الجمعة: 24 مايو، 2019 - 19 رمضان 1440 - 08:12 صباحاً
بانوراما
الثلاثاء: 12 مارس، 2019

عواجل برس/متابعة

عام 2016، كان عدد المسلمين في فرنسا يبلغ أكثر من 5.5 مليون مسلم، حسبما كشف مركز «بيو» للأبحاث في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017. لكن مع ذلك تستقدم فرنسا الأئمة المسلمين. فما الذي يدفعها إلى ذلك؟

وفي مقال رأيٍ بصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، حاول الروائي الجزائري كامل داوود الإجابة عن هذا السؤال بتسليط الضوء على وضع الإسلام في فرنسا، والمأزق الذي تواجهه الحكومة الفرنسية في محاولتها التعامل مع معتنقيه.

أوضح داود أنَّ الإسلام يعد مسألةً ملحة في فرنسا، بالنظر إلى الهجمات المسلحة، والطائفية، والتلاعب الدولي بالمجتمعات الإسلامية. لكنَّه أيضًا مسألةٌ مثيرة للجدل؛ لأنَّه يبدو أنَّ تنظيم الإسلام يتعارض مع النسخة الصارمة الفرنسية من العلمانية، وقانون عام 1905 الذي ينص على الفصل بين الكنيسة والدولة.

ويرى الروائي أنَّ تعديل هذا القانون ربما يعد اعترافًا بأنَّ العلمانية تنحني للإسلاموية، ومن زاوية أخرى، إذا لم يُعدل القانون، أو إذا لم تتمكن الدولة الفرنسية من إيجاد طرق أخرى لمراقبة الإسلام وتوجيهه، فإنَّ الإسلام في فرنسا سيصبح مهددًا بالوقوع تحت سطوة الدول الأجنبية أو تأثير المتطرفين.

وهذا هو الحال بالفعل، إذ أوضح داود أنَّه منذ منعت العلمانية السلطات الفرنسية من استخدام الأموال العامة لبناء المساجد أو تدريب الأئمة، تدخلت الجزائر والمغرب وتركيا والمملكة العربية السعودية لسد تلك الفجوة. ووفقًا لما ذكرته صحيفة «لو إكسبريس» الفرنسية، فإنَّ 70% من الأئمة في فرنسا ليسوا فرنسيين.

بحسب داود، في محاولةٍ للتغلب على هذه المفارقات، عقد الرئيس إيمانويل ماكرون مؤخرًا اجتماعًا في قصر الإليزيه يضم مختلف الزعماء الإسلاميين في فرنسا وممثلين عن جميع الأديان. وتركزت قضية الاجتماع الأوسع، الذي عُقد في 10 يناير (كانون الثاني)، على موضوعاتٍ ملحة منذ زمن، تمثلت في كيفية معاقبة المتطرفين، ومراقبة تمويل المساجد، ومساءلة السلطات الإسلامية. وذكرت صحيفة «لوموند» اليومية الإخبارية، التي حصلت على المذكرة التي سلمها الرئيس للحضور، أنَّ الحكومة اقترحت إعادة النظر في قانون عام 1905 مع التأكيد على مبادئه.

لكن يعتقد الروائي أنَّ هذه كانت محاولةً فرنسية قلقة لتحقيق المستحيل، يلخصها بشكل جيد السؤال حول ما يجب فعله بشأن الأئمة: أصولهم وتدريباتهم ورواتبهم.

استيراد الأئمة

يبدأ داود في نقد المساعي الفرنسية وتحديد العقبات التي تواجه تلك المساعي؛ العقبة الأولى أنَّه من المستحيل تقريبًا حصر عدد الأئمة في فرنسا. فلا أحد يعرف حقًا كم عددهم، جزئيًا بسبب حظر جمع البيانات على أساسٍ عرقي أو ديني، وآخر التقديرات المتاحة من وزارة الداخلية، والتي تعود إلى عام 2012، تشير إلى أنَّ عدد المساجد في فرنسا يبلغ حوالي 2500 مسجد.

في حين جاء في تقرير 2016 الصادر عن مجلس الشيوخ أنَّه أقرب إلى 3 آلاف، لكنَّ هذه الأرقام عفا عليها الزمن اليوم، وكانت غير دقيقةٍ في المقام الأول؛ لأنَّها بحسب داود لا تبنى على معايير واضحة لماهية المسجد، فالمسلمون هناك يتجمعون أحيانًا في الطوابق السفلية أو اي قاعات ويستخدمونها للصلاة. بالإضافة إلى أنَّ وجود 2500 مسجد لا يعني وجود 2500 إمام؛ ففي الإسلام السني، النسخة الإسلامية الأكثر انتشارًا في فرنسا، يمكن لأي شخص أن يعلن نفسه إمامًا ويتطوع ليؤدي الصلاة أو خطبة الجمعة.

