الأربعاء: 1 أبريل، 2020 - 07 شعبان 1441 - 04:17 صباحاً
بانوراما
الأثنين: 9 مارس، 2020

أحمد الجدي

فتاوى وآراء دينية كثيرة شهدتها مصر في الآونة الأخير بالتزامن مع انتشار فيروس كورونا في كل أنحاء العالم، تسبب بعضها بجدل كبير.

الصلاة من أجل الكورونا

أفتى مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بجواز الصلاة من أجل القضاء على الكورونا، حيث ردّ على سؤال “هل يجوز الصلاة من أجل رفع وباء (كورونا)؟ بـ”جاء الشرعُ الشريفُ للحفاظ على حياة الإنسان، وعمارة الأرض، لذا من فضل الله ورحمته أن شرع للمسلمين الصلاة والدعاء لرفع البلاء والوباء، لذلك لا مانع من الاجتماع للصلاة والدعاء؛ والتضَرُع واللجوء إلى الله لرفع بلاء وباء كورونا، وأن ينجّي الناس منه ومن كل بلاء وشر؛ لأنه لا كاشف للضر إلا الله، إعمالاً لقوله تعالى: ′قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ′”، مشيراً إلى أن الفزع إلى الصلاة عند وقوع البلاء من سنن الأنبياء.

“النبي محمد شرع لنا القنوت ولم يشرع لنا صلاة للوباء مع أنه أخبر عن الوباء في حديث ′اعدد ستاً بين يدي الساعة′ فقال ′ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم′، ولو أراد لنا هذا لشرعه لنا”.

 

رفض هذا الرأي عدد من الدعاة السلفيين في مصر، معتبرين أن هذه الصلاة لا تمت لصحيح الشريعة الإسلامية بأي صلة.

 

كان على رأس الرافضين لها الداعية السلفي عماد رفعت الذي قال: “جاءني سؤال نصه كالتالي ′شيخنا المسلمون سيجتمعون على صلاة جماعية في وقت واحد لرفع وباء كورونا، فما حكم ذلك؟′، وكان ردي: الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فهذا يُعد من البدعة ولا شك لأن الصلاة عبادة توقيفية ولا يصح تجميع المسلمين إلا على ما أمر به الله ورسوله”.

 

وبرر رفعت رأيه قائلاً إن النبي محمد “شرع لنا القنوت ولم يشرع لنا صلاة للوباء مع أنه أخبر عن الوباء في حديث ′اعدد ستاً بين يدي الساعة′ فقال ′ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم′، ولو أراد لنا هذا لشرعه لنا، فلمّا لم يُشرع أصبح من البدعة أن نفعل هذا بهذه الطريقة وبهذه الكيفية”.

 

أيّد هذا الرأي الداعية السلفي حسين مطاوع الذي حرّم استحداث صلاة لرفع البلاء عن مصر، ما لم يرد بها نص في الكتاب والسنة.

للصلاة في المسجد في أي من الصلوات المفروضة، وخلالها يتم الدعاء لله لرفع البلاء عن مصر، مشيراً إلى أن هذا الأمر مستحب.

 

من جهته، رفض الداعية الأزهري محمد محروس الخراشي ما ردده السلفيون بشأن رفض هذه الصلاة، مستدلاً على كلامه بالعديد من الأدلة الشرعية، حيث قال “خسفَتِ الشمسُ في عهد رسول الله (ص)، فصلَّى بالناسِ، ثم خطَب الناسَ، فحمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال: ′إن الشمس والقمر آيتانِ مِن آيات الله، لا ينخسِفانِ لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتُم ذلك فادعُوا الله، وكبِّرُوا، وصَلُّوا، وتصدَّقُوا′”.

واستحضر الداعية الإمام النووي في قوله “في الصحيح المشهور أنه إن نزلت نازلة كعدوٍّ وقحطٍ ووباء وعطش وضرر ظاهر في المسلمين ونحو ذلك، قَنَتُوا في جميع الصَّلوات المكتوبة”، وقال أيضاً: “في قوله صلى الله عليه وسلم فإذا رأيتموها فافزَعوا للصلاة”، وفي رواية: “فصلُّوا حتى يُفرِّج اللهُ عنكم”، معناه كما ينقل الداعية أن: “بادِروا بالصلاة وأسرِعوا إليها؛ حتى يزول عنكم هذا العارضُ الذي يُخافُ كونُه مقدّمة عذابٍ”.

فتاوى إلغاء الحج والعمرة

من الفتاوى التي أثارت جدلاً أيضاً كان قرار المملكة العربية السعودية إلغاء الحج والعمرة بسبب الكورونا، حيث قال نائب وزير الحج والعمرة في المملكة عبد الفتاح مشاط إن قرار إلغاء العمرة للزوار والمقيمين هدفه منع وصول الفيروس لمكة المكرمة، مشيراً إلى أن القرار هو إجراء احترازي مؤقت لعدم وصول المرض إلى مكة والمدينة المنورة من خلال الزوار أو المقيمين، بشكل مؤقت ودوري.

