الجمعة: 14 ديسمبر، 2018 - 05 ربيع الثاني 1440 - 02:25 مساءً
دفاتر
الأربعاء: 10 يناير، 2018

محمد يسري

لم تنقض الأيام الأخيرة من عام 2017م، إلا وقد حملت معها أخبار الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية التي اشتعلت في عدد من المدن الإيرانية. مدينة مشهد، تصدرت الواجهة الإخبارية التي تغطي تلك الأحداث المتسارعة، حيث تم اعتبارها المكان الذي اندلعت منه الشرارة الأولى لتلك الأحداث.

ما لا يعرفه الكثير من المتابعين، أن تلك المدينة التي تعتبر ثاني أكبر المدن الإيرانية بعد العاصمة طهران، والتي يعيش فيها ما يزيد عن أربعة ملايين مواطن، هي في الأصل امتدادٌ تاريخيٌ لمدينة طوس القديمة، التي لعبت دوراً فارقاً ومميزاً في تشكيل ملامح الثقافة الإسلامية في القرون الغابرة، وذلك بعدما قدمت ثلّة من أهم وأعظم العقليات البشرية، في مجالات الشعر والفقه وأصول الدين والسياسة والفلك والحساب.

في هذا المقال، نلق الضوء على تلك المدينة الساحرة، مستعرضين أهم المراحل التي مرت بها عبر تاريخها الطويل.

مجمع الأضداد: عندما جمعت طوس بين قبر الخليفة وقبر الإمام

كان للانتصارات الكُبرى التي حققها المسلمون على الفرس الساسانيين في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، دوراً عظيماً في تسريع عجلة الهيمنة العربية على حواضر إيران ومدنها المهمة فيما بعد، وكان أبرز الأمثلة على ذلك فتح مدينة طوس عاصمة إقليم خراسان في عهد الخليفة عثمان بن عفان.

في الفترة المبكرة التي أعقبت الفتح الإسلامي للمدينة، توارت طوس عن دوائر الاهتمام، تاركةً المدن العراقية والشامية منفردةً وحدها في ساحات التأثير والتأثر في مجالات الحضارة والسياسة، ولكن مع قيام الدولة العباسية في عام 132هـ/ 749م، بدأ الفرس يشاركون العنصر العربي، ولعبوا دوراً فعّالاً في تشكيل الواقع الإسلامي.

بدأت الأنظار في التوجه لطوس تحديداً في أخريات عهد هارون الرشيد، عندما اشتعلت ثورة كبيرة في إقليم خراسان، بقيادة رافع بن الليث، والظاهر أن تلك الثورة قد سببت مشكلة عظيمة للعباسيين، حتى إن ابن خلدون يذكر في تاريخه أن الرشيد قد اضطر لقيادة جيوشه بنفسه للقضاء عليها، ولكن القدر لم يمهله حيث مرض مرضاً شديداً فلم يصل إلى طوس حتى عاجلته المنية فيها ودفن بها في 193هـ/ 809م.

الأحداث السياسية بعد ذلك تلاحقت بسرعة كبيرة، عندما دبّ الخلاف ما بين الأمين والمأمون، واستأثر الثاني بحكم الولايات الفارسية، واستغل ما بها من قدرات وإمكانيات هائلة للتغلب على أخيه المؤيد من قبل الأسرة العباسية نفسها.

المأمون، الذي اتخذ من مدينة مرو عاصمةً لحكمه، شهد أوج التنافس بين العباسيين والعلويين على أحقية خلافة المسلمين، فآثر اتباع سياسة حكيمة تخمد هذا التنافس، وتكفل له في نفس الوقت، القضاء على الثورات الشيعية المنتشرة في عموم الدولة، فعمد إلى تعيين واحد من كبار العلويين في منصب ولي عهده، وكان ذلك العلوي المختار هو علي الرضا، الإمام الثامن عند الشيعة الإثناعشرية.

ولما كان اختيار الرضا كولي عهد للمأمون فيه تهديدٌ لمستقبل العباسيين وتربعهم على السلطة، ثاروا على المأمون وعيّنوا خليفة لهم في بغداد، مما اضطر المأمون للعودة إلى بغداد، وفي مدينة طوس، وأثناء رحلة رجوعه لبغداد، قُتِل الرضا، ليتوفى ويدفن في تلك المدينة في 203هـ/ 818م.

الحضرة الرضوية في مدينة مشهد

المصادفة وحدها هي التي جمعت ما بين قبري كل من الخليفة الرشيد والإمام الرضا في طوس، وذلك رغم كل المنافسة المذهبية والسياسية التي فرقت ما بينهما في حياتيهما.

