الأثنين: 16 ديسمبر، 2019 - 18 ربيع الثاني 1441 - 08:39 صباحاً
بانوراما
الخميس: 21 نوفمبر، 2019

أخذت وجوه القتلى العراقيين تكسو الجدران والأكشاك في ساحة التحرير، في العاصمة العراقية بغداد. وما زالت الصور التي تحيي ذكرى هؤلاء الذين قُتلوا على يد قوات الأمن، التي شنَّت حملة قمع عنيفة ضد الانتفاضة العراقية منذ اندلاعها، في أوائل شهر أكتوبر/تشرين الأول، تتزايد مع تنامي أعداد القتلى بلا توقف.

 

يُعتقد أن أكثر من 300 محتج قد قُتلوا حتى الآن. ومع ذلك، فإن هناك وجهاً واحداً، على وجه الخصوص، أصبح منتشراً في كل مكان، تحمله اللافتات واللوحات في كل ركنٍ من أركان المنطقة التي يسيطر عليها الناشطون.

رمز الانتفاضة العراقية

يقول موقع Middle East Eye البريطاني، إن صفاء السراي كان ناشطاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ويُتابعه كثير من المتابعين على حسابيه في إنستغرام وفيسبوك. لقد أخذ يشارك في حركة مكافحة الفساد في العراق منذ عام 2011، وكان أحد أوائل المشاركين في الانتفاضة الجارية ضد الحكومة العراقية.

 

سرعان ما أصبح السراي ذا تأثير كبير في الانتفاضة، لاسيما من خلال تصوير ونشر لقطات وصور من وحشية الشرطة وعنفها إزاء المتظاهرين، في وقتٍ كانت وسائل الإعلام الرئيسية فيه غائبة على نحو ملاحظٍ عن الاحتجاجات وتغطيتها.

 

صفاء السراي كانت وصيته لأصدقائه بإن يشيعوه في ساحة التحرير، وحققوا له ما اراد.

 

يقول علي خريبط، أحد أصدقاء السراي: «واجهت وسائل الإعلام هنا مشاكل في تغطيتها، لذا تطوّعنا لاستخدام هواتفنا وإرسال صور ولقطات مجانية إلى القنوات التلفزيونية. لقد زرنا المستشفيات ووثقنا كل شيء. ما زلت لا أصدق أنه رحل عنا».

 

في 28 أكتوبر/تشرين الأول، أصيب السراي، البالغ من العمر 26 عاماً، في رأسه، بقنبلة مسيلة للدموع، خلال مشاركته في مظاهرات في بغداد. ليتوفى متأثراً بجراحه في المستشفى بعد ساعتين.

 

يظهر السراي في إحدى آخر الصور التي نشرها على فيسبوك، قبل يوم واحد من وفاته المفاجئة، مستنداً إلى شجرة في الحديقة الواقعة في ساحة التحرير، وخلفه مباشرة جدارية «نصب الحرية»، التي تصور تاريخ العراق القديم.

 

وجهه ما زال حاضراً بين حشود المتظاهرين

أمست الصورة منذ وفاته مصدر إلهام للنشطاء والفنانين في جميع أنحاء بغداد. أخذ الفنانون يغيرون ملامح جدران الشوارع الرئيسية المؤدية إلى ساحة التحرير، إذ باتت الجداريات وسيلة يعبرون بها عن غضبهم من الحكومة والمجتمع الدولي وإيران والأمم المتحدة. وفي كل ذلك، يحضر وجه السراي رسماً متكرراً على الجدران.

 

يقول خريبط: «بالتأكيد، هو رمز. لقد أعطى صفاء الثورةَ دفعة إلى الأمام». لم يكن للسراي زوجة أو أطفال، وتوفيت والدته، التي كانت تخرج معه أحياناً للاحتجاج، مؤخراً، بمرض

السرطان. لقد ترك وراءه أربع شقيقات وخمسة أشقاء.

محتجون عراقيون يرتدون تي شيرتات مطبوع عليها صورة صفاء السراي/ MEE

يقول عقيل، أحد أشقاء السراي الأكبر سناً، إنه سعيد بإحياء ذكرى أخيه بوصفه رمزاً. تحدث موقع Middle East Eye إلى عقيل، الذي قال: «كنت معه عندما مات، وأنا سعيد أنه مات في سبيل قضية. إنه لم يمت موتة طبيعية أو في حادثة ما، لقد مات في سبيل قضية».

«القضية والثورة بحاجة إلى دماء لترويها، ونحن نتشرف بأن ابننا كانت دماؤه من بين الدماء التي أريقت في سبيل الثورة».

إحياء ذكرى السراي

مع أن الاحتجاجات التي جرت في عام 2019 ضد الفساد لم يسبق لها مثيل من حيث اتساع نطاقها، فإنها أبعد بكثير عن أن تكون المظاهرات الأولى من نوعها.

