنه فيلسوف مثالي، لكن المثالية ارتبطت لديه بالواقع، فكان يحاول رفع شأن الواقع باتجاه الفكرة او الروح المطلقة كما كان يسميها. يعد الفن إلى يومنا هذا مظهرا حسيا ، بيد أنه لا يستقر في متناول الحواس الخمس فقط، بل يسمو ويحاول مخاطبة الضمير والوجدان، ويصبح من حيث الاولوية واقعاً مادياً . كان هيجل يركز على الفكرة اكثر من الواقع، وهذه الثنائية القديمة لم تعد منفصمة عن بعضها البعض، فهما متكاملتان.

* كثر اللغط بشأن الفرق بين مصطلحيّ العبث واللامعقول، فهل لك أن توضح الفرق بينهما ؟
– حينما نقول لامعقول نقصد أن فيه ضرب من العبث، وحينما نقول عن شيء أنه عبث فهو يحوي شيئا من اللامعقول. هذه الاشكالية ناتجة عن الترجمة, هناك من يسميه عبثا وآخر يسميه لامعقولا، وذلك على اعتبار ان فكرة العبث تخرج عن نطاق العقل، لكن ليس هناك شيء عبثي بمعنى الانحلال والتفاهة وعدم الجدوى، وايضاً ليس هناك في اللامعقول قيم تناقش الواقع وهي غير معقولة تماماً. إن هذا الاشكال ربما جاء لدى برخت بشكل اكثر جدية ورصانة حينما طرح موضوع التغريب، والتغريب جعل الحالة المعتادة للانسان في حياته اليومية تؤطر بموقف خاص بعيدا عن السياق التقليدي، ووضعها في سياق ابداعي فني، لننظر اليها بوصفها شيئا ينبغي التوقف عنده واعادة التفكير فيه واعادة تقييم كل الموروثات التي اعتبرناها حقائق راسخة، فتصبح ضرب من العبث واللامعقول لانها جرى تخطيها من قبل الزمن وباتت أشبه بالشيء الميت.

* التبست المفاهيم والمصطلحات عند طلبة المسرح في اكاديميات ومعاهد الفنون الجميلة بسبب اجتهادات وتفسيرات اساتذتهم المتباينة، على سبيل المثال فلسفة علم الجمال وعلاقتها بالفلسفة الأم؟
– هذه اشكالية تحدث عنها كبار المخرجين إذ رأوا ان النظرية الجمالية لم يستطيع احد مقاربتها نظرياً، ربما تقربوا من هنا او هناك اليها، لكن بشكل عام يوجد ضعف كبير، ومن المفترض على النظرية حتى تكون جيدة ومهمة جمالياً أن تقترن بالتطبيق، ولهذا بعض تجارب الاساتذة لم تكتف فقط بالتنظير بل ذهبت الى التطبيق. انا شخصياً درّست مادة علم الجمال لاكثر من ثلاثة عقود، وترجمت بعض المقالات، واراها مهمة جداً لانها تبصرني في حالات التطبيق لطرح فرضيات ومقترحات مغايرة عن السائد والمألوف الذي قد استهلك من قبل الجمهور والفنانين أنفسهم. أما الفلسفة الام فتتناول بشكل عام الوجود، والمعرفة، والقيم الاخلاقية، والجمال، والحق، وهي يشتق منها علم الجمال، فكيف يمكن ان نضع أسئلة كبيرة واشكالية ونحن ليس لدينا الحق كما ذكرت في كتابي (السؤال الجمالي) الاجابة بصورة حاسمة ومطلقة، لانه لاتوجد حقيقة مطلقة تصلح لكل الازمنة والامكنة، انما الحقائق تبنى وترّكب من خلال التفكيك والتحليل والاستنتاج، وعلى سبيل المثال لا يمكن جعل شخص من العصر الحديث يتطابق مع شخص آخر وإن كان فيلسوفا من القرون الوسطى، لان المعطيات متباينة ومختلفة والموقع ووجهات النظر تختلف.

