الأحد: 21 أكتوبر، 2018 - 10 صفر 1440 - 10:10 صباحاً
دفاتر
الثلاثاء: 9 أكتوبر، 2018

عواجل برس/متابعة

تظهر طائفة القُرَّاء على مسرح السياسة الإسلامية عام 30 هـ، بمشاركتها في عزل والي عثمان على الكوفة الوليد بن عقبة، بسبب شربه الخمر. وقبل ذلك كان لهم دور عسكري في “الجهاد”، ودور تعليمي في تعليم القرآن وترتيله في مساجد الكوفة والأمصار مثل البصرة والفسطاط والشام.

وعام 33 هـ، يرد ذكرهم مرّة أخرى، حين نفى الخليفة عثمان بن عفان مجموعة من كبارهم إلى الشام، بتهمة إفساد الكوفة على واليه سعيد بن العاص، وفي العام التالي نجحوا في طرد الوالي، وفرْض أبي موسى الأشعري والياً بدلاً منه.

بعد ذلك، توجهت وفود شارك القُرَّاء في قيادتها إلى المدينة، مقر الخلافة، لتقديم اعتراضاتهم على سياسة عثمان، وتطورت الأحداث ليُقتل عثمان، وتندلع الحرب بين المسلمين، وكان للقُرَّاء دور كبير في إشعالها، وفي توجيه مصيرها.

مَن هم القُرَّاء؟ وما نظرتهم للقرآن؟

يعود علي سامي النشار، في كتابه “نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام”، بجذور جماعات القُرَّاء إلى عهد النبوة، ويقول إنها وُجدَت في المدينة.

ومن ارتباطهم بقراءة القرآن، جاءت تسميتهم بـ”القُرَّاء”، وعبر عملية نشر الصحابة للقرآن في الأمصار، خصوصاً في المدن العسكرية (الكوفة والبصرة) تشكلت حلقاتهم. ففي الكوفة نشط عبد الله بن مسعود، وفي البصرة نشط أبو موسى الأشعري، وفي الشام كان أبو الدرداء، وغيرهم.

وبالتعبّد بالقرآن، تشرّبت نفوسهم روح الإسلام، وضعفت علاقاتهم بقبائلهم، وزالت من نفوسهم العصبية القبلية، لتحل محلها روح التمسك بالدين وتعاليمه، ولذلك كانوا أقل الناس تمسكاً بصلة الدم والنسب، حسبما يقول سليم النعيمي في دراسته “ظهور الخوارج”.

لم يؤلّف القرّاء حزباً سياسياً ذا برنامج محدد ثابت، فمنهم مَن كان في صف أهل الشام ومنهم مَن كان في صف أهل العراق، كما أن فريقاً منهم اعتزال القتال، كما يذكر المستشرق يوليوس فلهوزن في كتابه “أحزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الإسلام”.

منطلقين من حماستهم الدينية، كانوا يعملون عن طريق التوجيه وإسداء المشورة في الأمور العامة، وكانوا يؤثرون في الجماهير، فلما قامت الثورة على عثمان وانتشرت في الكوفة، كانت لهم الكلمة العليا، وكانوا طليعة المعترضين، ولكن نجاحهم في الشام كان أقل منه في العراق، حسب فلهوزن.

مشاركة القُرَّاء في الثورة على عثمان

تحفظ لنا المصادر التاريخية العربية مثل “تاريخ الرسل والملوك” للطبري، و”أنساب الأشراف” للبلاذري، و”كتاب الفتوح” لابن أعثم الكوفي، أسماء قادة قُرَّاء الكوفة، وتذكر دورهم في إشعال الفتنة والتي من رحم أحداثها تحوّل البعض إلى شيعة عليّ بن أبي طالب، ثم انبثقت فرقة الخوارج.

ويتناول هشام جعيط في كتابه “الفتنة: جدلية الدين والسياسية في الإسلام المبكر” الدور السياسي لقُرَّاء الكوفة، ويقول: “مثّل القُرَّاء النخبة الإسلاموية في الكوفة التي كانت الجماعة الأشد نفوذاً والأكثر نشاطاً، فقد انتسب إليها الرجال الذين اتهموا الوليد بن عقبة، والي عثمان، بتعاطي الخمر، وتوصلوا إلى عزله عام 30 هـ”.

وبجانب الوازع الديني لحركة القُرَّاء، وُجد لديهم دافع اقتصادي، فقد كانوا من أوائل المقاتلين في العراق، وكانت لديهم مخاوف على أعطياتهم من سياسة الخليفة عثمان الموالية لبني أمية. ويؤكد ذلك ما حدث عام 33 هـ، حين ثار بعض قادتهم على والي عثمان سعيد بن العاص لظنّهم بوجود أطماع له في أراضي السواد العراقية. وعقاباً لهم على ذلك، أبعد الوالي عدداً من قادتهم إلى الشام، كما ذكر الطبري في كتابه “تاريخ الرسل والملوك”.