ويضيف الروائي أنَّه لا توجد سلطة مركزية للإشراف على الإسلام في فرنسا. وعلى أية حال، الدولة لا يمكنها أن تُشرف على المساجد التي لا تمولها أو الأئمة الذين لا تدفع رواتبهم.

ولهذا، لجأت فرنسا، بسبب افتقارها إلى المدارس اللاهوتية، إلى الهجرة المنظمة. فبحسب داود، راحت تستقدم الأئمة من الخارج، ومعظمهم من البلدان الأصلية لمجتمعات المهاجرين، إما لفتراتٍ طويلة أو فقط في شهر رمضان. ومن عجيب المفارقات هنا أنَّ أحد المبررات لهذه السياسة، رغم أنَّه نادرًا ما يتم الاعتراف به علنًا، هو الأمن، إذ يبدو الاعتماد على إمامٍ رسمي من الجزائر أقل خطورة، بدلًا عن السماح لأشخاصٍ مجهولين بإعلان نفسهم أئمة في ضواحي باريس وأحيائها.

شرح داود الآلية التي يجري بها استقدام الأئمة. وأوضح أنَّه على سبيل المثال، يجب على الأئمة الجزائريين الراغبين في الذهاب إلى فرنسا الخضوع أولًا للتحقيقات، وكما تقول الحكومة الجزائرية بتواضع، تضمن «الخبرة الجزائرية» في مسائل الأمن الداخلي جودة عمليات فحص خلفياتهم، وكانت الحكومة الجزائرية قد عرضت أيضًا خدماتها في ذلك الأمر على الولايات المتحدة وبلجيكا وإيطاليا.

في عام 2018 أرسلت الجزائر ما يقارب مئة إمام للعمل في فرنسا، وساهمت المغرب وتونس أيضًا بعددٍ مشابه. وفي عام 2017، نشرت صحيفة «لو إكسبريس» مقالًا بعنوان: «المغرب، مصنع الأئمة الفرنسيين»، تناول الأئمة المتدربين، الذين أُرسل بعضهم من فرنسا، وكانت المملكة تدربهم على نشر الإسلام الوسطي قبل إرسالهم خارج البلاد. ووفقًا لصحيفة «لو بوينت» الأسبوعية، تشرف القنصلية التركية على أكثر من 250 مسجدًا، ونحو 200 من أئمة المساجد الذين أعارتهم تركيا إلى فرنسا.

إشكالية الأئمة الأجانب

قد يبدو الاستقدام المنظم للأئمة الأجانب حلًا عمليًا جيدًا؛ لكن يرى داود أنَّه في الواقع فخٌ أيديولوجي. إذ يجادل بأنَّه حتى لو عمل هؤلاء الأئمة بحسن نية، يمكنهم فقط تعزيز الطائفية في فرنسا والعمل ضد سياسات الاندماج؛ لأنَّهم ليسوا فرنسيين. وبهذا باسم العلمانية تعهد فرنسا بإدارة إسلامها إلى دولٍ أخرى، وهو أمرٌ ينطوي على خطورة.

وتستفيد هذه الدول من الأمر. فبالنسبة للحكومة الجزائرية مثلًا، يبدو أنَّ تصديرها للأئمة يؤكد عودة البلاد إلى الاستقرار. وترى المملكة العربية السعودية الدعوة كشكلٍ من أشكال القوة الناعمة، وكذلك تركيا، التي تبدو مهتمةً بتكوين لوبي ديني لها في الخارج.

وبحسب داود، لهذا مخاطر كبيرة. فعندما قامت الحكومة النمساوية العام الماضي بطرد حوالي 60 من الدعاة الأتراك لمواجهة ما وصفته بمحاولات إنشاء «مجتمعاتٍ موازية» و«حركات إسلام سياسي»، وصفت تركيا هذا بالتحرك «العنصري» و«الإسلاموفوبيا». وعندما قالت الحكومة الفرنسية إنَّها تريد خلق «إسلام متميز في فرنسا»، اتهمتها الجزائر، التي تحدثت بشكلٍ غير مباشر، عبر مقال رأيٍ لخبير في وسائل الإعلام الرسمية، بـ«الغطرسة المغلفة بالجهل».

