الأربعاء: 26 سبتمبر، 2018 - 14 محرم 1440 - 10:43 مساءً
ثقافة وفن
الخميس: 16 فبراير، 2017

ذكريات حرب

 

 

لم يدُر في خَلَد أبو فراس الحمداني وهو يرثي نفسه بكبرياء في “أراك عصي الدمع” أن تصبح قصيدته علامة فارقة في الشعر المُغنى، ولم يكن الشاعر “الهادي آدم” ينتظر أن تغدو قصيدته “أغداً ألقاك” إحدى الدرر الغنائية. ولم يحسب الطبيب إبراهيم ناجي ملحمته “الأطلال” أن تصبح ضمن قائمة أفضل الأغاني العالمية لسنوات. ولم يعلم أحمد فتحي الذي سطَر في “قصة الأمس” معاناته أن يتغنى بها الملايين. ولم يتخيل عمر الخيام قط أن رباعياته من الجواهر الغنائية.

هذا الأمر لم يكن ليحدث لأي منهم، لولا أن “سيدة الغناء العربي” أم كلثوم فتحت لهم باب الخلود، وأفسحت لهم مكانًا إلى جانبها، عندما تغنت بقصائدهم، وأبدعت في رسمها بصوت تشتاقه الروح رغم مرور الكثير من الأعوام على رحيلها.

بين الشعر العامي والفصيح

إذا كانت أم كلثوم أطربت محبيها بروائع الشعر العامي، إلا أنها لم تغفل عن دور القصيدة العربية في رفع ذائقة معجبيها، مؤمنة أن الشعر هو تجذير للثقافة العربية، وساعدها في ذلك، نشأتها، وحفظها للقرآن، وإطلاعها على النفائس الشعرية وذخائر الأدب.

لذلك لم تتردد سيدة الغناء بإعادة قصيدة ” أراك عصي الدمع” للمرة الثالثة في 1964 ملحنة بموسيقى رياض السنباطي الذي استخدم آلة البيانو لأول مرة رغم انحيازه للموسيقى الشرقية، ليُضفِي على اللحن شجونًا خفية. وتألقت أم كلثوم بين البوح والأنين، وعزة النفس والاذلال: “إذا الليل أضواني.. بسطت يد الهوى.. وأذللت دمعاً من خلائقه الكبر..”، لتحملنا إلى لحظات عشقية موشومة بعتب مُزلزل: “فقلت معاذ الله بل أنت لا الدهر..” لتقفل الأغنية بالمذهب؛ “أراك عصي الدمع.. شيمتك الصبر..” فيحوم صوتها منسابًا بشفافية عذبة. وقد اختارت أم كلثوم كعادتها مع القصائد باختيار أجمل الأبيات، وتغيير بعض الكلمات بما يناسب الحس السمعي مثل؛ كلمة “بلى” لتبدلها بـ “نعم”. فتزيد القصيدة لوعة وحُسناً.

أنموذجان للقصائد المغناة

جسَد الثالوث الهرمي؛ أم كلثوم وأحمد رامي ورياض السنباطي في ” رباعيات الخيام” أنموذجًا فنيًا في القصائد المغناة، ونجح السنباطي بعد أن ترجمها رامي من الفارسية في تلحنيها ببعديها الحسي والمعنوي، لِتُدخلنا أم كلثوم في هالة من التقديس، متكئة على طبقات صوتها المتنوعة، بدءًا من “سمعت صوتا هاتفا..” مرورًا بـ “واغنم من الحاضر لذاته..” والهُيام بـ: “أولى بهذا القلب أن يخفق.. وفي ضرام الحب أن يحرق..”، وبصوتها الرخيم، تشدنا إلى نداءاتها “ما أضيع اليوم الذي مرّ بي.. من غير أن أهوى أو أعشق..” لنقف معها حائرين:”لبست ثوب العيش ولم أستشر.. وحرت فيه بين شتى الفكر..” معلنين التوبة:” إن لم أكن أخلصت في طاعتك.. فإنني أطمع في رحمتك..” متضرعين:” وإنما يشفع لي أنني قد عشت لا أشرك في وحدتك..”. فبدت القصيدة مزدانة بطبقات متعددة ملائمة للمقامات الموسيقية الغنائية. وبدأت القصيدة بــ: “سمعت صوتا هاتفا بالسحر..” وكان الأصل:” لا تشغل البال بماضى الزمان،ولا بآتي العيش قبل الأوان..”.

وفي ” الأطلال” إحدى القمم الغنائية، نلمس الصورة الشعرية برقة متدرجة: “واثق الخطوة يمشى ملكا … ظالم الحسن شهى الكبرياء.. عبق السحر كأنفاس الربى… ساهم الطرف كأحلام المساء”. متعرجة بروحها المتدفقة في:” هل رأى الحب سكارى..” لنصل إلى خاتمة قصة المحبيَن المتعثرة؛ “وانتبهنا بعد ما زال الرحيق… وأفقنا ليت أنا لا نفيق.. يقظة طاحت بأحلام الكرى..”