ويؤكد جعيط أن الصراع لم يكن حول الأراضي فقط بل حول هيمنة قريش على مجمل العرب. فبالنسبة للقُرَّاء، كانت دولة عثمان هي دولة قريش، التي أقصت عموم المسلمين وقرّبت من السلطة أقارب الخليفة.

وعام 34 هـ، نجح القُرَّاء في منع الوالي سعيد من الرجوع إلى الكوفة، بعدما ذهب إلى المدينة، وهنا يظهر دورهم العسكري في السياسة، إذ جنّدوا ألفي مقاتل لهذا الهدف، ونجحوا في فرض أبي موسى الأشعري والياً عليهم، كما ذكر الطبري.

ويورد كتاب “الفتوح” مراسلات من قُرَّاء الكوفة إلى عثمان ينصحونه فيها ويعظونه بالعمل وفق الكتاب وترك موالاة أسرته واتقاء الفتنة، والحكم بالعدل، فما كان من عثمان إلا أن أمر بجلد بعضهم.

وتطورت الأحداث السياسية في المدينة، مركز الحكم، بخروج ثلاث فرق من الكوفة والبصرة والفسطاط عام 35 هـ كان من ضمنها جماعات نشطة من القُرَّاء، ومن الأسماء التي ترددت لقادة القُرَّاء في الأحداث: مالك بن الأشتر وزيد بن صوحان وعبد الله بن الأصم وزياد بن النضر وعمرو بن الحمق الخزاعي.

ويفسر سليم النعيمي ثورة القُرَّاء على عثمان بأنّهم نظروا بسخط إلى محاباته لأقربائه على حساب أهل السبق في الإسلام، واعتقدوا أنه خالف سيرة أبي بكر وعمر، فكانت مشاركة بعضهم في حصار عثمان وقتله.

ولكنّ فريقاً من القُرَّاء الذين كانوا ينكرون على عثمان سياسته، استنكروا أيضاً مقْتله ولم يشاركوا فيه، يتابع النعيمي.

بعد ذلك، جرت مبايعة علي بن أبي طالب خليفةً، وتطورت الأحداث بانشقاق ثلاثي الجمل (الزبير بن العوام، طلحة بن عبيد الله، السيدة عائشة بنت أبي بكر)، وانتقاله إلى البصرة بغية مطاردة قتلة عثمان والتحصن في الأمصار العسكرية، ثم بانتقال علي إلى الكوفة الأقرب إليه، ومقر القُرَّاء النشطين سياسياً.

وفرض الواقع تحالفاً بين القُرَّاء وعلي، فمن جهة لم يكن بمقدور القُرَّاء تعبئة قوة كبيرة لو لم يكونوا قد تقرّبوا من علي، بحيث تصير القضية الأساسية الدفاع عن شرعية الأخير، في مواجهة منكريها عليه، ومن جهة ثانية كان علي بحاجة إلى دعمهم لكسب الكوفة بجانبه، يقول جعيط.

القُرَّاء وعلي… من التحالف إلى التمرد

في الكوفة، كان قادة القُرَّاء يسيطرون على المصر كله بعد طرد الوالي، ويحشدون المؤيدين والأتباع على أساس إيديولوجي، متجاوزين رؤساء القبائل التقليدين. وانضموا إلى علي في موقعة الجمل، وبلغ عددهم خمسة آلاف رجل، وفي صفّين صار عددهم 12 ألفاً، وحتى عشرين ألفاً بحسب بعض المصادر، بجانب مشاركة مجموعة من قُرَّاء البصرة، وفق هشام جعيط.

ويفرّق جعيط بين قادة القُرَّاء الذين والوا عليّاً لشخصه وماضيه الإسلامي، وبين نواتهم المتشددة التي نظرت إليه على أنه حامل لوائهم لمحاربة أعدائهم المشتركين، لكنْ سرعان ما كشفت حادثة التحكيم عن هذا الخلاف.

أقوال جاهزة

شاركغردفرض الواقع تحالفاً بين القُرَّاء وعلي بن أبي طالب، فمن جهة لم يكن بمقدور القُرَّاء تعبئة قوة كبيرة لو لم يكونوا قد تقرّبوا من علي، بحيث تصير القضية الأساسية الدفاع عن شرعيته، ومن جهة ثانية كان عليّ بحاجة إلى دعمهم لكسب الكوفة بجانبه

شاركغردنظر القُرَّاء بسخط إلى ما اعتبروا أنه محاباة عثمان لأقربائه على حساب أهل السبق في الإسلام، واعتقدوا أنه خالف سيرة أبي بكر وعمر، فكانت مشاركة بعضهم في حصار الخليفة وقتله، في مقابل رفض بعض آخر لذلك

ويسرد فلهوزن أن رفع أهل الشام للمصاحف على أسنّة الرماح، في حادثة التحيكم، ودعوتهم إلى تحكيم كتاب الله، أثّر في أهل العراق، خصوصاً في القرّاء الأتقياء، فقبلوا بالتحكيم بشكل عام لصون الدماء.