أقوال جاهزة

شاركغردفيها دفن الخليفة الرشيد والإمام الرضا، ومنها عرفنا الفردوسي والطوسي والغزالي ونظام الملك

شاركغردمشهد: ماذا نعرف عن تاريخ المدينة التي حفظت الثقافة الإسلامية وساهمت في نشر مذاهبها؟

شيخ الطائفة وحجة الإسلام: كيف ساهمت طوس في نشر المذاهب الإسلامية؟

إذا كانت الأقدار قد شاءت أن تجتمع في أرض طوس رفات اثنين من كبار الشخصيات الإسلامية المتنافسة على السلطة، فإن تلك الأقدار قد أبت إلا أن تكمل تلك المدينة الساحرة رحلتها الفريدة، لكونها مهداً لاثنين من أعظم العلماء المسلمين على مدار التاريخ، أولهما شيعي إمامي وثانيهما سني أشعري.

العالم الشيعي، هو أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي (تـ. 460هـ/1067م)، والمشهور بلقب شيخ الطائفة، وهو يعتبر—دون شكّ—واحداً من أهم وأبرز علماء الشيعة الإمامية الإثناعشرية، ويكفي أن نعرف أن الطوسي قد صنف عدداً هائلاً من الكتب، ومن أهمها كتابين من ضمن أصح أربعة كتب حديث شيعية، وهما المعروفين باسم “تهذيب الأحكام” و”الاستبصار فيما اختلف من الاخبار”.

لم تقتصر مكانة الطوسي على التأليف والتصنيف، بل أنه ساهم في نشر الفقه والعقائد الشيعية على نطاق واسع، عندما ترك بغداد وهاجر إلى مدينة النجف الأشرف، حيث أسس بها مدرسة علمية شيعية متميزة، وهي تلك المعروفة الأن باسم حوزة النجف، والتي تُعد الجامعة العلمية الشيعية الأكثر بروزاً وتفوقاً على مستوى شتى دول العالم.

أما العالم السني الذي أنجبته طوس وقدمته للعالم الإسلامي، فهو حجة الإسلام، أبو حامد محمد الغزّالي الطوسي (تـ. 505هـ/1111م)، والذي يعتبره جلال الدين السيوطي في كتابه المسمى “بالتنبئة بمن يبعث الله على رأس كل مائة”، أنه هو الإمام المجدد الذي ظهر في الأمة الإسلامية في القرن الخامس الهجري.

عُرف الغزالي بكونه واحداً من أعلام المذهب الأشعري، الذي يتبعه أغلب المسلمين السنة حول العالم حتى اللحظة الراهنة، كما أنه كان أحد أقطاب الصوفية، وصاحب باع كبير في علوم الفقه والفلسفة والعقائد والرقائق، وتشهد على ذلك موسوعته الضخمة المسماة بـ”إحياء علوم الدين”، بالإضافة إلى مجموعة متميزة من الكتب التي أثرت كثيراً في تطور المذهب السني، ومن أهمها “الاقتصاد في الاعتقاد”، و”تهافت الفلاسفة”.

كيف أسهمت طوس في دعم الثقافة الإسلامية والحفاظ عليها؟

لم يقتصر دور مدينة طوس على المشاركة في تقديم القامات الدينية والمذهبية البارزة فحسب، بل إن الباحث المدقق في تاريخ تلك المدينة العريقة سيجد أنّ عدداً كبيراً من أبنائها، قد ساهموا بأدوار فاعلة في ميادين الشعر والسياسة والعلوم الطبيعية والتطبيقية.

ففي مجال الشعر، يطالعنا اسم الشاعر الفارسي الأشهر، أبو القاسم حسن بن علي الفردوسي (تـ. 410هـ/1020م)، الذي تأثر كثيراً بأصوله الفارسية وبأمجاد أسلافه الغابرين، فتمخضت مخيلته عن “ملحمة الشاهنامة”، تلك التي دونها صاحبها فيما يزيد عن الستين ألف بيت شعري، وضمنها الكثير من قصص بطولات الإيرانيين التي اختلط فيها التراث بالخيال، فكانت نتاجاً فنيّاً استثنائيّاً سحر المخيلة الشعبية منذ تلك الأوقات حتى اليوم.

وربما يمكن فهم المكانة الكبرى التي تحتلها الشاهنامة، إذا عرفنا أن الكثير من الباحثين قد اعتادوا على مقارنتها بالإلياذة، حتى قيل إن “الملحمتين سارتا على فم الزمان من الناحية الفنية”.