 

رد على هذه الفتوى أمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الداعية القطري علي القره داغي رافضاً إياهاً، حيث قال: “لم يسجل التاريخ – حسب علمي – أن فريضة الحج قد تعطلت كلياً بسبب الطاعون ونحوه، لكن تعطلت بسبب القرامطة لعدة سنوات، لأنهم منعوها إبان حكمهم البغيض كما تعطلت في بعض البلدان بسبب الطاعون والوباء في بعض الأحيان”، مضيفاً “ابن كثير ذكر في ′البداية والنهاية′ عن أحداث عام 357 هـ أن داء الماشري (الطاعون) قد انتشر في مكة، فمات به خلق كثير، وماتت جمال الحجيج في الطريق من العطش ولم يصل منهم إلى مكة إلا القليل بل مات أكثر من وصل منهم بعد الحج”.

 

لم يذكر أحد من الأئمة من شرائط وجوب أداء الحج عدم وجود المرض العام في البلاد الحجازية، فوجود شيء منها فيها لا يمنع وجوب أدائه على المستطيع، وعلى ذلك لا يجوز المنع لمن أراد الخروج للحج بحجة وجود هذا المرض”… جدل ديني يحتدم بعد فتاوى حول إلغاء صلاة الجمعة والحج والعمرة

وتابع القره داغي: “في عام 2009 لما انتشر إنفلونزا الخنازير، ظهرت بعض الفتاوى بمنع الحج، لكن المملكة العربية السعودية درست الموضوع فقهياً وطبياً، وتوصلت إلى أن الخطورة ليست مؤكدة أو محققة لذلك لم تمنعه، فتشددت فقط في الإجراءات الفنية و العلمية، وطلبت عدم مجيء كبار السن والمرضى ونحوهم، لكن في هذا العام صدرت أوامر بمنع العمرة إلى أجل غير مسمى بسبب خطر الكورونا وانتشاره كإجراء وقائي”.

 

وأوضح الداعية القطري أسباب اعتراضه بالقول: “محاولة منع الحج عام 1316 للهجرة بسبب انتشار الكوليرا أتى من قبل الاستخبارات الفرنسية، لأن فترة الحج كانت خطيرة بالنسبة للمستعمرين المحتلين، حيث كان الحجيج يلتقون بالعلماء والمفكرين ودعاة الجامعة الإسلامية، لذلك حاولت الاستخبارات منع المسلمين من سكان المستعمرات التابعة لها من الذهاب إلى الحج بذريعة الخوف من الإصابة بمرض الكوليرا”.

 

وذكر السيد محمد رشيد رضا (من رواد النهضة الإسلامية) موقف المملكة المصرية من ذلك الأمر وقتها قائلاً: “اجتمع مجلس النظار (أي مجلس الوزراء في مصر) اجتماعاً خصوصياً للمذاكرة في أمر منع الحج الذي يراه مجلس الصحة البشرية ضرورياً لمنع انتقال الوباء من بلاد الحجاز إلى مصر، ولما كان المنع من الحج منعاً من ركن ديني أساسي لم يكن للنظار (أي الوزراء ) أن يُبرموا أمراً إلا بعد الاستفتاء من العلماء، ولهذا طلب رئيس مجلس النظار لحضور الاجتماع صاحب السماحة قاضي مصر، وأصحاب الفضيلة شيخ الأزهر، ومفتي الديار المصرية، ومفتي الحقانية الشيخ عبد الرحمن النواوي، ورئيس المجلس العلمي سابقاً الشيخ عبد القادر الرافعي”.

ورئيس المجلس العلمي سابقاً الشيخ عبد القادر الرافعي”.

بحسب رضا، تذاكر هؤلاء مع النظار، وبعد أن انفضوا من المجلس اجتمعوا وأجمعوا على كتابة هذه الفتوى وإرسالها إلى مجلس النظار، وهي بحروفها: “الحمد لله وحده… لم يذكر أحد من الأئمة من شرائط وجوب أداء الحج عدم وجود المرض العام في البلاد الحجازية، فوجود شيء منها فيها لا يمنع وجوب أدائه على المستطيع، وعلى ذلك لا يجوز المنع لمن أراد الخروج للحج بحجة وجود هذا المرض متى كان مستطيعاً”.

فتوى إلغاء صلاة الجمعة

إلغاء صلاة الجمعة بسبب الكورونا كانت من الفتاوى التي أثارت جدلاً كبيراً أيضاً، حيث قامت السلطات الإيرانية بإلغاء صلاة الجمعة يوم 28 شباط/ فبراير الماضي في المساجد.