واعتبر القرّاء أنّ الحكم القرآني واضح من منطوق قوله تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهُما} (الحجرات: 9).

ولكن حين كُتبت وثيقة التحكيم بما يخالف تصورهم بأنّهم على حق، انفصل قسم كبير منهم عن الجيش، وكان من مآخذهم على عليّ أنه ترك أمر الخلافة إلى هوى متفاوضَين، كما ذكر فلهوزن.

ويرى جعيط أن هذا الموقف المتناقض يرجع إلى ظنّهم بأن الفريقين سيوكلان مهمة التحكيم إليهم، فهم الأكثر حفظاً ومعايشة للقرآن، إلا أن هذا لم يحدث.

وكان التحكيم بداية انفصال القرّاء عن عليّ، فعندما رجع من صفين انفصل عنه 12 ألفاً من القرّاء ومؤيديهم، واستقروا في حروراء، ونجح عليّ في إقناع أغلبهم بالعودة إلى صفوفه، ثم تطورت الأحداث ليقع القتال بينهم وبين عليّ في موقعة النهروان عام 38 هـ (659 مـ)، ولاحقاً قتل أحد الخوارج عليّاً عام 40 هـ (661 مـ)، ومن هنا تأسس حزب الخوارج المعروف في التاريخ الإسلامي.

نشوء حزب الخوارج

يقول سليم النعيم في دراسته إن من بين القُرَّاء الذين أصبحوا قادة للخوارج بعد قبول علي بالتّحكيم كل من زيد بن حصين الطائي، شريح بن أوفى العبسي، حرقوص بن زهير السعدي.

ويوضح سبب خروج القُرَّاء بأنهم رفضوا الدعوة إلى تحكيم البشر، فكأنهم وافقوا على مبدأ التحكيم، لكنهم لم يقبلوا بتفسير أحد لكتاب الله، ظنّاً منهم أنه سبق بالحكم في آية القتال بين الطائفتين من المؤمنين.

وفي الرواية أنّ الأشعث بن قيس، أهم رؤساء قبائل الكوفة، حين أعد وثيقة التحكيم مع معاوية، وراح يُروّجها بين قبائل الجيش، وصل إلى جمع من بني تميم، فيهم عروة بن أدية الذي رأى أن مصير خلافة المسلمين قد صار بين أيدي رجلين، فصاح غاضباً: ” لا حكم إلا لله”! وأهوى بسيفه على مؤخرة دابة الأشعث، فغضبت قبيلة الأشعث إلا أنّه قبِل اعتذار سادة تميم.

ويؤكد فلهوزن أنّ القرّاء كانوا التربة التي نبت فيها الخوارج، فهؤلاء الأخيرون كانوا قوماً شديدي التقوى ويقرأون القرآن ويتعبدون به في الليل والنهار، حتى أنّ أوائل الخوارج اشتهروا بلبس البرنس مثل عادة المتعبدين من القرّاء.

ظهور التشيع الروحي بين قادة القُرَّاء

تحددت شيعة عليّ في لحظة رجوعه من صفّين إلى الكوفة، في الفئة التي بايعته ونصرته لشخصه بعد تمرد جزء كبير من القُرَّاء عليه في حروراء، وبعد فتور القيادة القبليَّة بقيادة الأشعث، وانضم إلى شيعته بعض قادة القُرَّاء ومنهم الأشتر، عدي بن حاتم، حُجر بن عدي، يزيد بن قيس، وشبث بن ربعي، الذين لم ينفصلوا عن عليّ رغم معاداتهم للتحكيم، يذكر جعيط.

ويتفق النعيم مع جعيط، ويقول إن عليّاً حين عاد من صفّين إلى الكوفة بايعه جزء من القُرَّاء المخلصين لشخصه، لتتكون نواة الشيعة.

ويذكر فلهوزن مشاركة عدد كبير من القرّاء في ثورة التوابين ضد بني أمية عام 64 هـ (685 مـ)، والتي كانت علامة فارقة في نشأة التشيع.

قُرَّاء مع معاوية وقُرَّاء معتزلون

لم يكن موقف جميع القُرَّاء معارضاً لعثمان، بل كانت بينهم جماعات مؤيدة لمعاوية، وهم قُرَّاء الشام الذين وصل عددهم إلى أربعة آلاف مقاتل، كما آثرت فئة منهم الاعتزال أو التوجه للمرابطة في الثغور.

وظلت فئات القرّاء متمايزة عن الخوارج والشيعة، بل شاركت كتيبة منهم في الحرب ضد الخوارج الأزارقة عام 75 هـ (695 م). ويذكر الطبري مشاركتهم في ثورة ابن الأشعث (82-83هـ) ضد الأمويين.