الثلاثاء: 28 يناير، 2020 - 01 جمادى الثانية 1441 - 09:35 مساءً
بانوراما
الخميس: 16 يناير، 2020

“لا نريد جمهورية إسلامية”. هذا أحد شعارات التظاهرات التي انطلقت من جامعة “أمير كبير” في العاصمة الإيرانية طهران، بعد الاعتراف الرسمي بالمسؤولية عن إسقاط الطائرة الأوكرانية، ثم توسعت معيدةً الإيرانيين إلى الشوارع في أماكن عدة.

مُزّقت صور قاسم سليماني، ورُفعت شعارات ضد مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي شخصياً، وصفته بالدكتاتور، وردد متظاهرون “الموت لأصل ولاية الفقيه” بدلا مِن شعار “الموت لمعادي ولاية الفقيه”.

الوضع الاقتصادي الذي أوصل النظام الإيراني البلد إليه آخذ بالتأثير في جسد شعب يعاني من توظيف إمكانيات البلاد الاقتصادية والسياسية في خدمة قضايا إقليمية وإيديولوجية، على حساب احتياجاته الإنسانية، فضلاً عن سلبه الكثير مِن حريّاته المدنية.

المضحك المبكي أنّ إيران حين استنفرت عسكرياً، خوفاً من رد القوات الأمريكية على قصفها لقاعدة عين الأسد غربي العراق، لم تميّز الصديق عن العدو، واستهدفت طائرة مدنية بصاروخ قالت إنه انطلق بالخطأ. كانت القوات العسكرية مستنفرة وعمياء، فمات إيرانيون كثر.

الاحتجاجات المتجددة تمثل رمزية تكمن في أن جزءاً كبيراً من الشعب يقول لنظامه إنه قتلَ إيرانيين حين أراد معاقبة الأمريكيين.

الرؤساء المنتخَبون ووكيل السماء

في تغريدة معبّرة كتبتها الممثلة الإيرانية مهناز أفشار، وعنونتها “إلى أختي زينب”، دعت زينب بنت قاسم سليماني، والتي ظهرت بعد وفاة أبيها مطالبة بالثأر له، إلى نبذ الانتقام، لأنه تحوّل إلى انتقام ساخن على الإيرانيين أنفسهم. وقالت لها: “اتركي البندقية التي في يدك وتعالي أعلني الحداد مع الناس الذين تخلوا عن فكرة الانتقام وأقاموا العزاء”.

لحظة المصارحة، الإقرار بالخطأ أمام الشعب، والاعتراف بما وصلت إليه الأمور، هي لحظة يتهرّب منها الحرس الثوري الإيراني ومرشد الجمهورية الإسلامية، وآخرون ظنّوا أن عنفوان القوة والتمدد أبدي ولا ضريبة عليه، سالبين المجتمع خيارات متعددة.

 

هناك زعماء قيد الإقامة الجبرية مثل قادة الحركة الخضراء مير حسين موسوي ومهدي كروبي، والأخير طالب المرشدَ بالتنحي. وهناك رئيس منتخب ضعيف يقابله رجل الدين المُنصَّب باسم الله وحرسٌ ثوري يمتلك قوة مالية وعسكرية ضاربة.

لو دققنا في صورة جمعت خامنئي وخليفة سليماني في قيادة فيلق القدس، إسماعيل قآني وآخرين، بينهم حسن روحاني، في عزاء سليماني، سنرى أن الرئيس الإيراني كان الوحيد الذي لا تظهر على محيّاه علامات البكاء أو اصطناع البكاء. كان فاتحاً عينيه بشدة، في تجسيد صريح للحظة الإيرانية المتكررة منذ انتخاب محمد خاتمي رئيساً للجمهورية عام 1997.

زعيم النظام الذي يلقَّب بـ”ولي أمر المسلمين” أو الولي الفقيه أو قائد الثورة الإسلامية أو السيّد القائد، انتخبه مجلس الخبراء المكوّن من مجموعة رجال دين، عام 1989، ويعاصر الآن الرئيسَ الرابع للجمهورية في عهده. الرئيس منتخب بينما الولي الفقيه مُنصَّب مدى الحياة من قبل مجلس…

حتى أحمدي نجاد، الرئيس المثير للجدل، وقف لاحقاً ضد أبيه الروحي، خامنئي، لأنه شعر أنه منتخب مقابل مَن يرى نفسه مباركاً باسم الله. ولكن تحوّله أتى متأخراً ولم يظهر بشكل واضح إلا بعد خروجه من السلطة.

