الخميس: 18 يوليو، 2019 - 15 ذو القعدة 1440 - 12:33 صباحاً
دفاتر
الأثنين: 28 يناير، 2019

عواجل برس/متابعة

تحظى صلاة الجمعة بمكانة مهمة بين جميع الطقوس والعبادات الإسلامية، ومما زاد من أهميتها تداخلها بشكل قوي مع الحيّز السياسي والمجتمعي، ما جعل منها أداة تستخدمها السلطة لتمرير قراراتها وأفكارها إلى شعوبها في كل الأزمنة.

من فوق منابر ما يزيد عن الثلاثة ملايين والستمئة ألف مسجد في مختلف بقاع العالم، تنطلق كل يوم جمعة، خطب يعبّر الشطر الأكبر منها عن رأي السلطة الحاكمة، وتتقاطع معظم مضامينها مع اهتمامات ومخاوف عامة المسلمين في كل مكان.

كيف تغيّر شكل صلاة الجمعة؟

من المشهور أن فرض صلاة الجمعة على المسلمين وقع قبل الهجرة النبوية، وإنْ لم تجرِ إقامتها بشكل عملي إلا بعد الهجرة، بسبب المعارضة العنيفة التي كان المسلمون يلاقونها من قِبل أهل قريش إبان المرحلة المكية.

يذكر ابن سعد المتوفى عام 240هـ، في كتابه “الطبقات الكبرى”، أن الرسول أقام صلاة الجمعة للمرة الأولى في قباء قُبيل دخوله يثرب. وعلى الرغم من إقامة ما يزيد عن الخمسمئة صلاة جمعة خلال الحقبة النبوية المدنية، التي زادت عن العشر سنوات، إلا أن كتب الحديث والتاريخ لم تنقل لنا أي نص كامل للخطب الملقاة خلالها.

تقف الكثير من الآراء في صف الاعتقاد بأن شكل صلاة الجمعة تغيّر كثيراً في أواخر العصر الراشدي، وبدايات الدولة الأموية، وبأن خلفاء بني أمية استخدموا ذلك التغيير في سبيل الحفاظ على سلطتهم وحكومتهم.

وتبرز في هذا السياق مسألة تقديم الخطبة على الصلاة، ذلك أن كتابات تاريخية كثيرة ذكرت صراحةً أن عثمان بن عفان كان أوّل مَن قام بذلك الأمر، ومن ذلك ما أورده ابن المنذر النيسابوري المتوفى عام 318هـ في كتابه “الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف”، إذ قال: “إن رسول الله، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، كانوا يصلون ثم يخطبون فلما كثر الناس على عهد عثمان، رأى أنهم لا يدركون الصلاة فخطب ثم صلى”.

وكذلك ينقل ابن حجر العسقلاني المتوفى عام 852هـ في كتابه “فتح الباري في شرح صحيح البخاري”، عن الحسن البصري “أن أول مَن خطب قبل الصلاة، عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم، فرأى ناساً لم يدركوا الصلاة، ففعل ذلك”، أي صار يخطب قبل الصلاة لا بعدها.

هذا الرأي يتعارض مع بعض الأحاديث، ومنها ما يذكره أبو داود في سننه، من كون النبي هو الذي قام بنفسه بتقديم الخطبة على الصلاة، لمّا انفضّ المسلمون من حوله في إحدى المرات بعدما قدمت قافلة تجارية. ولكن مما يقلل من قوة هذا الرأي أن جميع الأحاديث التي تذكره من المراسيل التي يحكم أغلبية علماء الحديث بضعفها وردها، بحسب ما يذكر الدكتور محمود الطحان في كتابه “تيسير مصطلح الحديث”.

وسار الأمويون على نهج تقديم خطبة الجمعة على الصلاة، وحرصوا على نشر الاعتقاد بأهميتها المطلقة، ومن هنا شاعت الأحاديث النبوية التي ترمي المتخلفين عن الجمعة بالنفاق، والتي تزعم أن الرسول كاد يأمر بإحراق منازل تاركي تلك الصلاة.

النقطة الثانية التي استحدثها الأمويون في صلاة الجمعة هي تطويل زمن الخطبة، والبطش بمَن يعترض على ذلك، رغم أن معظم الإشارات التاريخية، تلمح إلى قصر زمنها في عهد الرسول.

فقد أورد أبو يُعلى الموصلي المتوفى عام 307هـ في مسنده، أن الحكم بن أيوب الثقفي، والي البصرة المُعيّن من قِبل الأمويين، كان يطيل في خطبة الجمعة كثيراً، ولما اعترض عليه الصحابي يزيد بن نعامة الضبي، وقال له “الصلاة رحمك الله”، حبسه وبقي في سجنه نحو عشرة أعوام كاملة.

