السبت: 17 نوفمبر، 2018 - 08 ربيع الأول 1440 - 04:10 صباحاً
بانوراما
الأحد: 1 يوليو، 2018

رشا حلوة

في بيت كنت أسكنه بمدينة حيفا، يطلّ من جهة على بحرها وأخرى على جبل الكرمل، كان يضمّ شرفة شكلها كمنتصف دائرة. في أحد أيام الصّيف، كنت أتحدث مع والدتي عبر الهاتف، بيت أهلي في عكّا، بالقرب من شاطئ البحر أيضاً.

فجأة، وأنا أحدثها، حطّ غرابٌ على الشرفة، فمرّ شريط من السيناريوهات المتشائمة في رأسي قبل أن أقول لأمّي خائفة: “يمّا في غراب على البلكون!”

من حظي، أن أمّي كانت تتحدث معي بالسماعة الخارجيّة، كان أبي عندها إلى جانبها يستمع إلى رعبي من الغراب الذي زارني فجأة، فقال لوالدتي: “احكي لرشا إنّه أبوكِ بحبّ الغراب”. ومنذ تلك اللحظة، كلما رأيت غراباً، ابتسمت.

الخوف من الغراب، أو للأدق، التشاؤم منه، يقع ضمن ما يُسمى بالخرافات، والخرافة هي الاعتقاد أو الفكرة القائمة على تخيلات ولها تداعيات بلا أي سبب أو تفسير منطقي، وهي موجودة في كل ثقافات العالم، بتفاوت وبأحيان كثيرة بتشابه بالمعتقدات.

قد تكون الخرافة دينيّة أو اجتماعيّة أو ثقافيّة وحتّى شخصيّة، أي اختراعات الأفراد لخرافات خاصّة بهم، على سبيل المثال: كلما أضع زيتاً على البيض المسلوق صباحاً، يأتيني خبرٌ سعيدٌ… وهكذا.

المهمّ، قبل كتابة هذا التقرير، قررت محاولة تجميع بعض الخرافات من أصدقاء وصديقات من بلاد عربيّة متنوعة، ومن أصدقاء عاشوا في بلاد غير عربيّة، شرق أوروبيّة مثلاً، جزء كبير منها يتشابه بالغرض أو الشيء نفسه وبتداعياته، على أن 99.9% من الخرافات نتاجها هو التشاؤم والحظ السيئ، لربما فقط رؤية فراشة يجلب الحظ الجيّد، وبالطبع، “براز الطير”، يحمل معه “رزقة” أو “هديّة” أو “خير”.

ومن الأشياء العجيبة هو أنّ الخرافات معروفة جيداً، ومتناقلة عبر الأجيال، حتى جيل اليوم، لكن بالطبع لا يعرف أحد “هي جاية منين”، والأهمّ من ذلك، أنّه على الرغم من أنّها خرافات، ونعرف أنها كذلك، ما زلنا نصدّقها.

القهوة، المقص، الكندرة، انكسر الشرّ

هنالك خرافات أكثر شهرة، أيّ يعرفها معظمنا، أهمها عن القهوة، وهي أن “كبّ القهوة خير”، وأنه عندما ينكسر كأس أو صحن، نقول: “انكسر الشرّ”، مع أننا في العمق لا نصدق “أنه انكسر” بالفعل، حتى لوّ لم نؤمن بالخرافات.

الخرافة الثالثة وهي المتعلّقة بالحذاء، بأنه إن رأينا حذاءً مقلوباً، علينا إعادته إلى وضعيته الصحيحة، كما وأننا علينا أن ندخل البيت، أي بيت، برجلنا اليُمنى، كأن اليسرى “حظها ناقص” دوماً، وهذا تمييز أيضاً بلا سبب منطقي.

بالإضافة إلى المقص، كم من مرة رأيتم مقصًا مفتوحًا على الطاولة، ومررتم بجانبه، وقلتم لأنفسكم: “عزا، هاد هبل فاضي..”، ثم عدتم إليه بعد ثوانٍ وأغلقتموه؟

الدورة الشهرية، الزواج، الأطفال

أرسلت ولاء من مصر لي رسالة تخبرني بخرافة تعرفها، وهي: “واحدة صاحبتي كانت قاعدة بتذاكر عَ الأرض ومادة رجليها.. فَ أنا عديت فوقها. قالتلي، استني عندك إنتِ بتعملى إيه؟ إنتِ عندك البيريود (أي الدورة الشهريّة) ارجعي تاني! قولتلها ليه!؟ قالتلي اللي عندها البيريود وتعدي على رجلين حد ممكن تسببله شلل!” ولو جلستِ، كامرأة طبعًا، عند زاوية الطاولة، فلن تتزوجي أبداً.