ولم تنجُ القصيدة – كالعادة – من التغييرات مثل: “يا فؤادي لا تسل اين الهوى..” وكان إبراهيم ناجي بدأها “يا فؤادي رحم الله الهوى..”، ورغم أن أم كلثوم قامت بدمج القصيدة بأخرى “الوداع” للشاعر نفسه، وغنت منها؛ “هل رأى الحب سكارى مثلنا..” إلا أنها جاءت مكتملة المعنى، لم يشعر المستمع ولو للحظة بتفاوت أو فرق ما في القصيدتين التي جمعت ” ثومة” بينهما.

لقد منحت ام كلثوم القصيدة زخمًا صوتيًا، وتميز السنباطي في تقديم اللحن بجمالية فائقة، إضافة إلى أن الأغنية خلت من إعادة “المذهب”، لتغدو حدثًا فنيًا لا نظير له.

الأكثر تغييراً

في قصيدة “هذه ليلتي” لجورج جرداق، لم يُكشف عن أي تغيير، سوى البيت الأول:”هذه ليلتي وحلم حياتي.. بين ماض من الزمان وآت”، والأصل: “هذه ليلتي.. وهذا العود.. بُث فيه سحر داود..” وجاء التغيير مُعبرًا عن حسها الفني الذي قدمته بتألق استثنائي.

أما ” أغدا ألقاك” للهادي آدم، و” قصة الأمس” لأحمد فتحي، فقد أجرت أم كلثوم تعديلات مكثفة، واتضح ذكاؤها في تطويعهما أداء. ففي ” أغدا ألقاك” التي كانت تحمل اسم ” الغد” ، بدأت المطلع بـ: “أغدا ألقاك.. يا خوف فؤادي من غد..” بدلًا من: “يا لهف فؤادي من غد.. وأحييك ولكن بفؤادي أم يدي.”. وسعت لتبديل بعض الأبيات لتقدمها على أخرى؛ مثل؛ “آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابًا..” على الأبيات التي في مطلعها: “أنت يا جنة حبي واشتياقي وجنوني،..” وغنت:”كم أخشى” بدلًا من “أنا اخشى” وكذلك: “أهلت فرحة القرب به” بدلاً من “وتوالت الدهشة القرب”، و”احتمل” بدلاً من “أستبطن”. كما شهد الجزء الأخير من القصيدة أبياتًا جديدة كتبها الشاعر لم تكن ضمن ديوانه المنشور؛ :”هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفكر، والأصل:”هذه الدنيا سماء أنت فيها القمر..” واضطر إلى إعادة صياغته بالكامل من جديد.

وفي ” قصة الأمس” ، نلحظ التغييرات مثل؛ “فغرامي راح يا طول ضراعاتي إليه”، والأصل:

“فغرامي راح يا طول غرامي إليه.” وفي: “وليالي ضياعًا وجحودًا.. ولقاء ووداعًا يترك القلب وحيدًا”، والأصل:”وليالي ضياعًا وجحودًا وعناء يترك القلب وحيدًا.” إضافة لتكرار المذهب: “أنا لن أعود إليك… مهما استرحمت دقات قلبي..” .

و”ثورة الشك”، رائعة القصائد المغناة، للشاعر عبدالله الفيصل، لم تُجرِ أم كلثوم أي تعديلات عليها، لكنها بـ “من أجل عينيك” للشاعر نفسه، أضافت مقطعاً هو “من بريق الوجد في عينيك” من قصيدة أخرى بعنوان “بريق الوجد”. وفي الأغنية نفسها: “ملأت لي درب الهوى بهجة..”. فقد اختارته من قصيدة ثالثة: “كأس الخداع”، وقدمت الأغنيتين بسمو عالِ. وهذا ما لم تكن تستطيع فعله في قصائد أحمد شوقي وحافظ ابراهيم اللذين غنت لهما بعد وفاتهما.

لم تكن الموهبة التي انفردت بها سيدة الغناء العربي منذ طفولتها، والتي عملت على تنميتها ورعايتها وتطويرها العامل الأوحد في مسيرتها الغنائية الطويلة؛ فذكاؤها الإجتماعي – الذي اتكأت عليه حثيثًا منذ أن وطأت قدماها أرض المحروسة ، وهي لم تزل في السادسة عشرة من عمرها، مرتدية العمامة – وعصرها الزاخر بالشعراء والمؤلفين والملحنين الباحثين عن حنجرة تطلق إبداعاتهم الأدبية والشعرية من العوامل الأساسية في تتويج، فاطمة ابراهيم البلتاجي القادمة من “طماي الزهايرة” في محافظة الدقهلية_ مركز السنبلاوين سيدة الطرب الأصيل بلا منازع لأكثر من خمسين عاما.

سئلت في إحدى لقاءاتها عن كيفية اختيار أغانيها لجمهورها في حفلاتها، فأجابت بذكائها الشديد:”قبل أن يبدأ الحفل، أطل على الجمهور من وراء الستار، فأعرف تمامًا نوعية الجمهور، وما الذي يرغب في سماعه، فأصحاب العمامات مثلًا تختلف ذائقتهم السمعية عن أصحاب الطرابيش، والجمهور الذي يغلب على طابعه النساء غير الجمهور الذي يغلب فيه الرجال، وكذلك الأعمار الموجودة في الحفل لها حساباتها، والجمهور العربي الذي يحضر الحفل له نصيب من الخيارات أيضًا. فمن خلال نظرتي السريعة من وراء الستار، أدرك تمامًا طبيعة الجمهور الذي جاء ليسمعني في هذه الليلة…”.