وذكر الحافظ جمال الدين المزي المتوفى عام 742هـ، في كتابه “تهذيب الكمال”، أن الصحابي زياد بن جارية دخل مسجد دمشق في عهد الوليد بن عبد الملك، فوجد أن خطيب الجمعة أطال في خطبته حتى اقترب وقت العصر، فاعترض قائلاً “والله ما بعث الله نبياً بعد محمد يأمركم بهذه الصلاة”، فقام إليه بعض الجند وقتلوه.

أيضاً، يذكر ابن سعد إطالة والي العراق الحجاج بن يوسف في خطبة الجمعة، ما حدا بعبد الله بن عمر لتنبيهه في بعض المرات، حتى قيل إن ذلك كان سبباً في سخط الحجاج وغضبه، وإيعازه لأحد أتباعه بقتل ابن عمر في ما بعد.

تلك النزعة الأموية لإطالة زمن الخطبة، والتي تم تبريرها ببعض الأحاديث النبوية، ومنها ما ورد في الطبقات الكبرى: “يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا بكم إلى القبلة”، اتسقت مع التوجه الاعتقادي الإرجائي الذي حرص الأمويون على تعميمه، والذي يدعو إلى الطاعة العمياء بغض النظر عن توافقية الفعل السلطوي مع الشرع الديني من عدمه.

ويمكن فهم حرص الأمويين على إطالة الخطبة إذا عرفنا أن محتواها الرئيسي كان سياسياً بامتياز، وأنه بالمجمل كان يدور حول مسألة التأكيد على شرعية السلطة الأموية، ومهاجمة معارضيها السياسيين.

ففي كتابه “تاريخ الخلفاء”، يذكر جلال الدين السيوطي أن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان استن سنة جديدة في خطبة الجمعة، وهي سنة لعن وسب علي بن أبي طالب.

ويؤكد المسعودي في كتابه “مروج الذهب” أن تلك العادة الأموية كانت مستشرية في معظم الأمصار الإسلامية، وكان الولاة الأمويون، من أمثال الحجاج بن يوسف وزياد بن أبيه، لا يتهاونون في تطبيقها وإلزام الناس بترديدها في صلاة الجمعة، بل وربما اتسع حيز اللعن والشتم ليشمل رموزاً أخرى للمعارضة، كعبد الله بن الزبير والمختار بن عبيد الله.

وظلّت تلك البدعة قائمة حتى تولى عمر بن عبد العزيز مقاليد الخلافة عام 99هـ، فأبطلها واستبدلها بقول الله تعالى في سورة النحل: {إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}.

السلطة ومنبر الجمعة

وجدت الدول الإسلامية المتعاقبة في صلاة الجمعة وسيلة لفرض مركزيتها المطلقة، وسبيلاً لمراقبة معارضيها، وسهّل ذلك أن معظم الآراء الفقهية ذهبت إلى عدم جواز إقامة صلاة الجمعة في أكثر من مسجد جامع داخل المدينة الواحدة، إلا لوجود سبب قوي.

فعلى سبيل المثال، ينقل منصور بن يونس البهوتي الحنبلي المتوفى عام 1051هـ، في كتابه “الروض المربع شرح زاد المستنقع”، إجماع جمهور الفقهاء على تحريم إقامة صلاة الجمعة في أكثر من موضع واحد “إلا لحاجة كسعة البلد، وتباعد أقطاره، أو بعد الجامع أو ضيقه”، ويشير إلى أنه في حالة إقامة الصلاة في جامعين لغير عذر، فأنها تكون فاسدة في أحدهما.

الأمر الآخر الذي ساعد في تسييس صلاة الجمعة أن إمامها يكون معبّراً عن السلطة الحاكمة نفسها، فهو إما خليفة أو والٍ أو موظف حكومي، ولم يتم الالتفات كثيراً إلى مسألة الأعلمية، تأسيساً على انقياد بعض الشخصيات الدينية المهمة للصلاة خلف عمال الخليفة، ومن أهم الأمثلة على ذلك صلاة عبد الله بن عمر خلف الحجاج بن يوسف.

