الأثنين: 9 ديسمبر، 2019 - 11 ربيع الثاني 1441 - 02:06 صباحاً
سلة الاخبار
الثلاثاء: 26 نوفمبر، 2019

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية مقالًا لريناد منصور، زميلة الأبحاث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وثاناسيس كامبانيس ومايكل وحيد حنا، الزميلين الأقدمين بـ«مؤسسة القرن» سلَّطوا فيه الضوء على المليشيات المدعومة من الحكومة العراقية والإيرانية، التي تهاجم المُحتجّين العراقيين ثم تفلت من العقاب.

 

قال الكتّاب في مستهل مقالهم إن الميليشيات المسلَّحة المتحالفة مع الحكومة العراقية استخدمت مستويات من العنف منذرة بالخطر لإخماد الاحتجاجات الشعبية العارمة في البلاد التي تدخل شهرها الثاني الآن. وتضمّنت هذه التكتيكات التي غالبًا ما تكون مميتة إطلاق الغاز المسيِّل للدموع على رؤوس المُحتجّين مباشرة ونشر القنّاصة الذين يطلقون النار بقصد القتل، مما أسفر عن حصيلة وفيات تجاوزت 300 قتيلًا. 

 

وقد أحجمت الحكومة العراقية عن تحديد هوية هذه الميليشيات التي تمكنت من الإفلات من العقاب حتى الآن. ومع ذلك، برزت أدلة دامغة على الانتهاكات والجرائم التي نفذتها شرطة مكافحة الشغب ووحدات عسكرية نظامية ومليشيات ومجموعات شبه حكومية لها اتصال مباشر لكنه مرن بأجهزة الدولة.

 

وتُشكِّل بعض هذه المليشيات جزءًا من وحدات الحشد الشعبي، كما أنها تتحالف مع إيران. وغالبًا ما يُساء وصفها على أنها جهات فاعلة غير حكومية أو وكلاء لإيران ببساطة أو أنها امتداد للحكومة العراقية. لكن الكُُتَّاب يرون أن أيّا من هذه الأوصاف لا يُعَدُّ صحيحًا تمامًا، بل تُسفِر عن فهم تحليلي قاصر لهذه المجموعات ومصادر قوتها.

 

ويطرح التحليل بديلًا لهذا الوصف، حيث يطوِّر بحث أجراه الكُتّاب مؤخرًا المفهوم الناشئ للجهات الفاعلة الهجينة؛ التي تستمد قوتها من الأنظمة وتساعد في صياغة جداول أعمال الدول، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تنفيذ جدول أعمال مستقلَّ. وهي هجينة لأنها تتعارض مع الثنائية التي تضعها صنَّاع السياسة الغربيين؛ للدولة ضد الجهات الفاعلة غير الحكومية.

 

ويمكن تطبيق هذا المفهوم في نطاق أوسع على صراعات المنطقة المتعددة والمستمرة فضلًا عن الصراعات في مناطق أخرى. وتطبيق هذا المفهوم الهجين على حالة هذه المليشيات في وحدات الحشد الشعبي يصف بمزيد من الدقَّة علاقاتها الديناميكية مع العراق وإيران دون استبعاد خُططها المستقلّة الخاصة، كما يلي:

خصائص الجهات الهجينة

تعمل الجهات الفاعلة الهجينة (الميليشيات المسلحة) في بعض الأحيان بالتنسيق مع الدولة، وتتنافس معها في أحيانٍ أخرى. حيث تعتمد على رعاية الدول؛ أي الدولة التي يعيشون على أرضها، إضافة إلى الداعمين الأجانب لها. وفي الوقت ذاته، تتمتع بالمرونة التي تأتي مع عدم كونها دولة. كما تولد عائداتها الخاصة أيضًا وتمتلك القدرة العسكرية المستقلة. وهي من بين العقبات الرئيسية للاستقرار الحكومي طويل الأجل في المنطقة اليوم.

 

وتسعى الجهات الفاعلة الهجينة، بحسب كُتَّاب المقال، إلى تسخير بعض وليس كل قطاعات سلطة الدولة والسيطرة عليها. وتميل الجهات التي تبقى على قيد الحياة عدة سنوات إلى اختراق الدولة وتوظيف الإقطاعيات الرسمية في إطارها الهيكلي. وبذلك تكون قد طورت هياكل موازية للدولة، تتيح لها استقلالًا خارجًا عن إطار القانون.

 

ويلفت المقال إلى أن هذه الجهات الهجينة تشارك في الحروب والدبلوماسية والسياسة والدعاية، حيث تبني قاعدة شعبية وتحافظ عليها ولا تقدم خدمات أمنية فقط، بل أيضًا خدمات وتوجيهات أيديولوجية. ومع أن معظم الجهات الفاعلة الهجينة لها علاقة من نوعٍ ما مع أحد الداعمين لها في الخارج، إلا أنها أكثر من كونها وكيلا، ولديها القدرة على وضع سياساتها واتخاذ قراراتها.

 

ومن بين سبع حالات رصدها الباحثون للمجموعات المسلَّحة في العراق وسوريا ولبنان، خلصوا إلى أمثلة تقليدية للجهات الفاعلة الهجينة، مثل حزب الله في لبنان، وأمثلة غير نمطية مثل تنظيم «الدولة»، التي تتوافر فيها خصائص هجينة قليلة للغاية.