يؤكد الروائي على أنَّ استقدام الأئمة والتمويل الخارجي للمساجد، هذه السياسات الفرنسية التي تفوض الإسلام لجهاتٍ خارجية، لا جدوى منها، فهي لن تكفي للقضاء على التطرف في فرنسا، أو دعم صعود إسلامٍ فرنسي.

من خلال الاجتماع الذي عقده، يرى داوود أنَّ مكتب الرئيس عازمٌ على التغلب على كل هذا. لكنَّ بعض المشاركين في هذا الاجتماع الأول الذي عقده ماكرون في بداية العام جاءت ردودهم غاضبةً ومدروسةً قبل قبول دعوته. إذ ندد أعضاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بـ«الإدارة الاستعمارية للإسلام».

ويعتقد داود أنَّ استخدام هذا الوصف كان ذكيًا؛ فعبر استدعاء ذكرى الاستعمار، يستطيعون أن يستغلوا تلك التهمة كورقة مساومة مع الحفاظ على الصورة الطائفية للإسلام كديانة مهددة. وفي رأيه، فإنَّهم فعلوا ذلك خوفًا من فقدان السلطة إذا طورت فرنسا نسختها الخاصة من الإسلام. وهذا الحديث عن وضع المسلمين كمجموعة كانت تتعرض للاستعمار هو وسيلة لإبراز روابطهم مع بلدانهم الأصلية، على حساب علاقاتهم مع بلدهم المضيف (فرنسا).

ويشير الروائي إلى فشل المحاولات السابقة لإنشاء مجالس إسلامية يمكن أن تمثل مجتمعات فرنسا المسلمة المختلفة بشكلٍ فعال، كالجامع الكبير في باريس واتحاد المسلمين الفرنسيين، واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (المعروف أيضًا باسم مسلمي فرنسا).

وحسبما يرى فإنَّ أحد الأسباب هذا الفشل يتمثل في التنافس بين قادة الجماعات، والطوائف المختلفة، والحكومات الأجنبية ذات الصلة بالجماعات المهاجرة. إذ تتنافس الجزائر مع المغرب، وكلاهما يتنافسان مع تركيا والمملكة العربية السعودية، وكما أوضح الصحافي هنري تينكش في مجلة «سلايت» الفرنسية، فمسجد باريس موالي للجزائر، واتحاد المسلمين الفرنسيين له روابط مع رابطة المسلمين حول العالم والمملكة المغربية، واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا مقرب لجماعة الإخوان المسلمين.

ولهذا، وفقًا لداود، من الصعب فصل الإسلام عن مجتمعه والمجتمع عن بلده الأصلي دون أن تُتهم بالتدخل. وعندما تحاول الحكومة الفرنسية إدارة الإسلام في فرنسا، تتهمها الجزائر بالتدخل، لكنَّها عندما تقول ذلك، فإنَّ الجزائر هي من يتدخل في شؤون فرنسا.

مقترحٌ قوبل بالرفض

لحل تلك الأزمة، يشير الروائي إلى مقترحٍ قدمه حكيم القروي، وهو مستشار دولي مقرب من ماكرون، وكتب تقريرًا بعنوان «المصنع الإسلاموي»، وفي عام 2016 نشر تقرير بعنوان «الإسلام الفرنسي ممكن».

أولًا، يوصي القروي بضرورة الإشراف الصارم على التمويل الخارجي أو الأموال غير الرسمية التي تُجمع في المساجد أو الأحياء أو الجمعيات المحلية. ويقترح إنشاء صندوق مستقل لتدريب الأئمة بفرض ضرائب على الشركات الحلال، والأموال التي تُجمع من خلال الزكاة، وتجارة الحج إلى مكة. هذه أفكار جيدة لمحاولة فصل الدولة والكنيسة، وفي الوقت نفسه دمج المسلمين الفرنسيين في فرنسا.

لكن يكشف داود أنَّه حتى تلك المقترحات التي من المفترض بها توحيد المسلمين هناك أثبتت كونها مثيرةً للخلاف، وتبيَّن أنَّها مثيرة للجدل، لاسيما في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. إذ وصفها أحد نواب رئيس المنظمة بـ«الإهانة» للإسلام، متهمًا القروي بالخلط ما بين الإسلام والإسلاموية. وفي رأي الكاتب، يفسر هذا الرد الجدل الذي لا نهاية له بين من يريدون الحفاظ على احتكار الإسلام في فرنسا، وأولئك الذين يرغبون في تطوير إسلامٍ فرنسي.