عجز عن الفهم

نظام ولاية الفقيه يمتنع عن فهم ديمومة الحراك الاجتماعي. لم يدرك أن مقتل سليماني لا يمكن أن يكون مدخلاً لاستعراض شعبي على حساب مَن تألموا من قمع الحريات ومِن سياسة سلطة سببت حصاراً خانقاً على البلد. ولم يستوعب بعد أن انتفاضة العراقيين على حاكميهم وشعاراتهم المطالبة بخروج إيران ليست مجرد نزوة بل إرادة، إنْ لم تتحقق اليوم سيأتي وقتها قريباً.

مشكلة الجمهورية الإسلامية أنها عاجزة عن فهم غير مؤطر بالإيديولوجيا الثورية الخاصة بها. ما هو غير مؤطر بالإيديولوجيات أن هناك شعباً، أفراداً، أناساً… بحاجة إلى حياة، ويوجد مثلهم أيضاً في البلدان التي تتفاخر طهران بأنها تسيطر عليها.

لا يمكن أن يأكل المرء الكتب المقدسة كي يسد جوعه، ولا كتاب آية الله الخميني “تحرير الوسيلة” ولا كتاب خامنئي “أجوبة الاستفتاءات” ليشبع بطنه. هناك بشر، عليك أولاً أنْ تطعمهم وتحترمهم قبل القتال بهم.

“مشكلة النظام الإيراني أنه عاجز عن فهم غير إيديولوجي لما يجري حوله. هناك شعب وناس بحاجة إلى حياة. لا يمكن أن يأكل المرء الكتب المقدسة كي يسد جوعه”

“نظام ولاية الفقيه يمتنع عن فهم ديمومة الحراك الاجتماعي. لم يدرك أن مقتل سليماني لا يمكن أن يكون مدخلاً لاستعراض شعبي على حساب مَن تألموا من قمع الحريات ومِن سياسة سلطة سببت حصاراً خانقاً على البلد”

يمضي خامنئي في ممارسة لعبة الزعامة على الشعب، في ظل انهيار العملة والتضخم جراء الحصار، وبالقرب من شعب مجاور تألم رغم كثرة النفط… يلعب بشعوب شيعية كي يبقي على حلمه بظهور المهدي المنتظر من الشيعة… لكن خامنئي وقبله الخميني لم ينتظراه، بل باشرا بإقامة الحكم الديني.

لا أحد ينتظر تغريدات ترامب

في المقلب الآخر من المشهد، يطل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ظاناً أنّ الشعوب تتحرك بتغريداته، بينما هي لا تنتظر وعوده ولا مصالحه ولا توجيهاته. هي تنتظر حراكاً حقيقاً وفق مقاسات خاصة بها.

يوجد إصرار على عدم فهم أن تجارب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أخفقت إلى حد أنتج وعياً بأن واشنطن غير موثوقة. شعب إيران ينتفض، وشعب العراق انتفض، دون أن يتوقع عاقل الكثيرَ من رئيس مسكون بفكرة مَن يدفع التكلفة، حتى لو كان أقرب حلفائه.

مَن يحمي قتلة في الشرق الأوسط غير قادر على القول إنّه يحمي المقتولين في دول أخرى. ترامب يريد مفاوضات مع نظام إيران، كما أرادها مع نظام كوريا الشمالية. ليس معنياً بحرية أحد، فالثقة به هي كالثقة بالأنظمة نفسها.

رجب طيب أردوغان أراد منه خذلان حلفائه الأكراد، فخذلهم بالنهاية، وجاء الهجوم التركي المدعوم بميليشيات محلية عنيفاً، ومحمد بن سلمان قتل صحافياً وأراد صمته مقابل ثمن، فصمت واستمر بن سلمان… ترامب تحالف مع قتلة، والشعوب التي ثارت ضد ولاية الفقيه في إيران والعراق ولبنان تثور على مقاساتها هي وليس على مقاساته.

سيّد البيت الأبيض المتفاخر هو المنقذ لقادة فساد في العالم. هو يبتز فاسدين في الشرق الأوسط، بينما في إيران يتحرك الشعب ليتحرر. الحقيقة أن هناك شعوباً تريد الاستقرار والرخاء، وثارت ضد مخرجات أمريكا التي سلّمت العراق لإيران كما سلمت لاحقاً أكراد سوريا لتركيا وسوريا نفسها لروسيا…

وعوداً إلى نظام الجمهورية الإسلامية، هناك شعار رفعه متظاهرون في أصفهان، مفاده أنّ الشاه والقائد مرفوضان بسبب الطغيان. كان شعاراً عميقاً، رد على بعض الأجندات التي تريد تسويق نظام سبق للإيرانيين الثورة عليه. وقد فعل هذا سابقاً الزعيم الإصلاحي الحكوم بالإقامة الجبرية مير حسين موسوي، حين شبّه خامنئي بشاه إيران السابق.

هذا هو الاستبداد الإسلامي الذي حذّر منه كثيرون… وكم هي معبّرة هتافات “يسقط الدكتاتور” في مدن إيران.