الأربعاء: 17 أكتوبر، 2018 - 05 صفر 1440 - 10:19 مساءً
على الجرح
الأحد: 25 مارس، 2018

د.حميد عبدالله

معايير النجاح والفشل في العراق لها هندسة خاصة تقاس بها ، وفرجال يرسم منحنياتها!

في ذروة التدهور يكون ايقاف التداعيات انتصارا ، وفي  قاع الانحطاط يكون الوصول الى السطح   ، دون التطلع الى القمة ، مكسبا ، وفي لحظة قاتمة سوداء يكون ضوء الشمعة الذابل فجرا يبشر بصبح قادم !

في عراق 9 نيسان ظل  النكوص   يفرخ  تدهورا ،  وتصبح الحمى هي الحلم للخلاص من موت  زؤام !

ورث الدكتور حيدر العبادي عراقا بهذا  الحال  او اسوء بقليل!

كان حال العبادي ، وهو يرث  بلدا على شفا التفكك والانهيار ، كمن  يرمى  في البحر وهو مكبل اليدين  ثم يطلب منه    ان لايغرق!

القاه في اليم مكتوفا وقال له

اياك اياك ان تبتل بالماء

خزائن خاوية، فساد اشبه بالغول الذي يضرب كل شيئ ،وياتي على كل شيئ  ،   عراق  لم يبق منه الفاسدون والفاشلون سوى بقية  ارض ملغومة ، وسماء ملبدة بالكوارث والاهوال!

 ماذا يفعل المسؤول التنفيذي  الاول    حين يجلس في قمرة القيادة  فيكتشف ان قطاره عاطل  ومتوقف عن العمل  تماما ، وحين يحاول اصلاحه يكتشف ان عجلاته مسروقة ، وحين يبحث في مخزن الذخيرة عن بدائل يكتشف ان المخزن منهوب هو الاخر!

ليس امام العبادي اذن سوى ايقاف الانحدار ، ثم الابتعاد عن قعر الهاوية قليلا ، ومن ثم البحث عن الاجزاء المتناثرة للصقها  الى  بعضها لتشكيل هيكل الدولة المفترضة!

 هنا يكون للنجاح  وجه خر آخر غير الوجه المألوف والمعروف، وجه  يكرسه ايقاف الفشل ، وفي حالة كهذه يكون الخط الفاصل بين النجاح وايقاف الفشل رفيعا ، وربما وهميا ومتلاشيا ،  وقد تصعب رؤيته بالعين المجردة!

ماذا فعل العبادي حتى يحق لنا ان نضعه في خانة الناجحين؟ سؤال يطرحه الكثيرون ولهم الحق في   ما يتساءلون.

وللسؤال وجه آخر  يشهره  الخصوم والمبغضون ولكن بشيئ من الدسيسة والخبث    حين  يذهبون الى اعتماد   فرضية (الصدفة  وحسن الحظ )  اذ بدونهما ماكان للعبادي ان يكون ناجحا ولا منتصرا !

اعود الى حقيقة ان النجاح في العراق له معايير ومقاسات غير تلك التي ترسخت في  المعاجم والقواميس ، وهنا فان مجرد  كبح  غول الارهاب ، ومنعه من التمدد هو انتصار، ومجرد اشعار اللصوص انهم اصبحوا تحت الانظار هو  خطوة مهمة الى الامام  ، ومجرد فضح الفاشلين والفاسدين وقطع الطريق عليهم ومنعهم من العودة الى ماكانوا يخططون ويطمعون هو انجاز  ،  فكيف اذا اقترن كل ذلك  باخراج العراق من انكفاءته وعزلته ، الى فضاء التفاعل الاقليمي والدولي ، ونقله من التبعية وغياب الارادة  الى مستوى مقبول من الاستقلال في القرار السياسي والاقتصادي والامني  ، ومن كونه ظلا هشا  لغيره الى رقم لايمكن تجاوزه في  معادلات التوافق والصراع

ثمة قانون لايمكن القفز عليه في قياس نجاح الدولة وفشلها يقول:  ان سياسة داخلية  ناجحة    لاتعوض عن سياسة خارجية  فاشلة  والعكس صحيح ايضا ، والعراق في عهد العبادي حقق  ايقاعا متسقا بين الاداء الداخلي والخارجي

العراق لم يعد دولة سالبة ، ولا فاشلة الى الحد الذي تحتاج فيه الى عكازات دولية لتقف على قدميها ، ولم يعد دولة مفككة كما كان في مطلع عام 2014 وما قبل ذلك ، العراق صار جاذبا لغيره بعد ان كان منفرا ، وموئل آمال بعد ان كان علامة احباط ويأس!

لا ازعم ولا يزعم غيري ان حيدر العبادي اجترح المعجزات ، او حقق الاحلام ، او مسح جميع الغبار المتراكم على وجه العراق ،  غير انه ببساطة خطا بنا خطوات لاينكرها الا جاحد ، ولا يبالغ فيها الا مداهن، وببساطة ايضا فانه    بات من الصعب  علينا ان نستبدل الناجح بآخر نأمل فيه النجاح ، وبحريص بآخر نتوسم فيه الحرص ، وبمرغوب   اقليميا ودوليا  بآخر قد لايكون كذلك  !

في النتيجة فان استبدال رئيس وزراء ناجح  في زمن  شح فيه الناجحون امر لامعنى له في بلد لما يزل يضمد جراحاته ، وينفض  اتربة  الحروب والمحن والانتكتاسات عنه!