الأربعاء: 19 ديسمبر، 2018 - 10 ربيع الثاني 1440 - 12:06 مساءً
ثقافة وفن
الجمعة: 27 يوليو، 2018

تهتز جدران مسرح الرباط، وسط العاصمة العراقية بغداد، بالموسيقى الحية عند بدء عرض الباليه.

ترقص مسا تيسير (16 عاماً)، مع شريكها ميسرة سلام (19 عاماً)، بحفلٍ أقيم في شهر أبريل/نيسان 2018. معاً تنساب الفتاة والشاب أحدهما في اتجاه الآخر بسلاسةٍ دون أي جهد.

في لفتةٍ سريعة، يقذف ميسرة بمسا إلى أعلى. وبينما تدور حول محورها في الهواء، يتفكك ثوب مسا الأبيض قطعةً تلو الأخرى، ويكشف عن رداءٍ أحمر أقصر بكثير تحته.

ووفقاً لوالدتها زينة أكرم فيزي (50 عاماً)، بعدما انتشرت صور للعرض على الشبكات الاجتماعية، وبالتحديد اللحظة التي تطاير فيها ثوب الفتاة في الهواء، تبعت ذلك فضيحةٌ عامة. وقالت لموقع Middle East Eye البريطاني: «صدم المشهدُ الناسَ»، واتهم بعضهم مسا بالإساءة إلى الإسلام.

Iraqi ballerinas attend a rehearsal at the School of Music and Ballet of Baghdad, Iraq.

ثلاثة طالبات في وضعية خاصة

وأضافت زينة، وهي مُدرّسة الباليه الوحيدة التي تتلقى أجراً في المدرسة: «هؤلاء الناس يعتقدون أنَّنا نعيش في أرض الأنبياء. لكنَّ هذا ليس صحيحاً، فالعراق هو أرض الحضارة».

بعد الحادث، بقيت مسا في المنزل شهرين؛ لأنَّها كانت خائفةً من التعرض للاعتداء في الشارع.

وقالت: «أردتُ أن أكون راقصةً محترفة، لكنَّني لا أريد ذلك بعد الآن».

محاولة لنسيان العنف والدمار

يدرس ميسرة سلام ومسا تيسير في مدرسة بغداد للموسيقى والباليه، وهي مؤسسة وطنية مختلطة تتيح للطلاب تعلُّم فن الباليه، والانغماس في عروضٍ -مثل بحيرة البجع لتشايكوفسكي- كوسيلةٍ لنسيان الفوضى والعنف في المدينة.

تأسست المدرسة، التي تقع بالقرب من حديقة الزوراء، في عام 1968، على يد مجموعة من الموسيقيين العراقيين؛ وهم عزيز علي، ومنير بشير، وفكري بشير، وزوجته آغنس.

صورة تجمع مؤسسي المدرسة

المَدرسة الأولى والوحيدة من نوعها

تقدِّم المَدرسة منهجاً تعليمياً كاملاً، يتضمن الموسيقى والرقص، للطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و18 عاماً.

وبحسب أحمد سالم غاني مدير المدرسة، فهي المَدرسة الوحيدة من نوعها في العراق. في أثناء السبعينيات، كان العراق يتمتع بطفرة نفطية منحته ازدهاراً بعض الوقت، ما سمح له بالتطور باعتباره مركزاً للثقافة في الشرق الأوسط.

في ذلك الوقت، كان يُنظر إلى فن الباليه على أنَّه فنٌ مرموق وعصري؛ لذا قررت العديد من العائلات إرسال أطفالها إلى المَدرسة.

وعلى الرغم من عدم توافر رقم دقيق لعدد التلاميذ الذين حضروا في البداية، تذكر زينة أنَّ المَدرسة كانت تضم نحو 200 طالب في سنواتها الأولى. وقال غاني إنَّ المدرسة لم تُنتج نجوماً دوليين، لكن بعض الراقصين، مثل ميسرة سلام، أصبحوا راقصين محليين مشهورين.

اليوم، يقول غاني إنَّ المَدرسة تضم 586 طالباً، وهي زيادة كبيرة على العدد الذي استقبلته المَدرسة قبل بضع سنوات فقط، حين انخفض العدد إلى نحو 100 طالب.