 

وتسبب هذا الإجراء الإيراني في جدل كبير لا سيما مع موافقة الأزهر في مصر على القرار، حيث أكد عضو لجنة الفتاوى الالكترونية في مركز الأزهر أنه إذا انتشر الوباء في بلدة من البلدان وانتشرت العدوى بين الناس، يجوز أن يُمنع المصابون من حضور صلاة الجمعة في المسجد منعاً لنقل العدوى للمصلين الآخرين.

 

“لم تُقرر وزارة الصحة أن هناك خطورة مُحققة من تفشي المرض، خاصة أن المساجد فيها تهوئة جيدة، ولكن الخطورة قد تكون في التزاحم في الاستادات في مباريات كرة القدم ونحوه”… جدل ديني حول فتاوى إلغاء صلاة الجمعة والحج والعمرة بسبب الكورونا

على الجانب الآخر، رفض عدد من الدعاة السلفيين هذا الأمر وعلى رأسهم الداعية السلفي سامح عبد الحميد حمودة وخاصة بعد وجود آراء على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بإلغاء صلاة الجمعة في مصر منعاً لانتشار المرض.

 

وقال حمودة في هذا الصدد: “لا يصح إلغاء صلاة الجمعة تخوفاً من الكورونا والأَولى إلغاء المباريات، إذ لا توجد حالات مُصابة بالكورونا في مصر بشكل كبير، فلا نخشى من انتشار المرض لأنه غير موجود أصلاً، ومنظمة الصحة العالمية لم تصنف فيروس كورونا كوباء يهدد العالم، وعليه فلا يصح أن تُلغى صلاة الجمعة، خاصة أنها اجتماع أسبوعي المسلمين، وهي واجبة على كل مسلم”.

وأضاف حمودة: “لم تُقرر وزارة الصحة أن هناك خطورة مُحققة من تفشي المرض، خاصة أن المساجد فيها تهوئة جيدة، ولكن الخطورة قد تكون في التزاحم في الاستادات في مباريات كرة القدم ونحوه، في المدرجات والتكدس في طوابير لحجز التذاكر”.

فتاوى الأوبئة

يرى الباحث في الشؤون الإسلامية منتصر عمران أن الفتاوى العديدة التي صدرت بشأن الفيروس وتسببت في جدل كبير ظهر مثلها قديماً منذ العهد الأول للإسلام.

 

“قال ابن حجر العسقلاني في متنه المعروف باسم ′بذل الماعون في فضل الطاعون′ لما ضرب الطاعون مصر في القرن الرابع عشر الميلادي : ′من مات بالطاعون يشارك شهيد المعارك في ثواب الشهادة”.

وقال عن هذه الفتاوى والأحكام وتاريخها “أول وباء عرفه الإسلام كان في عهد الصحابي الجليل عمر بن الخطاب عام 18 للهجرة، وقد وثّق هذا الطاعون عدد كبير من المؤرخين المسلمين من خلال رصد الفتاوى والأحكام الشرعية التي صدرت فيه، وعلى رأس هؤلاء الإمام الطبري في كتابه ′تاريخ الأمم والملوك′ والذي رصد من ضمن فصوله كبار الصحابة الذين ماتوا بسبب هذا المرض المُسمى وقتها ′طاعون عمواس′ ومن ضمنهم أبو عبيدة الجراح، وسهيل بن عمرو وغيرهم، وفي هذا الكتاب وثق الطبري خطاب لأبي عبيد للخليفة عمر بن الخطاب لما كان في معركة وكان الطاعون منتشراً فيها حيث رفض أبو عبيدة ترك البلد التي هو فيها استمراراً لمهمته ومات بسبب المرض”.

 

وبحسب عمران: “بسبب هذه الواقعة، قال ابن حجر العسقلاني في متنه المعروف باسم ′بذل الماعون في فضل الطاعون′ لما ضرب الطاعون مصر في القرن الرابع عشر الميلادي: ′من مات بالطاعون يشارك شهيد المعارك في ثواب الشهادة، وفي بعض الصفات الأخروية′، كما حرّم أيضاً الدخول أو الخروج من أرض بها وباء مستدلاً على أحاديث نبوية منها ′ليس من أحدٍ يقعُ الطاعونُ فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد′، وحديث آخر ′إذا سمعتم به (الطاعون) بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه′”.

 

وأضاف: “مثل هذه الفتاوى تكررت في المغرب لما ضربها الطاعون عام 1744، ومنها فتوى محمد ابن أحمد الحضيكي التي حرّم فيها الخروج من المغرب بسبب الوباء حتى لو كان الموت هو النتيجة، وأيده في ذلك الصوفي المغربي أحمد بن عجيبة”.