 

إذ لطالما كان عجز الدولة العراقية الهائل عن القيام بوظائفها مصدر غضب لملايين العراقيين، حتى وإن أبقى خطر الإرهاب كثيرين من الناس بعيداً عن الشارع والاحتجاج لفترة طويلة. وقد سبق أن شهدت بغداد، خاصة في عام 2016، مظاهرات كبرى ضد الفساد.

 

ورغم أن هذه الاحتجاجات كان قد أطلقها في الأصل نشطاء مجتمع مدني، فإنها باتت في النهاية مرتبطة بالتعريف برجل الدين الشيعي ذي النفوذ مقتدى الصدر، الذي أخذ أتباعه يهيمنون على المظاهرات، وفي وقت ما اقتحموا البرلمان العراقي ومكتب رئيس الوزراء.

 

كما هو الحال الآن، استخدمت قوات الأمن والميليشيات العنفَ في محاولة لقمع الاحتجاجات. وآنذاك أيضاً ما لبث أن وصف المحتجون، ومنهم خريبط والسراي، بأنهم مثيرون للشغب، وفقاً لما قال خريبط.

 

ويسترجع خريبط تلك الفترة، فيقول: «لقد شرعوا في استهدافنا منذ عام 2016. وباتوا كلما رأونا قادمين للمشاركة في مظاهرة ما، يخطفوننا، ويحتجزوننا في سيارة تابعة لهم، ويتناوبون على ضربنا، ويبقوننا هناك حتى انتهاء المظاهرة، ثم يطلقون سراحنا».

 

«إنهم يعرفوننا لأننا نشِطون في وسائل الإعلام»

لم تختلف الأمور اليوم كثيراً عن السابق. فقد تلقى خريبط تهديدات قبيل مظاهرة حاشدة كانت مقررة في 25 أكتوبر/تشرين الأول، عندما استؤنفت المظاهرات بعد توقف قصير خلال عطلة زيارة الأربعين الدينية.

 

«قبل مظاهرات 25 أكتوبر/تشرين الأول، اتصلوا بي وهدَّدوني. ومُرّرت رسالة إلى الأقارب الذين يعرفونني بأنني معرض للخطر. كما قيل لبعض الأصدقاء الذين قُبض عليهم إنني معرض للخطر في أي وقت».

 

أصبح شارع السعدون المؤدي إلى ميدان التحرير، والذي عادة ما يكون مزدحماً بحركة المرور، مقطوعاً الآن، وتسده حواجز خرسانية، وتنتشر فيه خيام أقامها النشطاء لمساعدة المعتصمين والمسعفين المتطوعين.

صديق صفاء السراي علي خريبط (يسار) وأخوه عقيل (يسار)/ MEE

نظمت مجموعة من الطلاب، من زملاء السراي السابقين في الجامعة المستنصرية، الإثنين الماضي، مظاهرة في شارع السعدون، انتهت عند خيمةٍ أصبحت مكان تكريمٍ دائماً للناشط المقتول.

 

ارتدى عدد من النشطاء قمصاناً يزينها وجه السراي، في الوقت الذي عُلّقت خارج الخيمة لافتة تحمل مضمون أحد المنشورات التي كتبها على فيسبوك، في منتصف يونيو/حزيران الماضي، تقول: «أعظم شرف، وتكريم، وتعظيم بهاي الحياة، أن تكون عراقياً».

 

جلست سيدة عجوز في الخارج، توزع المياه على المحتجين في طريقهم إلى معسكر الاحتجاج في ساحة التحرير. تقول: «أحضرت هذا الماء أوزعه على روح صفاء. أنا فقيرة جداً، حتى إني أعيش في الشارع، وكان صفاء يتصدّق علي».

أنا أيضاً أشعل الشموع له، رحمةً على روحه».

يقول محمود كريم، أحد أصدقاء صفاء منذ الطفولة، إنه رغم فقره، فإن السراي كان يأتي كل يوم إلى معسكر الاحتجاج.

#صفاء_السراي چان حلمه يلگة العراق أحسن، وچان يحب الحياة ويريدها، وحاول بكل سلمية.. لحد ما إستشهد! وهيچ بكل بساطة إنتهت قصة حياة شاب بسيط ومسالم، وإنتهت أحلامه وياه، وراح.. راح وية أخوته اللي فارقونا لنفس السبب! بس لأنهم رادوا الحياة.. فأنطوهم الموت.

«كان يخرج في الاحتجاجات منذ عام 2011، وهو ما أدى إلى مطاردته واعتقاله عدة مرات، حتى اضطر إلى الفرار إلى الريف مرتين، ولذلك عندما استشهد فرحت الحكومة وقوات الأمن».