عقوبات الأمم المتحدة والغزو الأميركي

عندما تشعر زينة بالحنين إلى السبعينيات، تتذكّر أنَّها كانت ترتدي ملابس الرقص الملوّنة بينما كانت ترقص إلى جانب ابن عمّها، في أثناء أداءٍ مسرحي مفتوح لعرض شهرزاد.

تقول زينة: «كان للمَدرسة 3 أستاذات وأستاذ واحد من روسيا. جاءوا من أكاديمية Vaganova المرموقة للباليه الروسي».

في عام 1990، فرض مجلس الأمن الدولي عقوباتٍ تجارية على العراق أدت إلى شل اقتصاد البلاد، وكان هذا بسبب غزو الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الكويت.

المدرسة ليسان سلام

وشهدت المَدرسة، التي كانت تمولها وزارة الثقافة، أول أزمة تمويل لها، وفقدت 4 من مدرسيها البولشويين الروس السابقين. ووفقاً لغاني، غادر المدرسون في وقتٍ ما خلال الحرب بين العراق والكويت.

وقال غاني، الذي يعمل مدير المدرسة منذ عام 2012: «كان قسم الباليه يعتمد عليهم».

ضرب الغزو، الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، المَدرسة بقوة. وفي أبريل/نيسان 2003، يقول غاني إنَّ مبنى المدرسة تضرر إثر تعرضه لقنبلة، ونُهبت المدرسة بعدها.

عصفت أيضاً أعمال العنف الطائفية بالعراق في أعقاب الغزو الأميركي، إلى جانب وجود فراغٍ أمني كبير. ظلت المَدرسة مفتوحة رغم هذه المخاطر، لكنَّ عدد الطلاب انخفض بشدة.

«كل شيء حرام»!

قال غاني: «لم يحل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة محل الحكومة فحسب؛ بل غيّر الناس أيضاً. أصبحوا أقل تقبلاً للفن».

أدت الحرب الطائفية، التي دارت في الفترة بين عامي 2006 و2008، إلى ظهور مجتمع عراقي أكثر محافظة تصدَّر المشهد؛ إذ اعتبر بعض العراقيين الرقص فعلاً غير أخلاقي، وحراماً، على حد قول غاني.

تقول ليزان سلام (22 عاماً)، وهي مُدرسة باليه متطوعة في المدرسة ومديرتها: «عندما التحقتُ بالمدرسة في عام 2004، كان هناك نحو 100 طالب فقط ملتحقين بقسم الباليه».

مجموعة من الفتيات بالمدرسة

وأضافت ليزان: «كنتُ في التاسعة من عمري عندما بدأتُ ممارسة الباليه في المدرسة بعد الاحتلال. وكان الأمر سرياً للغاية، لم يعرف ذلك أحد سوى عائلتي المباشرة. كان أبي يخاف من عمليات الخطف».

وتابعت قائلاً إنَّه في الفترة من عام 2009 إلى عام 2013، لم تكن هناك سوى 3 طالبات وطالبين يتلقون دروساً في الرقص، بالإضافة إلى حضور 10 طلاب فقط من المرحلة الابتدائية فصول الباليه.

محاولة إحياء

وفي عام 2013، قرر غاني إحياء شغف العراق بالرقص، وبدأ في نشر صور لمَدرسة الباليه ببغداد على إنستغرام.

وفي حين اكتسبت صفحة المَدرسة شعبيةً بين العراقيين والأشخاص بالخارج ممن كانوا مهتمين بالرقص والثقافة، فقد تلقت أيضاً رسائل عنيفة تشير إلى أنَّ الرقص حرام ولا ينبغي نشره بين الشعب العراقي.

قالت ليزان: «في العراق، كل ما يتعلق بالباليه حرام، وخاصةً الملابس. يجب أن أكون حذرةً فيما أقرر نشره على الصفحة؛ لأنَّني لا أستطيع دائماً إظهار وجوه الفتيات. لا يوجد مستقبل للباليه في العراق!». لكنَّ شغفها بالرقص هو ما يُبقيها هنا.

