الأربعاء: 23 يونيو، 2021 - 13 ذو القعدة 1442 - 04:50 صباحاً
اقلام
السبت: 25 فبراير، 2017

“العراق شن أولى غاراته الجوية ضد أهداف تابعة لتنظيم داعش داخل الأراضي السورية” : ذلكم هو باختصار خبر جرى تداوله على وجه السرعة من قبل وكالات الانباء العربية والاقليمية والدولية . هذه الغارات جاءت تطبيقا لأمر أصدره الدكتور حيدر العبادي ، رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ، ردا على تفجيرات داعش في بغداد .

وقال العبادي في بيان “عقدنا العزم على ملاحقة الإرهاب في أي مكان يوجد فيه، حيث وجهنا أوامرنا لقيادة القوة الجوية بضرب مواقع الإرهاب الداعشي في حصيبة وفي البو كمال داخل سوريا التي كانت مسؤولة عن التفجيرات الإرهابية الأخيرة في بغداد”.

ولأول مرة نحن إزاء تطور استراتيجي في الحرب التي يخوضها العراق ضد الإرهاب ، فبعد أن كان العراق يتلقى ضربات الإرهاب ، بلا خطط ستراتيجية لمطاردته وحصاره ، وبلا خيال خططي ، بات العراق يوسّع معركته المقدسة ضد الإرهاب حيثما الأخير يفتح النار ، وحيثما تستدعي ضرورات الحرب ودواعيها الكاملة على الأرض.

والحال جاء هذا التطور بعد ساعات من إعلان القيادة العسكرية عن تحرير معسكر الغزلاني، أكبر ثكنات الجيش العراقي في الموصل من سيطرة داعش. وقال الفريق الركن عبدالأمير يارالله قائد عمليات قادمون يا نينوى «إن قوات جهاز مكافحة الإرهاب حررت معسكر الغزلاني بالكامل وترفع العلم العراقي فوق المباني بعد تكبيد العدو خسائر بالأرواح والمعدات». ويأتي تحرير معسكر الغزلاني في إطار عملية تحرير الجانب الأيمن من الموصل من سيطرة داعش.

إن هذه الانجازات المتسارعة في الحرب ضد داعش ، عكست مستوى جديدا من الأداء العسكري العراقي ، ومن الروح القتالية التي يتحلى فيها المقاتل العراقي . وبالمقارنة مع أداء الجيش التركي الأكثر تسليحا وتدريبا من الجيش العراقي ، ويمتلك طاقما من القيادات ، وخبرة في حماية البوابة الجنوبية لحلف الأطلسي ، مع استقرار سياسي ، فإننا إزاء مقارنة تبدو أكثر من مثيرة. فما زال هذا الجيش يخوض معركته الواحدة في تحرير مدينة باب الهوى السورية الحدودية الصغيرة من دون أن يبدو أنه حقق فيها نتائج واضحة بعد أسبوع من المعارك ، في حين استطاع الجيش العراقي تحرير الجانب الأيسر من الموصل بالكامل ، وانتقل الآن في تحرير الجانب الأيمن الذي بدأ بالاعلان عن تحرير معسكر الغزلاني والمطار العسكري وانتزاعهما من يد داعش ، بعد أن حررت قواتنا أول حي في غرب الموصل ، واستطاعت الشرطة الاتحادية أن تصد بنجاح هجوما عميقا لداعش وقتل 7 انتحاريين قبل وصولهم لحواجز المطار المحرر.

إن واحدة من التشخيصات التي باتت أشبه بالبديهية من كثر تداولها وانتفاع السياسيون منها، هي القول إن الجيش العراقي لا يمتلك عقيدة قتالية . والحال إن ثماني سنوات من قيادة المالكي للقيادة السياسية والعسكرية جعلت مثل هذا التشخيص ممكنا ، وما حدث من هزيمة للجيش في الموصل ، في حزيران عام 2014، يؤكد ذلك . بيد أن تلك الهزيمة كانت هزيمة لقيادة فرطت بالأمن الوطني وظلت تدور متخبطة في ألعاب سياسية اتصفت بالغباء واعتماد المحسوبية والقرابة ومعايير الحزبية الضيقة . بعد رحيل تلك القيادة ، استعيدت العقيدة القتالية في انتصارات متلاحقة لم تتوقف ، شملت كل الاراضي التي خسرها العراق في صلاح الدين وديالى والرمادي والفلوجة والمدن والنواحي في المناطق الغربية من البلاد.

والحال ما نشاهده الآن في معارك الجانب الأيمن من الموصل دليل على أن العقيدة القتالية تحضر بتوفر قيادة سياسية تضع كل مستلزمات المعركة في إطار وطني ، ,وتنهي قيم المحسوبية والارتزاق وتستبدلها بقيم الكفاءة المهنية والاخلاقية .

إن الضربة الجوية التي نفذتها القوة الجوية دليل إضافي على أن العقيدة القتالية مرتبطة حقا بقيادة سياسية عسكرية تستخدم قدراتها بطريقة فعالة ، وتتخذ القرار الصحيح دون أن تتلكأ ، وبشجاعة . فالعراق لم يجرّب قدرات قواته الجوية إلاّ في السنتين الأخيرتين ليس الا ، حتى أن عمل هذه القوات المهمة بدا شبه معطل لفترات طويلة ، إلا أنه انتقل بسرعة الى تنفيذ مهام خارج الحدود استدعته دواعي الردع والتأديب في سياق تعبئة وطنية شاملة أطلقت طاقات لم تكن معروفة من قبل .