ولو كنت تشرب الكحول مع أصدقائك، وأثناء رفع الكأس، أي فقرة الصّحة أو بصحتك، ولم ينظر نديمك إلى عينيك، عندها ستحصل على 7 سنوات من الجنس السيئ. وهذه الخرافة غالبًا جاءت من الغرب، تشبه خرافة منع إشعال سيجارة من الشمعة، لأنك عندما تشعلين سيجارة من الشمعة يا إما يموت ملاك أو بحّار، شخصياً، معجبة بفكرة ربط الشمعة بالبحّارة، دون أن يموت أحد بالطبع.

السفر، البيت، السُلَم ودقوا على الخشب

إنّ “كبّ القهوة خير”، أمّا وقوع أو رمي المياه، يعني فُراق، مع أن نزيهة من البحرين قالت بأن الأمر يختلف عندهم: “عندنا بنرش ماي عند الباب إذا غادر عزيز حتى يعود قريًبا”. بالمقابل، عند البعض لا يمكن أن تمسح أرض بيت بعد سفر أحد أفراده، إلّا فور وصوله إلى هدفه.

وبالتأكيد لا تضع المكنسة عند عتبة البيت. ولا تصحى الصبح وتقص أظافرك، قص الأظافر صباحًا يجلب الحظ السيئ أيضاً.

باسل من فلسطين، وكان قد درس في روسيا، أخبرني عن الخرافات الروسيّة، والتي تؤكد بأن الخرافات أساسها واحد، فتقول الخرافة: “الرجعة علامة سيئة، يعني لما بتطلع من البيت ممنوع ترجع! وإذا قربت من حدا وسلّمت عليه بالإيد، وبالصدفة رجلك داست على رجله، لازم هو يدوس على رجلك بالمقابل، حتى ما تصير حرب بيناتكم”.

فسّر لي باسل الخرافة الأخيرة التي لها علاقة بقصة تربطها الذاكرة الشعبية بالتاريخ الروسي القديم، وبالتحديد حين اختلف الأخوة ألكسندر وسيرغيي، وتم مصالحتهما على يد الكنيسة، لكن أحدهما داس على قدم الآخر وقت المصافحة، واستعان بالمغول ضد أخيه، فأصبحت العادة لها حظ سيئ.

وأخبرني حسن من مصر، الذي عاش أيضاً في روسيا بأن: “قبل السفر، وقبل مغادرة البيت، يجب الوقوف دقيقة إلى جانب الباب قبل أن نفتحه”، وهذه الخرافة تشبه خرافة عربيّة، أخبرتني عنها ربى من فلسطين، مفادها: “إذا حد طالع من البيت مسافر، لازم يطلع من باب البيت يمشي خطوتين ويرجع يدخل البيت، يقعد دقيقة وبعدين يطلع عشان يرجع بالسلامة”. المهمّ، دقّوا على الخشب.

خرافات لا نهائيّة للنساء

بالإضافة إلى الدورة الشهريّة وبعبع الجلوس عند زاوية الطاولة، أقصد بعبع عدم الزواج، في تونس، أخبرتني مروة أن الصبيّة التي “تلحس الطنجرة”، أي تنهي دائمًا ما تبقى في أوعية إعداد الطعام، يكون يوم عرسها مطر. هذا من الاعتقاد أن المطر هو خير، وهو خير في بلادنا.

لكن مثلما أخبرني صديقي علي مرة، وهو موسيقي من سورية، بأنه فور وصوله إلى ألمانيا، قاموا بتأسيس فرقة موسيقيّة وأطلقوا عليها اسم “مطر”، دلالة على خيره، وذلك قبل أن يعرفوا أن هطول المطر هو حادثة يوميّة تقريبًا في ألمانيا، فالمطر خير في بلاد مناخها صحراويّ يا جماعة.

المهم، بالعودة إلى النساء، فوضع حقيبتك على الأرض، يجعلك “فقيرة”، وهو معتقد شائع في بعض بلدان أمريكا الجنوبية.

وقد قالت سلمى من مصر: “لو عديتي بين نخلتين، تعنسي.. ولو دخلتي على ست ولدتْ من قريب، وأنت في فترة الحيض، تقطعيلها لبن الرضاعة”.

وفي خرافة أخرى، لو لم تشرب المرأة كأسها، أياً كان بداخله، حتى النهاية، فسوف “تعنس”. ومن الجدير بالذكر أن كلمة “عانس”، هو وصف ذكوري أصلاً، مستمد من التمييز الجندري ضد النساء، والعقلية الذكورية للمجتمعات التي نرى بالنساء “صالحات” أكثر مع الزواج.

كما وأنك عندما تلتقين بصديقتك التي تزوجت للتوّ، وأنت ما زلتِ عزباء، عليك بقرصها في ركبتها كي يأتي دورك من بعدها. على الأقل في هذا ضمان أكثر للزواج مقارنة بالتقاط باقة زهور العروس بعد زفافها.