قال محبٌ آخر للسراي في معسكر الاحتجاج، وقد تابعه على مواقع التواصل الاجتماعي، إن السراي دائماً ما كان يحث على «سلمية الاحتجاجات». «كان يقول حقوق الشعوب مسلوبة، ومن ثم حث الناس دائماً على استعادة حقوقهم».

حالة سخط على موقف الأمم المتحدة من الاحتجاجات

كان مقتل عدد كبير من المتظاهرين الشباب أحد الموضوعات التي جرى تناولها في اجتماع «المراجعة الدورية الشاملة» (UPR)، الذي ينظمه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يوم الإثنين الماضي.

 

دعت «هيومن رايتس واتش» المجلس إلى التصدي لعمليات القتل، علاوة على القطع المتكرر لشبكات الإنترنت، والتي قالوا إنها محاولة من الحكومة «لمنع العراقيين والعالم من رؤية مدى القمع الذي تمارسه» في مواجهة الاحتجاجات.

 

كان حظرٌ فعال قد فُرض على الوصول إلى الإنترنت في العراق، ولم يسمح بالولوج إلى الشبكة سوى من منتصف الصبح حتى الظهيرة، في حين حُظر عدد من مواقع التواصل الاجتماعي، تشمل فيسبوك وتويتر.

 

أخذت حالة من الغضب تنتشر بين النشطاء على ما يرون أنه تعليقات مراوغة وملتبسة من جانب الأمم المتحدة، مما أعطى كثيراً من الدعم لمنظور الحكومة إزاء الاحتجاجات.

لوحة مرسومة على جدار وسط بغداد لصفاء السراي

كان بيان الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جِنين هينيس بلاسخارت، الذي قالت فيه «إن تعطيل عمل منشآت البنية التحتية الأساسية يثير قلقنا البالغ، ويقوّض تلبية المطالب المشروعة للمتظاهرين»، قد أثار غضباً حاداً على وجه الخصوص بين بعض الناشطين.

 

يقول عقيل: «أنا أطالب، باسم جميع المحتجين، باستبعاد جِنين بلاسخارت». «إن موقفها يميل إلى جانب السلطات هنا… نحن لا نثق فيها، نحن نطلب من الأمم المتحدة أن تتدخل فوراً، وبسرعة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإنقاذ سمعة الأمم المتحدة، يجب إبعاد جِنين بلاسخارت عن العراق».

 

رداً على ردود الأفعال الغاضبة على تصريحاتها، أصدرت بلاسخارت بياناً قالت فيه إن الأمم المتحدة كانت «شريكاً لكل عراقي يسعى إلى التغيير». كانت وثائق أخرى أصدرتها الأمم المتحدة قد تناولت استخدام الحكومة العراقية للعنف، لكن حسبما يبدو، فإن الثقة بين الطرفين قد تأذّت بالفعل.

 

يقول عقيل: «أنا أريدهم فقط أن يضطلعوا بدورهم، لديهم جميعاً وثائق، وسبق أن شاهدوا جرائم القتل العمد المنظمة، ولديهم مقاطع فيديو وصور. كل ما عليهم فعله هو فقط الاضطلاع بعملهم».

«يشبه العيش على قنبلة»

التقت بلاسخارت يوم الخميس الماضي علي السيستاني، رجل الدين الشيعي الأكثر نفوذاً في العراق، الذي دافع عن الاحتجاجات، ووصفها بأنها «شرعية»، ودعا الحكومة إلى «ضبط النفس» في التعامل معها.

وقالت إن رجل الدين العراقي أعرب لها عن قلقه من أن تكون القوى السياسية العراقية «ليست جادة بما يكفي» لتنفيذ الإصلاحات التي طالبت بها الأمم المتحدة، والتي تضمنت تغييرات عاجلة في النظام الانتخابي في غضون أسبوعين، ومحاكمة المسؤولين عن العنف، ومحاكمة مسؤولين فاسدين، وإصدار قوانين لمكافحة الفساد.

 

يدفع الافتقار إلى التفاؤل فيما يتعلق بقدرة الحكومة الحالية على تنفيذ الإصلاحات التي طال انتظارها، متظاهرين مثل علي إلى التعويل على معركة النفس الطويل.

صفاء السراي مع والدته الراحلة (فيسبوك)

يقول علي: «نحن نتظاهر لأن العيش في العراق يشبه العيش على قنبلة: جوع وانفجارات وميليشيات وتهديدات، وكل تلك الثروات التي تُنهب وتذهب إلى جيوب أناس لم يلتحقوا حتى بمدارس، ولم يتلقوا أقل قدر من التعليم».

 

وأضاف أنه مهما استخدمت الحكومة القوة والعنف ضدهم، فإنهم سيظلون متمسكين بموقفهم لأطول وقت ممكن. «كان صفاء آخر شخص غادر ساحة التحرير قبل عطلة زيارة الأربعين، وهذه المرة سنكون نحن أيضاً آخر من يغادر هذا المكان.