 

ويوضح الكتَّاب أنهم حلّلوا الجهات الهجينة وفقًا لعاملين اثنين: «ولائهم للدولة»؛ بمعنى إلى أي مدى يسعون إلى تولي المهام الحكومية؛ واستقلالهم، أو الدرجة التي يعملون فيها وكلاء خاضعين لرعاتهم. وتتضمن الشروط المرتبطة بنجاح المجموعات الهجينة: الولاء التأسيسي، والعلاقات الحكومية المرنة، بما في ذلك العلاقات مع الجهات الراعية، والأيديولوجية المتماسكة، وهي أكثر الأمثلة التي تتلاقى مع الجهة الراعية إقناعًا.

الجهات الهجينة في العراق

يضيف التحليل أن الحكومة العراقية تعتمد على مجموعة واسعة من المؤسسات لحماية النظام السياسي، من محاكم إلى مسؤولي الاتصالات الذين يتحكمّون في الإنترنت. وتلعب الجهات الفاعلة الهجينة دورًا فريدًا في هذا التعاون، حيث تدعم النظام السياسي وتتلقى دعمًا مُكثّفًا من الحكومة.

 

وقد لعبت وحدات الحشد الشعبي العراقية دورًا حاسمًا في الحملة العسكرية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». وكانت بعض المليشيات والحركات، التي تشكِّل وحدات الحشد الشعبي حاليًا، تنشط حتى قبل ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية». أما اليوم، فقد تحولت من مليشيات أو وكلاء غير حكوميين تقليديين، كما كان الحال مع فيلق بدر أثناء الحرب الإيرانية-العراقية، إلى جهات هجينة.

 

وتُعد وحدات الحشد الشعبي جزءًا رسميًا من الدولة، حيث تتقاضى رواتبها من الحكومة بموجب قانون عام 2016. ولا يستجيب مقاتلو وحدات الحشد الشعبي في نهاية المطاف إلى لجنة حكومية بل إلى قادة ميليشياتهم. وثمة علاقة تجمع بعض هذه القيادات بدورها مع جهات داعمة في إيران فضلًا عن حلفائها داخل الحكومة العراقية.

 

وفي المظاهرات الراهنة، ألقى المحتجّون باللوم على عناصر الأمن المرتبطين بالإيرانيين في بعض أعمال العنف التي تخدم الطبقة السياسية الجشعة في العراق فضلًا عن سياسة إيران الإقليمية المتهوِّرة ذات الطابع العسكري. والمليشيات الهجينة ليست سوى عنصر واحد في رد فعل الدولة العنيف. وما يميز الجهات الهجينة، على عكس قوات وزارتي الداخلية أو الدفاع، هو أنها غالبًا ما تكون أكثر قدرة من المؤسسات الحكومية، وتخدم مصالح عديدة وتستمدّ دعمها من الدول فضلًا هياكلها الاقتصادية.

 

وعلى عكس الوكلاء الخالصين، يسعى المُهجَّنون في وحدات الحشد الشعبي إلى تأمين رعاية الحكومة، التي يستخدمونها لتعزيز مكوناتهم. وتُعد الدولة موردًا رئيسيًا لهذه المجموعات، كما أنها السبيل الذي تسعى من خلاله إلى تحقيق مشروعاتها السياسية والاقتصادية الخاصّة. ومع ذلك، لدى هذه المجموعات استعداد لتقويض مؤسسات الدولة وسلطتها عندما يخدم ذلك مصالحها التنظيمية.

 

وبإمكان الجهات الهجينة الإعراب عن تضامنها المفتوح مع الدولة دون الإمساك بزمام سجلاتها الحكومية. ومن أجل تحقيق تلك الغاية، دعمت المليشيات المشاركة في العنف ضد المُحتّجين العراقيين عملية إصلاح تدريجية افتراضية، تُمكِّنهم من التفاخر بأي تقدم وتجنب اللوم على الإخفاقات المستمرة.

عقبة في طريق الدول الناجحة

ويشير المقال إلى أنه لا يمكن فصل الجهات الفاعلة الهجينة أو تجاهلها بكل بساطة. ففي لبنان اليوم، تسببت انتفاضة وطنية في شلل الحكومة والاقتصاد. ويُعد حزب الله -ذلك الهجين المثالي- الضمان الأساسي للنظام السياسي في لبنان. ولكن نظرًا لكونه جهة صغيرة في الحكومة من الناحية الرسمية، هناك طرق قليلة لإشراكه أو تحميله المسؤولية.

 

وفي ظل الفترة التاريخية الحالية، تُعد إيران القوة الأكثر استثمارًا في الجهات الفاعلة الهجينة؛ ويرجع ذلك جزئيًا إلى وظيفة جدول أعمالها التعديلي والثورية، وفي جزءٍ آخر إلى الوظيفة العملية لخياراتها المحدودة لكلٍ من إظهار القوة والشراكات فيما بين الدول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وعمل آخرون أيضًا، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل والأنظمة الملكية العربية في الخليج، مع جهات هجينة، ولكن على نحو أقل فاعلية.

 

اختتم الكتَّاب مقالهم بالإشارة إلى مساهمة العديد من العوامل في التجارب مع ومن خلال هذه المجموعات المُسلَّحة، مثل: هياكل الدولة ومؤسساتها المتدهورة، والحروب الأهلية والإقليمية غير المحدودة، والتدخل المتواصل من القوى الأجنبية المنافسة، ولعنة الموارد، واستغلال النخب المحلية للهوية والأيديولوجية. وقد يساعد مساءلة الجهات الهجينة في التصدي للتحديات التي يشكلونها على إعادة بناء الدولة. ومما لا شك فيه، فإن أنجع السُبُل لإدارتها، بعيدًا عن تسوية الصراعات الأساسية، يكمن في الدولة؛ وذلك بالصبر على اندماج الجهات الهجينة في الدولة مع إعادة التأكيد على سلطة الدولة وكفاءتها ومساءلتها.