وقال غاني: «لدينا تعبير باللهجة العراقية يلمِّح إلى أنَّ شخصاً ما، سمعته سيئة، يقول إنَّ عائلته ترقص وتلعب الموسيقى. وهنا مَدرسة نُدرّس فيها الموسيقى والرقص».

ووفقاً لغاني، استقبلت الصفحة رسائل تطالب بإغلاقها.

أزمة التمويل

كانت وزارة الثقافة تمول المَدرسة دائماً، لكنَّ تمويلها أصبح محدوداً منذ 2003. والميزانية اليوم لا تكفي سوى لدفع رواتب الموظفين.

وبصرف النظر عن هذا، فلا يوجد مالٌ كافٍ لصيانة المباني، أو تقديم العروض، أو تطوير المشروع. وقبل الاحتلال الأميركي، كان المال يتوافر لتمويل جميع الجوانب الضرورية لإدارة المَدرسة. لا تفرض المَدرسة رسوماً على طلابها، لكنَّ بعض تكاليف إدارة المدرسة تتحملها الآن عائلات الطلاب.

Iraqi ballerinas attend a rehearsal at the School of Music and Ballet of Baghdad, Iraq.

ينضم المزيد للمدرسة كل عام

وقال غاني: «لدينا رواتبنا فحسب. إذا رغب الطلاب في إعداد عرض أو تقديم أداء مفتوح، فيجب عليهم إما العثور على رعاة، وإما تحمُّل التكاليف على نفقتهم الخاصة».

تعني الميزانية المحدودة الإبقاء على اثنين فقط من أصل 4 استوديوهات للرقص. تخلوا عن الاثنين الآخرين بعدما انهارت أرضية أحدهما جزئياً، في حين تقبع الآلات الموسيقية المتربة على أرضية الآخر دون أن يستخدمها أحد.

بريطانيا تقدم المساعدة

في عام 2015، تلقت المَدرسة تبرعاً بقيمة 10 آلاف دولار، بعدما حضر السفير البريطاني لدى العراق عرض باليه من تنظيمها. ووفقاً لزينة، تبرعت سفارة المملكة المتحدة في بغداد بالمبلغ.

وقالت زينة: «تسلَّمت الوزارة هذه الأموال، ولسوء الحظ لم نرَ منها دولاراً واحداً حتى الآن». حاول موقع Middle East Eye التواصل مع الوزارة مراراً بشأن الأموال المفقودة، لكنَّه لم يتلقَّ أي ردٍ قبل نشر التقرير.

التمويل من المجهودات الذاتية، والرسوم أصبحت لازمة

للتعامل مع الأزمة المالية، تشتري زينة في كثيرٍ من الأحيان الأحذية والملابس للطلاب من مالها الخاص، أو تضطر إلى شراء سلع من تركيا أو الأردن أو الصين. عندما كان صدام حسين يحكم العراق، كانت المَدرسة تقدم أحذية مجانية للطلاب، وقالت زينة إَّن الطلاب كانوا يرتدون أحذية الباليه الفرنسية الراقية التي صنعتها شركة Repetto.

وخوفاً من إغلاق المدرسة بسبب فشل وزارة الثقافة في تخصيص أموالٍ للصيانة، توقف المدير عن طلب أي أموال. وابتداءً من العام المقبل (2019)، سيدفع الطلاب رسوماً إجمالية قدرها 200 دولار، تغطي السنوات الست للتعليم الأساسي.

وقال غاني: «لا نريد أن نفرض رسوماً باهظة؛ لأنَّ الفقراء لن يكون بمقدورهم اللحاق بمَدرستنا»، معرباً عن قلقه من أنَّ المَدرسة ستكون في متناول الأثرياء فقط.

وأضاف غاني: «أحلم بإنشاء فريقٍ وطني للباليه، ونشر الفن العراقي إلى العالم».

وفي واحدةٍ من قاعات الرقص بالمدرسة، تُدرِّس زينة رقصةً جديدة لـ4 طالبات. فمع كل هذه التحديات، ترفض التخلي عن حلمها.

وقالت: «أنا أحب هذه المَدرسة، لا يمكنني تركها».