في كتابه “نشأة وتطور أديان المسلمين الأرضية”، يذكر الدكتور أحمد صبحي منصور أن تركيز السلطة على الهيمنة على الشكل الطقسي لصلاة الجمعة، من خلال التحكم في موضوع الخطبة ومحتواها، قابله توجه معاكس عند فئة كبيرة من عامة المسلمين، وهو ذلك التوجه الذي حرص أتباعه على الاهتمام بالطقوس الفردية، مثل زيادة الصلاة والاستغراق في الخشوع عند أدائها والمبالغة في قراءة القرآن والدعاء ومناجاة الله، وهو ما يعني أن دخول صلاة الجمعة داخل الحيّز السياسي عوّضته أشكال طقسية مضادة تهتم بإظهار الجوانب الروحانية.

ولم يقتصر الاستخدام السياسي لخطبة الجمعة على الترويج للسلطة الحاكمة، والنيل من معارضيها فقط، بل في الكثير من الأحيان تم اللجوء إليها كوسيلة لإعلان القرارات السياسية الأكثر أهمية وتأثيراً في تاريخ الدول الإسلامية، ذلك أنه لما كانت العادة قد جرت على الدعاء للخليفة في خطبة الجمعة، فقد صار هذا الدعاء بمثابة الاعتراف الرسمي بتغلب شخص أو جهة ما على أخرى.

على سبيل المثال، تعتبر الخطبة التي ألقاها أبو العباس السفاح في مسجد الكوفة عام 132هـ، إيذاناً ببدء عصر الدولة العباسية، وأفول نجم الدولة الأموية في المشرق.

ومن الممكن أن نفهم التداخل الكبير الذي وقع بين المجالين الديني والسياسي في خطبة الجمعة إذا ما عرفنا أنه، وأثناء اقتراب العباسيين من دمشق، اختلف الناس بين الأمويين والعباسيين، وظهرت تجليات هذا الاختلاف في صلاة الجمعة، عندما نصب كل فريق منبراً، وألقيت خطبتان في مسجد دمشق، حسبما يذكر ابن عساكر في كتابه “تاريخ دمشق”.

وفي العصر البويهي، اعتاد خطباء الجمعة على الدعاء لكل من الخليفة العباسي والسلطان البويهي، وكان في ذلك اتساق مع التغيّر الحادث في شكل السلطة وانقسامها إلى شق زمني في يد السلطان وشق روحي في يد الخليفة.

وفي ظل الصراع العباسي الفاطمي، استُخدمت خطبة الجمعة على نحو لافت للنظر، ففي بعض الأوقات دعي للخليفة الفاطمي في بغداد عاصمة العباسيين، كما وقع عام 450هـ، وفي أحيان أخرى، دعي للخليفة العباسي في القاهرة معقل الحكم الفاطمي كما حدث عام 457هـ، بحسب ما يذكر تقي الدين المقريزي في كتابه “اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا”.

لم يقتصر الاستخدام السياسي لخطبة الجمعة على الترويج للسلطة الحاكمة، والنيل من معارضيها فقط، بل في الكثير من الأحيان تم اللجوء إليها كوسيلة لإعلان القرارات السياسية الأكثر أهمية وتأثيراً في تاريخ الدول الإسلامية

شاركغرداستحدث الأمويون تطويل زمن الخطبة في صلاة الجمعة، وبطشوا بمَن يعترض على ذلك، رغم أن معظم الإشارات التاريخية تلمّح إلى قصر زمنها في عهد الرسول

وحرص كل من الفريقين المذكورين على الدعاء له من على منابر الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، وأغدقوا الأموال في سبيل إتمام ذلك الأمر، لأن الدعاء لأحد الخليفتين من تلك البقاع المقدسة يشير إلى كونه الحاكم الأكثر نفوذاً واعتباراً في بلاد الإسلام.

وجرى استخدام الخطبة في العصور التي تلت العصر الأموي في سبيل التعريض بالخصوم. يذكر المسعودي أن المأمون العباسي أمر بسب ولعن معاوية في صلاة الجمعة، كما أن الخليفة المعتمد على الله أمر بلعن والي مصر العاصي أحمد بن طولون.

وفي بعض الأحيان، امتد استخدام سلاح الجمعة ليصل إلى التعريض بالفرق المخالفة عقائدياً وسياسياً. مثلاً في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، قام الوزير عماد الملك الكندري بتحريض السلطان السلجوقي طغرلبك على سب الأشاعرة ولعنهم في خطبة الجمعة، واضطُهد بعض علماء الأشاعرة الذين أظهروا اعتراضهم من أمثال أبي القاسم القشيري، وأبي المعالي الجويني، وظلت المحنة قائمة، حتى توفى طغرلبك، وتولى ألب الدين أرسلان السلطة، فتعصب لأهل السنة تحت تأثير من وزيره نظام الملك الطوسي، بحسب ما يذكره تاج الدين السبكي في كتابه “طبقات الشافعية الكبرى”.