أما في مجال السياسة والحكم وإدارة شؤون الدولة، فقد أنجبت طوس، الوزير الشهير نظام الملك (تـ.485هـ/1092م)، الذي كان أحد أعمدة الدولة السلجوقية، وكان صاحب الأمر والنهي في تلك الدولة الشاسعة الأرجاء، حيث تمكن من ترتيب وتنظيم شؤون الحكم في إيران والعراق، وعمل على خلق حالة من التفاهم والتناغم ما بين السلطان السلجوقي والخليفة العباسي، كما أنشأ المدارس الفقهية التي عرفت باسم المدارس النظامية وكان لها دور كبير في نشر الأفكار السنية في المنطقة، ولم ينتهِ عمره إلا بعد أن صنّف كتاباً هاماً يسمى بـ”سياسة نامة” ضمن فيه عصارة خبراته وتجاربه الطويلة.

تمثال لنظام الملك في مشهد

وعلى صعيد العلوم الطبيعية، قدمت طوس العالم الكبير نصير الدين الطوسي (تـ.672هـ/1274م)، الذي اشتهر بتمكنه ودرايته الكبيرة في مجالات الكيمياء والفلك والهندسة والحساب والفيزياء والطب، هذا بالإضافة إلى معارفه في الفلسفة والعقائد والأديان.

نصير الدين الذي كان مصاحباً للقائد المغولي هولاكو إبان حملته على المشرق الإسلامي، استطاع أن يلعب دوراً فارقاً في حفظ جزء كبير من التراث الفكري الإسلامي، حيث يذكر محسن الأميني في كتابه “أعيان الشيعة”، أن المغول عندما اجتاحوا بغداد، قد عملوا على تخريب مكتبتها العامرة، إلا أن العالم الطوسي قد تمكن وقتها من إقناع هولاكو بالاحتفاظ بجزء من تلك الكتب، حيث تم نقلها بعد ذلك في مكتبة مدينة مراغة.

مشهد: معقل المحافظين وحاضنة المدفن الرضوي

مع تتابع الغزوات المغولية في عهد جنكيز خان وحفيده هولاكو، تم تخريب مدينة طوس بشكل جزئي، حتى إذا حل القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، تم القضاء على جميع مظاهر العمران بالمدينة وتحولت طوس العامرة إلى أطلال وخرائب على يد فيالق تيمورلنك الساعية للسيطرة على إيران والعراق.

في وسط كل ذلك الدمار الذي تعرضت له المدينة، بقي ضريح الإمام الرضا عصياً على الهدم لما له من قداسة ومهابة في عيون المسلمين، سنة كانوا أم شيعة، وشيئاً فشيئاً تجمع السكان حول هذا الضريح، وبدأت مظاهر العمران تعود من جديد، وعرفت المدينة الجديدة باسم مشهد، نسبة إلى مشهد الإمام الرضا.

سرعان ما لاقت تلك المدينة الفتية الاهتمام والعناية من قبل حكام الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، التي عملت على تحويل إيران برمّتها للمذهب الشيعي الإمامي، ووجدت في ضريح الإمام الثامن فرصة سانحة لإسباغ القداسة والصبغة الدينية على دولتهم ككل، فجعلوا من مشهد مدينة شيعية مقدسة بامتياز، وتباروا مع بعضهم البعض في عمران وتوسعة أبنيتها الدينية المُلحقة بالضريح الرضوي.

الأهمية الدينية لمشهد بقيت حاضرة بعد زوال ملك الصفويين، في عهود الدولتين القاجارية والبهلوية، ولكن بعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، على يد آية الله روح الله الموسوي الخميني، تم توجيه مزيد من الاهتمام ناحية الضريح المقدس وما يحيط به من أبنية، فتم إنشاء جامعة العلوم الاسلامية الرضوية، وكذلك أنشأت المكتبة الجديدة، وجرى افتتاح العديد من المرافق المهمة بالمدينة.

كما تم الاهتمام بتنشيط السياحة في مشهد، حيث صارت مقصداً لمئات الآلاف من الشيعة القادمين من شتى دول العالم، ونتج عن كل ذلك أن تضخمت الأوقاف الشيعية في المدينة لدرجة كبيرة، حتى صارت العتبة الرضوية لا تقتصر على الضريح والمسجد فقط، بل أصبحت كياناً اقتصادياً وإدارياً ضخماً يسيطر على مؤسسات مالية وتجارية متعددة، منها بنوك مصرفية وشركات صناعية ونفطية متشعبة، كلها تشترك فيما بينها في كونها تحمل اسم الإمام الشيعي الثامن.

الصبغة الدينية القوية الحاضرة في مشهد، تسببت في تحويلها لأحد معاقل التيار المحافظ في إيران، حتى تم اختيار متولي العتبة الرضوية إبراهيم رئيسي ليصير مرشح التيار المحافظ في الانتخابات الرئاسية السابقة في 2017م، ليشارك بقوة في تلك المنافسة ويخسر بفارق ضئيل أمام الرئيس الحالي حسن روحاني.