للنقد المسرحي اهمية يمكن من خلالها تقويم الاعمال المسرحية وارتقاءها او العكس، فما هي أهم سمات الناقد المسرحي؟ وهل يوجد نقّاد مسرحيين متميزين في العراق؟
– لا يمكن لأحد أن يكون ناقداً إذا لم يمتلك ادوات النقد، كأن يتحلى بالذكاء، ومعرفته بالمرجعيات التاريخية، وعليه ايضاً ان يكون اخلاقياً ولا يتأثر بالضغوطات الخارجية، ويبتعد عن التعصب حتى لا يرفض او يميل مسبّقاً قبل ان يفكك ويحلل الخطاب الفني في العرض المسرحي، ويجب ان يكون ملما بالتراث الابداعي والفني والنقدي، وبالتالي تكون لديه شخصية نقدية حقيقية. نحن لا نبحث عن المثال في النقد، نعم لدينا نقّاد على درجةٍ من الموضوعية والانصاف والوعي الثقافي، لكن تنقص الكثير منهم المشاهدات للعروض المسرحية، فتراه يحارب عروضاً وهو لا يدري أنه يفضح نفسه من خلال هذه المحاربة، والغريب أن يتصدى بعضهم بعنف ربما اقرب احياناً الى السذاجة منه الى الوعي والنضج، لذا ينبغي على الناقد ان يكون على بينة ودراية بالنصوص عبر التاريخ وبتشكلاتها الجمالية والتطبيقية على خشبة المسرح، فحينما يمتلك معرفة بهذه المرجعيات ويطبقها يستحق إطلاق تسمية ناقد مسرحي عليه.

* للمسرح تفرعات عدة ومن ضمنها مسرح السيرة وقد تميزت به بصورة مغايرة للمألوف، حدثنا عنه؟
– السيرة موجودة في المسرح العالمي، لكن ربما وضعت لنفسي مساراً مغايراً تماماً لما هو سائد، واساتذة كبار في المسرح تحاورت معهم وقالوا اني تناولت السيرة بطريقة غير معهودة في المسرح العالمي، وهذا اعتبره جزءا من اعطاء قيمة لتجربتي، لأن السيرة التي اراها ليست بيلوغرافيا (اين ولد، اين مات، ماذا فعل) وانما حولتها الى افتراض زمني ومكاني وجمالي وصراعات مغايرة لما مر به الشاعر او الرسام او السياسي او الشخصية التاريخية، فحاولت وضعها ضمن مسار رؤيوي جديد وضمن فرضيات تكسر المتوقع بسبب طرح مفاهيم مغايرة ومقلقة ومتبدلة للشخصية التي نتناولها. ومن المفارقات حينما عرضت مسرحية جمهورية الجواهري في اربيل، كان الجمهور معظمه من اليساريين، لكن عندما ظهرت شخصية نوري سعيد على الخشبة وحاور عبد الكريم قاسم، كان التصفيق يتعالى لنوري سعيد، هذا لا يعني الاتفاق مع نظامه السياسي، إلا أني طرحت الشيء الذي كان لديهم ثابتا ولا يقبل النقاش وعرضته للمناقشة والمراجعة، لتتم رؤيته من زاوية مختلفة.

* رُشحت لحقيبة الثقافة وتم التصويت على ترشيحك بالاجماع في مجلس النواب، والتصويت ايضاً على اقالة الوزير الحالي، هل تعتبر وجوده الحال غير دستوري وانك الوزير الفعلي حسب الدستور؟

– لأن القضية تتعلق بي شخصياً، أجد نوعا من عدم الراحة في الجواب الحقيقي حتى لا يسبب إحراجاً لأحد. لقد شاءت إرادة الناس والمثقفين وبعض المسؤولين في الدولة، وأكثر من جهة سياسية قد لا تتفق ايدلوجياً فيما بينها، إلا أنهم جميعا اهتدوا لوجدانهم ووعيهم ووطنيتهم، فتم ترشيحي لأني ابن هذا الوسط، وكان من الممكن تغيير الكثير من القضايا التي تردّت فيها الثقافة سواء على المستوى الاداري والابداعي او على مستوى التعامل مع الشعب. إن الثقافة ينبغي إدارتها من قبل اكفاء قادرين على تحويلها من مسألة استهلاكية تزيينية الى قضية عضوية انتاجية، وتتيح الفرصة للمبدعين وللشباب. ان ما حصل في ملابسات ترشيحي ليس جديدا، فهنالك تجارب سابقة تشابه هذا الموضوع، حيث ضمير البرلمان يصوت بالاجماع ولا يحترم تصويته وارادته، ليتحول الامر الى نوع من التذويب للحالة والسكوت عليها وتحللها، فابتعدوا عن الموقف الاصيل الذي ينبغي الاحتذاء به. إلا ان ما افرحني البهجة والاستقبال الجميل من قبل المثقفين العراقيين والعرب الذين استقبلوني بما يشابه العرس حين معرفتهم بترشيحي وهذا الامر يجعلني فخوراً بموقفهم المشرف.