الجمعة: 19 أكتوبر، 2018 - 08 صفر 1440 - 12:04 مساءً
ثقافة وفن
السبت: 23 ديسمبر، 2017

عواجل برس/ بغداد

عبد الرحمن النجار

قالت ليزلي هازلتون في مقال لها في صحيفة «نيويورك تايمز» إن الكثير من المسيحيين حاولوا قراءة القرآن الكريم لكنهم عجزوا عن فهمه. وعلى الرغم من أن المؤرخ الشهير توماس كارلايل كان قد وصف النبي محمد بأنه أحد أعظم الشخصيات في التاريخ، إلا أنه أكد أن فهم القرآن عملية في قمة الصعوبة.

وأوضحت ليزلي أنها قد اطلعت على عدة ترجمات للقرآن على مر السنين، فوجدت نفسها تائهة في أرض إسلامية. قد يبدو القرآن كتابًا قصيرًا، لكنه ليس كتابًا يمكن للمرء قراءته خلال بضع ساعات. لكنها تمكنت من دراسته أخيرًا عبر عدة تراجم كجزء من بحث تجريه عن حياة النبي محمد. وقالت إن معظم من قرؤوا الكتاب المقدس لدى المسلمين أخرجوا المعاني عن سياقها تمامًا؛ بل واخترعوا أمورًا غير حقيقية، مثل فكرة مكافأة المؤمن بـ72 من الحور العين في الجنة، التي لم ترد في القرآن.

تتساءل ليزلي: «ولكن، ماذا يحدث عندما يقرأ مفكر كاثوليكي بارز مثل جاري ويلز القرآن؟». وترد بأن النتيجة مذهلة. ولكن لا يعكس عنوان كتابه الأخير «ما يعنيه القرآن ولماذا هو مهم» هذا الأمر. تقول ليزلي إنها تعتقد أن العنوان المعيب للكتاب وُضع لأغراض تسويقية للربط بينه وبين كتب ويلز السابقة عن الكتب السماوية المسيحية واليهودية.

وتشير الكاتبة إلى أن ما دفعه لقراءة القرآن كانت السياسة؛ إذ هاجم الجهل الديني والعلماني الذي أدى إلى غزو العراق، إحدى أطول حروب أمريكا الخارجية. كما أن الكتاب يتحدث عن نوع ثالث من الجهل «جهل الخوف» الذي يظهر في صورة «العداء للمسلمين»، وهو ما يذكرنا بالهستيريا المناهضة للشيوعية في الحرب الباردة.

 

لكن ويلز فحص القرآن بالعين الثاقبة نفسها التي أهلته للفوز بجائزة بوليتزر عن كتاب «لينكولن في جيتيسبورج»، فهو يغوص في أعماق النص بروح الاستكشاف، مانحًا منظورًا جديدًا حتى بالنسبة إلى أولئك الذين ظنوا أنهم فهموا القرآن جيدًا.

يقول ويلز: «تسيطر ثقافة الصحراء على القرآن. ولم يمتدح أي كتاب مقدس المطر أو المياه عمومًا مثل القرآن». فبينما وصف الإنجيل الجنة بأنها «مثال حضري»، وصفها القرآن بأنها «واحة الواحات، تمتلئ بأنهار العسل، وتجري من تحتها الأنهار، وفيها الكثير من الينابيع». ويضيف: «في منتصف القرن الماضي، كانت هناك أغنية نسمعها في كل مكان، (ماء بارد) من غناء فون مونرو. وعندما قرأت القرآن، تذكرتها».

يصف ويلز هذا الكتاب «بمحادثة أولى» –تشير ليزلي– لذلك فقد ابتهج عندما اكتشف أن «كل شيء يتحدث في القرآن الكريم. بالنسبة إلى الله، فإن المعنى الحقيقي للخلق هو التواصل. إن القرآن كُتب بلغة ترميزية. إذ يتحدث الله لغة خاصة، تشكل الجبال والكلمات والينابيع مقاطعها. وكل شيء له مدلول».

Embed from Getty Images

لم تُعق نزعة ويلز الكاثوليكية فهمه للقرآن؛ بل طوعها بطرق مثيرة للاهتمام. تقول ليزلي إنها لا تتذكر اسم مفكر آخر يمكن أن يضع اقتباسات من كتب القديس أغسطينوس والقرآن جنبًا إلى جنب، مستمتعًا بالتناقض وعدم التجانس. أو تحديد أوجه التشابه والاختلاف بين النسخ التوراتية، والقرآنية في قصص موسى وإبراهيم ويسوع.

يهتم ويلز اهتمامًا شديدًا بالسياق –تواصل ليزلي حديثها– ففي تناوله لكلمة الجهاد، يقارنها بكلمة «الصليبية» التي أثارت زوبعة في الشرق الأوسط. «بينما يمجد الغرب فكرة الحملة الصليبية، فهي ملطخة بالدماء الحمراء القذرة في وجدان العالم العربي».

في الواقع، لا يعني الجهاد «الحرب المقدسة». وإنما «السعي»، مثل السعي إلى عيش حياة أخلاقية. إن توصية القرآن الرئيسية حول العنف هي وضع قيود على استخدامه، و«الامتناع عنه كلما أمكن». وفي الوقت الذي يشير فيه عدد قليل من الباحثين إلى الآيات التي تتعلق بالعنف، «فإن المضمون العام هو الرحمة والمغفرة، الذي يشار إليه كثيرًا». هذا هو ما يسعى إليه القرآن، وليس الحرب.

أما الشريعة، يؤكد ويلز أن الكلمة وردت مرة واحدة فقط في القرآن، ولا تعني القانون، وإنما «المسار»، إذ يطمئن الله نبيه محمد أنه «على الطريق الصحيح». وعلاوة على ذلك، ليس هناك هيئة واحدة للشريعة. «فقد جرى تفسير العناصر الغامضة والمبهمة للشريعة في القرآن الكريم عبر تاريخ طويل ومثير للجدل، وقُسمت على فروع متعددة، كما هو الحال مع الشريعة المسيحية. وفي حين أن البعض يعتقد أن العقوبات الصارمة التي طبقها تنظيم الدولة الإسلامية هي جوهر الإسلام، فإن الغالبية العظمى من المسلمين، ومعظم رجال الدين، لا يقرون بعلاقتها بالقرآن».

 

ويؤكد ويلز أن المرأة وردت بإيجاز في ثلاث سور بالقرآن الكريم، كما تنوه ليزلي. ثمة شعور بالانزعاج والتردد يقبع هنا، وكليهما له ما يبرره. صحيح أن القرآن يدعو كلًّا من النساء والرجال إلى الاحتشام، لكنه لم يأتِ على ذكر الحجاب، ناهيك عن جعله فرضًا. كما أن مسألة تعدد الزوجات كانت ممارسة سائدة قبل الإسلام.

ويشير ويلز إلى أن كلًّا من التوراة والإنجيل والقرآن يمثل ديانة ما، ومن ثم فهي غير متجانسة، وكذلك المجتمعات التي تشكلت فيها. لكن الإساءة إلى المرأة لم ترد فيها؛ بل أكدت الكتب المقدسة الثلاثة على كرامة المرأة وقيمتها التي أوصى بها الله عندما خلقها.

تختتم ليزلي بالقول إن ويلز ربما يكون قد كتب أفضل شرح للقرآن؛ بحث أنيق وثاقب، ومبهج في بعض الأحيان. لعله لا يستطيع أن يجعل قراءة القرآن متعة سهلة؛ لكن كتابه يضمن المتعة لأي أحد منفتح على الاكتشاف مثله.