الأحد: 27 مايو، 2018 - 12 رمضان 1439 - 05:07 صباحاً
بانوراما
السبت: 21 أبريل، 2018

أحمد الجدي

 اصبح هاجس عدد كبير من العرب هو كيفية القضاء على سمنتهم المفرطة بشكل عام والتخلص من “الكرش” أو البطنة بشكل خاص، لأنه لم يترك سميناً أو رفيعاً إلا وأصابه، حتى بات كابوساً مزعجاً للجميع وذلك رغم وجود أكثر من مثل يشيد بأصحاب الكروش مثل “اللي ما عنده كرش ما يساوي قرش”، وآخر يقول “الكرش منحنى الرفاهية”.

وفي ظل هذا السعي الكبير من الكثيرين للتخلص من الكرش والوزن الزائد، امتلأت القنوات الفضائية بإعلانات العقاقير التي تقضي على الكرش، كما امتلأت الشوارع بإعلانات الأطباء المتخصصين في التغذية تارة، والمتخصصين في عمليات تكميم المعدة وتحويل المسار طوراً،

هذا بخلاف انتشار الصالات الرياضية وارتفاع أسعار اشتراكاتها وجميعها تتنافس على قدرة مدربيها على إزالة كرش من يتمرن في أقصر وقت ممكن.

وبرغم هذا كله، قلما ينجح شخص في القضاء على “كرشه”، وتستمر الأغلبية كما هي، إذ معظمهم تعيسون من هذا المنحنى الموجود في بطونهم، معتبرين إياه وصمة عار صحية واجتماعية.

وبسبب الحالة النفسية التي يمر بها عدد كبير ممن يمتلكون الكرش، خرج الباحث الشاب محمد أمير، صاحب 3 روايات تاريخية، آخرهم رواية الخديوي، التي ظهرت في معرض الإسكندرية الدولي للكتاب، على صفحته الرسمية في فيسبوك ليؤكد أن الكرش كان من شيم العظماء على مدار التاريخ، ولا داعي لأن يحرج أحد من هذا الكرش أو يسعى للقضاء عليه.

أشهر أصحاب الكروش

رصيف22 تحدث مع محمد أمير حول دفاعه المستميت عن الكرش وأصحابه وحقيقة ما إذا كان هذا الكرش مصاحباً للعظماء، فقال: «فكرة الإساءة لأصحاب الكروش أو السخرية منهم أمر مستحدث على عكس ما كان في الماضي حين كان أصحاب الكروش هم العظماء فقط، مثل الملوك والفلاسفة والعلماء، وهذا ما أظهرته صورهم التي تم تداولها مصورة أو مرسومة أو منحوتة».

يرى أمير أن أشهر أصحاب الكروش في العصر الحديث كان الملك فاروق، آخر ملك لمصر قبل تحولها إلى جمهورية، ووالده الملك فؤاد، وجدهما محمد علي باشا قائد النهضة في مصر، وامتد الأمر حتى الفراعنة وملوكهم، فكان من أهم الملوك، أصحاب الكروش الملك أمنحتب الرابع الذي ظهر بكرش بارز في صورة مرسومة على جدران عدد من المتاحف المصرية.

ومن الفلاسفة اليونانيين والعرب الذين ثبت أن لديهم كرشاً أيضاً من صورهم المتداولة عبر الأزمنة، أرسطو وأفلاطون، وابن رشد الفيلسوف والقاضي والفقيه والفيزيائي الإسلامي الشهير، وأيضاً الجاحظ الذي كان من أهم أدباء العصر العباسي في العراق، كذلك العالم الفيزيائي الألماني الكبير أينشتاين صاحب نظرية النسبية، وأخيراً العالم المصري الراحل أحمد زويل حائز جائزة نوبل في الكمياء.

الكرش للملوك فقط

تطرق الباحث إلى القوام الممشوق والعضلات ودلالتها قديماً، وأكد أنه على وشك الانتهاء من دراسة شكل الجسد في مختلف العصور وكيف تطور.

ففي العصر الفرعوني مثلاً، ووفقاً للعديد من الكتب التي استخدمها في دراسته كـ”فجر التاريخ” لـجيمس هنري بريستيد، “مصر والمصريون” لـ دوجلاس بريور وإيملي، و”مصر القديمة” لـ جان فيركوتير تيتر، لم يكن الملوك والكهنة يملكون عضلات ولا قواماً ممشوقاً لأن حياتهم دائماً في رفاهية.

وذلك بخلاف أفراد الطبقة الفقيرة الذين كانوا يعملون كخدم فيحملون العرش، ويعملون في المناجم لاستخراج الذهب، بخلاف رحلات الصيد، بالإضافة إلى المهنة الأهم في تلك الحقبة وهي بناء المعابد أو التماثيل أو الأهرامات، وهذه كلها كانت تحتاج إلى قوام قوي لحمل الحجارة الثقيلة ووضع بعضها  فوق بعض.

وفي الحضارتين اليونانية والرومانية – وفقاً لما جاء في كتب عديدة كـ “مظاهرة الحضارة البطلمية الرومانية” لـ دكتور الحسين إبراهيم أبو العطا، و”اليونان والرومان” لـ علي عكاشة وشحادة الناطور وجميل بيضون – نستخلص أن الرومانيين واليونانيين قديماً كانوا يستخدمون أصحاب القوام الممشوق والعضلات في معارك المصارعة حتى الموت، وفي سباقات جر العربات التي تحتاج إلى قوة بدنية مهولة، وهذا كله من أجل تسلية الشعب والأسرة الحاكمة.