المهمّ، لا تشربي من فنجان منقورة/ مكسورة حوافه، فسوف تتزوجين بأرمل. وكأن الإنسان قيمته أقل لمجرد أن شريكه مات، أي قيمته أقل بنصيبه الذي لا سيطرة له عليه. الخرافة الأخيرة المتعلقة بالنساء لهذه الفقرة، وهي إن أخذتِ فنجان القهوة بلا صحنه الذي قُدّم عليه، هذا يعني أنك لا تحبين حماتك.

الشمسية، الأذن وحكّ الأيادي

من أغرب ما سمعته، كانت خرافة “ممنوع فتح شمسيّة/ مظلة داخل البيت”. أوّلًا: لماذا علينا أن نفتح مظلة داخل البيت؟ ثانيًا، لماذا ستجلب هذه الفعاليّة حظاً سيئًا؟

من المظلّة سننتقل إلى خرافات الجسد المتعلّقة بالأذن والأيادي، تقول مي من سورية: “إذا طنّت أذنك اليمين، بيكون حدا عمّ بيحكي عليكي منيح، وإذا طنّت اليسار، بيكون عم بيحكى عليكي بالعاطل. وبتضلي بتعدي أسماء اللي بتعرفيهون، والاسم اللي بتوقف الطنّة عنده، بيكون هو اللي عم بيحكي عنك/ عليكي”.

الطنّة للأذن، أما الحكّ فهو للأيادي، وتقول الخرافة أنّه إذا حكيت يُمناك، أي ستحصل على نقود، وإذا حكيت يُسراك، أي بأنك ستدفع النقود. ما هو المنطق؟

الضحك كـ”فال عاطل”

خرافات كثيرة متشابهة في ثقافات العالم، لكن أكاد أجزم أن هنالك خرافة واحدة مخصصّة لثقافات المنطقة العربيّة، إلا وهي المرتبطة بالضحك؛ تجلسون لساعات مع العائلة أو الأصدقاء، ينهال على مجمعكم كمّ هائل من النكت والمواقف الساخرة، فتضحكون لساعة كاملة، إلى أن يخرج فاصل الرعب من فمّ أحد الحاضرين: “الله يستر علينا من الضحك”.

تنقلب الأجواء تماماً، إلى حالة من النكد المطلق النابع من خرافة أن كثرة الضحك تجلب الحظ السيئ! على سيرة النكد، يُقال أيضًا أن الدوس على قشر الثوم (عن طريق الخطأ طبعًا، لا أعرف أحد يحب الدوس على قشر الثوم)، فهذا يجلب النكد والتشاؤم.

ومن يأكل قشر البطيخ، يصبح أصلع (هذه الخرافة للرجال فقط). ومن يعدّ نجوم الليل، “بيطلعلوا فواليل أو تواليل” (أي الثآليل).

خرافة ديجيتال

تشكّل الأرقام أيضًا مساحة من الخرافات في حياتنا، أنا أحبّ الأرقام عمومًا وأصدقها. لكن هنالك أرقام متفق عليها عامًة بأنها “حظ سيئ”، مثل رقم 13 في الغرب أكثر، أي أنه رقم نحس، وهنالك أيضًا ما يُسمى بـ “رهاب العدد 13”.

امتداداً لمسألة خرافات الأرقام، أخبرني جاد من لبنان: “إذا طلعتي بالساعة (الديجيتال) وكان في تطابق بالأرقام: 20:20 أو 07:07، هاد بيجيب حظ حلو”. شخصيًا، أنا معجبة بالتطوّر الطبيعي للخرافات في العصر الرقميّ.

هل تتحقق الأحلام؟

إنّ مسألة ارتباط أغلب الخرافات بالتشاؤم، والحظ السيئ، والنكد، والنحس، والحسد، يحتاج إلى أبحاث مطوّلة عن ثقافات الشعوب، والرّعب من المجهول الذي عاشه ويعيشه الإنسان على مرّ العصور، في ظلّ الثقافات الاجتماعيّة والدينيّة وغيرها.

هنالك خرافات نفعلها وتلك تكون رد فعل على شيء ما، لكن هنالك خرافات لا سيطرة مباشرة لنا عليها، مثل التي تظهر في المنام؛ ظهور شخص ميت في الحلم، فقدان الأسنان، الدم، ولادة طفل ذكر أو أنثى، وغيرها..

وهنالك خرافات في الأحلام، لنا تفسيراتنا الشخصيّة لها، كي نعيش في عالمٍ موازٍ وجميل، خاصّة في المنامات التي نحقق فيها رغبات حبّ مثلًا، هذه الأحلام لا نحكيها، السكوت عليها ممتد من الخرافة التي تقول: “ممنوع تحكيها بالليل، لازم مع طلوع الشمس”، وذلك كي تتحقق.