الثلاثاء: 17 يوليو، 2018 - 03 ذو القعدة 1439 - 10:05 مساءً
ثقافة وفن
السبت: 10 مارس، 2018

محمد خير الخطيب

 الملحن  محمد القصبجي دائماً في ذكراه

بدأ اهتمامي بمحمد القصبجي في الوقت الذي بدأت أدقق في تكوين ألحان الأغاني، وبنائها، وتتبع مفرداتها، والوقوف على جماليات عناصرها، فكنت كلما توقفت عند محطة جمالية مؤثرة، وبحثت عن الفاعل، أجد اسم محمد القصبجي.

إعلان

محمد القصبجي: موسيقي مبدع، رائد من رواد الموسيقى العربية، صاحب فضل في توجيه مسار الغناء العربي في القرن العشرين؛ لينتقل به من شكله المكرر المغرق في المحلية والارتجال، إلى فن مضبوط وموثق بعناية، من ألفه إلى يائه، مما ساهم في تطوير الموسيقى العربية.

لقد سلك القصبجي في سعيه للتطوير عدة طرق:

1- الابتكار، بجعل الموسيقى تؤازر الغناء في التعبير، فوضع ألحاناً جمعت بين الأناقة والجمال، وأضاف مقاماً موسيقياً (ما وراء النهرين)، فلحّن عليه أغنية (دعاء الحق)، التي رفضتها أم كلثوم، وغنّتها (فايدة كامل)، ثم تطوير اللوازم الموسيقية كي تؤدي دوراً، بعد أن كانت ملء فراغ.

2- تحديث القوالب الغنائية (الطقطوقة، الدور…) بابتكار أشكال جديدة لها، وإدخال المونولوغ، حتى أصبح من أكثر الأشكال الغنائية تداولاً حتى الآن.

3- الاستفادة من التكنيك الموسيقي الغربي (الهارموني، البوليفوني، الإيقاعات…)، لحبك الخيوط اللحنية في نسيج فائق الجمال، وهذا ما ظهر في ألحان كثيرة، اعتُبرت متقدمة عند إذاعتها، ولا تزال (أنا قلبي دليلي، يا طيور…).

4- إخضاع الموسيقى والغناء للعلم، فأجاد علم التدوين، وعلم النظريات الموسيقية، وعلم الأصوات، كما أفاد في صناعة العود (شكله، وطول أوتاره).

5- استخدام المقامات غير المألوفة (الماهور التركي)، ولحّن عليه مونولوغَي (يا مجد، ويا ما ناديت)، اللذين يعتبران بحق فخر ألحان العرب.

6- تطوير التخت الشرقي، بإدخال آلتَي التشيلو والكنترباص.

7- لم يقلد محمد القصبجي أحداً، وإنما كان أساساً قلده من جاءوا بعده.

لذلك، يمكننا القول بأن القصبجي قد شارك مشاركة مهمة في وضع أسس الغناء العربي للقرن العشرين، وأثّر على شريحة واسعة من الفنانين المصريين والعرب، بالعلم أو المحاكاة أو الاقتباس (محمد عبد الوهاب، رياض السنباطي، فريد الأطرش، محمد فوزي، محمد الموجي، زكي ناصيف، توفيق الباشا…)، فقد كان أحد مكونات شخصية السنباطي الفنية، أولاً، في تقديمه للناس وتزكيته، ثم تلميذاً في مدرسته، ثم مقلداً ومقتبساً… كما كان أستاذاً ومصدر إلهام لفريد الأطرش، الذي حافظ على تبعيته له، تلحيناً وعزفاً على العود، بل واقتباساً لكثير من الجمل اللحنية.

لحّن القصبجي ما يزيد على ألف لحن، توزعت بين: أوبريتات، وأغانٍ طالت حناجر أجيال من المغنين المصريين، والعرب، بل أشهر مطربات إيران (غوغوش)، التي غنت مونولوغ (يا طير يا عايش أسير)، نال معظمها القبول والشهرة، كما نال مغنّوها الإعجاب والانتشار، وألّف الكثير من المقطوعات الموسيقية (سماعي، لونغا…).

قيل الكثير عن محمد القصبجي، ولعلي في هذا المقال المتواضع أضيف شيئاً لسيرة هذا الموسيقار:
محمد القصبجي: من أصول شامية، مدينة حلب السورية تحديداً، تم تجاهله في وسائل الإعلام، ومحاولة طمس فضله وألمعيته، فاشتهرت ألحانه أكثر مما اشتهر، وذاع صيت مطربين ومطربات كثر غنّوا ألحانه، فاشتهروا أيضاً أكثر منه، وهو الذي انطلق مع سيد درويش في عملية التطوير الكبرى التي طالت الغناء العربي، إذ وُلدا في ذات العام 1892، بفارق تسعة وعشرين يوماً، فكان لسيد درويش شهرة تناهز شهرة ألحانه، على خلاف القصبجي الذي اشتهرت ألحانه وجانبته الشهرة، وبقي ذكره خافتاً، وحضوره نادراً، وسيرته باهتة، سوى في مناسبات متباعدة، تمر في سياق سير آخرين.