صلاة الجمعة عند الشيعة

إذا كانت صلاة الجمعة قد مثّلت أحد الأسلحة المهمة في يد السلطة الحاكمة، فإنها كانت في الوقت نفسه سيفاً مصلتاً على أتباع المذاهب السياسية المناوئة، والتي كان من أهمها الشيعة الإمامية الاثناعشرية.

يذكر السيد محمد الصدر، في كتابه “اللُمعة في حكم صلاة الجمعة”، أن جميع الأئمة الشيعة امتنعوا تماماً عن أداء صلاة الجمعة التي كانت تقيمها السلطات الأموية والعباسية، وذلك لعدم اعترافهم بشرعية تلك السلطات. ولكنهم في الوقت نفسه دعوا أتباعهم إلى أداء شعائر الصلاة في تجمعات مخصوصة بهم، ويؤكد على ذلك ما أورده أبو جعفر الطوسي المتوفى عام 460هـ، في كتابه “الاستبصار”، عندما نقل قول الإمام جعفر الصادق لشيعته: “إذا كانوا سبعة يوم الجمعة، فليصلوا في جماعة”.

وتذكر أغلب الكتابات الشيعية أن العديد من الشيعة اضطروا إلى حضور صلاة الجمعة الرسمية على سبيل التقية. وأوردت المصادر التاريخية أسماء بعض الشخصيات الشيعية التي تعرّضت للاضطهاد في العصر الأموي بسبب رفضها لحركة اللعن الجماعي لعلي بن أبي طالب، ومن هؤلاء حجر بن عدي الذي قُتل مع جماعة من أصحابه بأمر من معاوية بن أبي سفيان، حسبما يذكر الطبري في تاريخه.

بعد اختفاء وتواري الإمام الثاني عشر عن الأنظار، ووقوع الغيبة الكبرى عام 329هـ، بحسب الاعتقاد الشيعي التقليدي، اعتقد معظم المراجع والفقهاء الشيعة أنه لا تجوز إقامة صلاة الجمعة إلا بعد ظهور الإمام مرة ثانية، ومن أهم مَن قال بهذا الرأي الشيخ المفيد، الشريف المرتضى، وابن إدريس الحلي.

وفي نهايات القرن العاشر الهجري، وتزامناً مع تمكين الدولة الصفوية الشيعية في إيران، وقع تحوّل مهم ومؤثر، عندما أجاز الفقيه الشيعي “المحقق الكركي” العاملي أداء صلاة الجمعة في زمن الغيبة، وذلك لقيام دولة شيعية قوية، وشرح الأسباب التي بنى عليها رأيه في كتابه “جامع المقاصد”، وقام بأداء صلاة الجمعة وقتها مستعيناً بالنفوذ السياسي الواسع الذي أتاحه له الشاه طهماسب الأول.

بعد زوال الدولة الصفوية، رجع معظم الشيعة إلى مذهبهم الأول في الكف عن صلاة الجمعة، وظل الوضع كذلك حتى نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، عندما وصل آية الله الخميني إلى السلطة، وطبق نظرية ولاية الفقيه، وبموجبها صار الفقيه الشيعي المستجمع للشرائط يقوم بأداء المهام التي يضطلع بها الإمام الغائب.

من هنا قام الخميني بدعوة الإيرانيين إلى أداء صلاة الجمعة بطهران في العام نفسه، وكُلف بإمامتها آية الله محمود طالقاني.

صار منصب إمام الجمعة في طهران واحداً من أهم المناصب الدينية-السياسية في إيران، وتقلده عدد من أبرز رجال الدين، ومنهم هاشمي رفسنجاني.

وتعدّى التأثير الذي صاحب إحياء الخميني لشعيرة صلاة الجمعة الحدود الإيرانية ليصل إلى بعض الدول العربية التي تقطنها جماعات شيعية.

ففي لبنان، وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي، دعا المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله إلى أداء صلاة الجمعة، وصرح في كتابه “الندوة” باعتقاده بكون أداء صلاة الجمعة يغني عن أداء صلاة الظهر، وذلك رغم اعتراضه على الكثير من جوانب نظرية ولاية الفقيه.

أما في العراق، فقد دعا آية الله محمد الصدر الشيعة في نهاية التسعينيات إلى إقامة صلاة الجمعة، وأقامها هو بنفسه في مسجد الكوفة في النجف الأشرف، واستخدم تلك الشعيرة في سبيل معارضة النظام البعثي الحاكم حينذاك، ونجح من خلالها في التعبئة ضد سياسات صدام حسين، قبل أن يُغتال عام 1999.