وقد كانت اسم الصالة التي يتدرب فيها أصحاب تلك العضلات قبل المشاركة في مباريات المصارعة، الجمنازيوم، وهو الاسم المستخدم حالياً في صالات رفع الأثقال.

الكرش صانع التاريخ

تداول المصري أحمد الغندور في إحدى حلقات برنامجه الشهير “الدحيح”، قصة “الكرش”، ودوره في صناعة التاريخ البشري والواقع المعاصر الذي نعيشه الآن.

اعتبر الغندور في حلقته “الكرش صانع التاريخ” أن الإنسان عاش على مدار 290 ألف سنة من أصل 300 ألف، هي تاريخ ظهوره على الأرض، بحثاً عن طعامه، متنقلاً من مكان لمكان من أجل الغذاء فقط حتى عرف الزراعة قبل نحو 10 آلاف سنة، فكان ذلك سبباً في استقرار البشر، وأصبح هناك فائض من الغذاء، وتم بناء المخازن لتخزين هذا الفائض، مما جعل البشر يستعينون بجنود لحمايته.

ومن هنا ظهرت السلطة في شكلها الأول وتطورت فيما بعد إلى نظام حاكم مكون من رئيس ووزراء وحكومة وبرلمان، وكل هذا بفضل الكرش، على حد تعبيره.

ورأى أن سعي الإنسان الدائم لإرضاء كرشه كان سبباً في صناعة التاريخ، وأوضح أن الهدف الأول للرحالة الشهير كريستوفر كولمبس أثناء تجوله حول العالم عام 1492 هو بحثه عن طريق لدولة الهند من أجل أن يغزوها الأوروبيون للحصول على الفلفل الأسود والتوابل، وأثناء هذه الجولة التي هدفها خدمة الكرش في المقام الأول، اكتشف الأمريكيتين بطريق المصادفة.

وأشار أحمد الغندر إلى كتاب An Edible History of Humanity  لتوم ستانديج، الذي أكد على قيام ألاريك ملك القوط الغربيين بمحاصرة روما عام 410 ميلادية، وكان من ضمن طلباته الحصول على ألف كيلوغرام من الذهب، و30 ألف كيلوغرام  من الفضة، و1300 كيلوغرام من الفلفل الأسود الذي كانت قيمته وقتذاك تعادل قيمة الذهب برغم أنه من التوابل التي تستخدم في الأكل والشرب.

عند العرب

تناول كتاب “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” للدكتور جواد علي قوام الإنسان الإعرابي قبل الإسلام ورأي العرب قديماً في الكرش، وأكد أن الأعرابي كان نحيفاً في الغالب لبساطة أكله، وقلة المواد النشوية والدهنية فيه، وكان من عادات العرب أنهم يقللون من الأكل، ويقولون: “البطنة تذهب الفطنة”، و”البطنة تأفن الفطنة”.

وكانوا يعيبون الرجل الأكول الجشع، ويرون أن قلة الأكل أفضل دواء لصحة الأبدان، وقد قيل عن  الحارث بن كلدة، طبيب العرب ما قبل الإسلام: ما أفضل الدواء؟ قال: الأزم أي قلة الأكل، ولهم في ذلك أمثلة كثيرة في الأزم، وضرر البطنة أي الكرش.

وبسبب ظهور الكرش في تلك الفترة ظهرت الحمية لأول مرة في التاريخ العربي كعلاج للكرش،وهو ما أوضحه بن كلدة أيضاً في نصائحه المنقولة عنه.

ووفقاً للكتب، فإن العرب قديماً كانوا يعتبرون الإكثار من الأكل معيبًا، وكانوا يسبون من دعا إلى وليمة وأكل حتى التخمة، في حين كان يمدحون من اعتدل في أكله وتوسط فيه، وأظهر نظافة وأدبًا في تعاطيه.

وفي الإسلام، روى جعدة بن خالد، أحد صحابة الرسول، موقفاً يرفض فيه الكرش وينتقده، إذ قال إنه رأى رجلاً عظيم البطن، فقال الرسول وإصبعه في بطنه: (لو كان هذا، في غير هذا، لكان خيرا لك).

وفي حديث آخر للرسول يرفض فيه الكرش، قال المقدام بن معدي كرب عنه إنه قال: (ما ملأَ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، حسْبُ الآدميِّ لقيماتٌ يُقِمنَ صلبَهُ فإن غلبتِ الآدميَّ نفسُهُ، فثُلُثٌ للطَّعامِ، وثلثٌ للشَّرابِ، وثلثٌ للنَّفَسِ).

ولعمر بن الخطاب مقولة شهيرة عن الكرش، هي:”إياكم والبطنة “الكرش”، فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسم، مؤدية إلى السقم، وعليكم بالقصد في قوتكم فهو أبعد من السرف، وأصح للبدن، وأقوى على العبادة، وإن العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه”.

الكرش الجميل

يقول تقرير لموقع “ذا ليست” إن القوام الممشوق والعضلات هما أساس الجسد الجذاب حالياً في أذهان الأوروبيين.

وأشار التقرير إلى حقبة امتدت لقرن كامل، كان فيها الكرش محل فخر لصاحبه. ومن عام 1800 حتى عام 1900 كانت السمنة في العالم تعني الثراء. لذلك كانت جذابة جداً، ونشأت أندية خاصة لأصحاب الكروش في أوروبا، ومن شروط الانضمام إليها أن يملك المشترك وزناً يتجاوز الـ 200 باوند (90 كلغ).

وبخلاف النوادي، كانت هناك مسابقات تتم كل عام لصاحب أكبر كرش، والجميع كان يتبارز بوزنه ويسعى بكل قوة لزيادته لا لتخسيسه كما يحدث الآن.