كان القصبجي رومانسياً، التقى و(أحمد رامي) على ذات الصفات، فأسسا مدرسة المونولوغ، وارتبطا فنياً وشخصياً حتى الممات… لم يُسند للقصبجي أي منصب رسمي، حتى محاولة ترؤسه لنقابة الموسيقيين باءت بالفشل عندما نافسته أم كلثوم وانتزعتها منه بأنانية فجة، في الوقت الذي اعتُمد رياض السنباطي – تلميذه، ومقلده- معلماً للعود في المعهد الموسيقي عندما جاءه دارساً… كما لم ينل القصبجي أي تكريم أو جائزة تقدير، لا في حياته ولا بعد مماته… بطريقة يبدو من خلالها بأن القصبجي مُستبعد، لا يُراد له التكريم والظهور… بل التشويه، عندما صوروه في مسلسل “أم كلثوم” بالخفيف، المهزوز، المتهافت، المهووس بأم كلثوم.

لقد كان للقصبجي الدور الأهم في صقل أم كلثوم وتقويم مسارها الفني، وتكوين شخصيتها الفنية عبر تقديمها بالشكل الأمثل، وتشكيل فرقتها الموسيقية، ثم سبعين لحناً، كان لمعظمها أثر في سطوع نجمها وتألقها، حتى غدت الأولى في مصر والعالم العربي، كمونولوغ (إن كنت أسامح) الخطوة الأهم في أسطورة أم كلثوم، حسب قول (مدحت عاصم)، الذي تخطت به الكثير مما سبق في تاريخ الغناء، ثم رائعته مونولوغ (رق الحبيب)، لترقى قمة لم يستطِع أحد بلوغها حتى الآن، خصوصاً عندما تردد جملة: وإيه يفيد الندم مع اللي عاش في الخيال… كأنها وكأنه يعلنان انتهاء أجمل فصول المجد لزمن جميل… وهذا ما حصل.

ما حصل، أن أم كلثوم، وبعد الشهرة التي نالتها، تراءى لها بأن الوقت قد حان لتشكيل ورشتها الخاصة، مثل ورشات الخياطة؛ حيث تختار نوع القماش ولونه وشكله، ثم يقوم “عمال الورشة” من الشعراء والملحنين بأخذ المقاسات، وخياطة الثوب، الذي أُطلق عليه: (الأنموذج الكلثومي)… وسعت إلى ضم محمد القصبجي إليها، وهو الذي يملك داراً للأزياء، تمكّنه من بيع أزيائه لشريحة واسعة من المغنين… فعاقبته بمختلف الوسائل حتى استسلم، لأجل لقمة العيش، وأمضى عشرين عاماً “يلم القصاصات”، “آلاتي” وراءها، ساهماً واجماً، حتى مات في 25/03/1966.

شنّت أم كلثوم حرب إلغاء على محمد القصبجي، في اللحظة التي رفض طلبها في أن يكون “عاملاً في ورشتها”، بإطلاق الشائعات حوله (نضوب الإلهام، وسوء الحالة النفسية، وكثير من النكات…)، ثم اشتدت الحرب بعد ظهور أسمهان وتقديمهما ألحاناً ناجحة، وضعتها في موضع المنافسة مع أم كلثوم.

لقد رأى القصبجي أن أسمهان يمكنها أن تساعده بصوتها في عملية التطوير، بالاستفادة من القواعد الغربية، مع عدم التفريط بالنكهة الشرقية، ولعل مونولوغ (يا طيور) خير شاهد على ذلك، إنما للأسف، انتهت الحرب ضده بالضربة القاضية، عندما ماتت أسمهان، ومواجهة أم كلثوم له بغلّ وتشفّ، وذلك برفض ألحانه.

عديدة علامات الاستفهام التي أحاطت بأسباب إهمال محمد القصبجي، على ما له من موهبة وفضل في الغناء العربي، قد يكون كثيراً منها على أطراف الألسنة، إلا أن نقصان الحقائق هو ما يجعل الإحجام عنها مبرراً، فيبقى التحليل والقياس بما أصاب آخرين مرجعاً، وأخص بالذكر منهم (فريد الأطرش)، الذي عاش جلّ حياته يناضل من أجل اعتماده فنياً واجتماعياً، وباء نضاله بالفشل، فغادر القاهرة في آخر أيام حياته إلى بيروت…

هل هناك رابط بين ما حصل للقصبجي، وما حصل لفريد الأطرش وأسمهان؟

المتأمل لحياة كل من محمد القصبجي، وفريد الأطرش، يدرك أن هناك تشابهاً عجيباً، بين الرجلين، من البداية وحتى النهاية، في الحياة والفن، فضلاً عن أن فريد كان مغنياً، ساعده صوته على البروز والشهرة؛ لذلك، لم يكن مستغرباً أن يصبح القصبجي صديقاً لأسرة الأطرش منذ التقيا، فتتلمذ فريد على يديه، وغنّت أسمهان أهم ألحانه، كما غنّت والدتها (علياء المنذر).