الأثنين: 21 مايو، 2018 - 06 رمضان 1439 - 08:09 مساءً
بانوراما
الأحد: 28 يناير، 2018

أسعد زلزلي

شوارع منطقة الكرخ شرق بغداد، تبهر المارة قرب بعض المدارس. فجدرانها ملونة، كأنها حديقة بعد سنوات من رماد الجدران.

منذ ساعات الصباح الباكر إلى المساء، يحمل الفنان التشكيلي وأستاذ الفنون بسام السعد (33 سنة) فرشاته ليزيّن جدران مدرسة كندة للبنات الواقعة في منطقة حي الرسالة بمنطقة البياع في العاصمة، بألوان الطبيعة والأمل.

جدران الأمل: هذا هو مشروعه

بدأ السعد مشروعه التطوعي في الرسم على جدران المدارس في أماكن عدة بالعاصمة بغداد ومناطقها الشعبية، في محاولة لتغيير واقع تلك المدارس وجدرانها التي تغطيها الأوساخ وملصقات الدعايات الانتخابية منذ سنين.

يُعلّم السعد التربية الفنية في مدرسة المساواة الابتدائية بمنطقة المعالف.

يتحدث عن فنّه قائلاً: “انطلق المشروع من مدرستي التي ترهلت جدرانها وشابها البؤس بواقع مرير لا يختلف كثيراً عن حال التعليم اليوم وانتشار الأمية، لأبدأ مع تلاميذي الصغار فصول حكاية جديدة”.

السعي إلى تغيير الواقع اضطره للعمل أياماً طويلة في الرسم حتى في العطل لتجميل جدران المدارس بعد أن اسودّت.

بدأ حلمه يتحقق في المدرسة التي يُعلم فيها، جاعلاً الرسومات تزيّن جدرانها.

 

يقول السعد أنه استنبط الفكرة من إحدى لوحاته التي تحمل اسم طفولة نازحة.

حرمان الأطفال في اللوحة يشبه حرمان تلاميذ مدرسته، وهو ما دفعه إلى تجميل واقعهم. ويعتبر أن محاربة التطرف والجهل اللذين تسببا في تهجير الأطفال ونزوحهم، تبدأ من توفير البيئة المناسبة والملائمة لأطفال اليوم وشباب المستقبل للتعلم بزرع روح الفن والجمال.

“التمست الجمال جلياً في الجدران بعد تزيينها، والتي لم تتأثر كلّها بالمخلفات والأوساخ التي تتكدّس على أرصفة الشوارع”، يقول السعد لرصيف22.

انتشار تجميل الجدران بين المدارس القريبة

ألهمت جدران المدارس التي لوّنها السعد فنانين لتزيين جدران مدارس أخرى، وفق ما يروي سيد مهند العلوي المدرّس في مدرسة ابن يقظان بمنطقة المعالف جانب الكرخ.

يقول العلوي: “مشاهدتي رسومات الأمل التي خط ألوانها السعد على جدران مدرسته، جعلتني أدعوه لنعمل معاً على تلوين جدران مدرستي وإعادة التجربة لما حققته من أثر مميز، وعملنا على خط عبارات تساهم في توعية الطالب وتوسيع مداركه وحثه على التعلم”.

مشروع السعد ورفاقه لا يقتصر على تلوين جدران المدارس وإزالة تراب السنين عن حروف التعليم، بل يتعداه الى الكشف عن المواهب الفنية لدى طلاب تلك المدارس وتنميتها عبر استغلال وظيفته مدرساً واحترافه الرسم.

كبر المشروع بمجهود السعد ورفاقه ممن راقتهم الفكرة وأعانوه في تطويرها ونشرها حتى حطّ رحال رسومات الجدران اليوم بعيداً من الكرخ، ووصل إلى أعتاب متوسطة كندة للبنات في حي الرسالة بمنطقة البياع.

وجد السعد لدى طالبات المدرسة موهبة الرسم، فقرر أن يوظفها في مشروعه.

بدأت الشابات مساعدته في تلوين رسومات امتدت على عشرات الأمتار في جدران سئمت غبار الزمن وتحولاته التي تركت الظروف أثرها عليها.

تقول إسراء (رفضت ذكر اسمها كاملاً)، وهي طالبة في الصف المتوسط الثالث (16 سنة) أنها وجدت متعة في الرسم وتطوير موهبتها التي لطالما حلمت بتنميتها.

“شجعني الأستاذ بسام على تفجير موهبتي وتطويرها بعدما رأيته من مثابرة وروح يمتلكها في العمل لساعات طويلة لتجميل جدران مدرستي الخارجية والداخلية… أشعر بأن ما أمتلكه ليس مجرد أحلام، بل موهبة وجدتها بعد ما ساهمت به من رسوم معه”.

أيقن السعد ومن معه من فنانين وخطاطين وأساتذة أن التغيير يبدأ من الداخل، وأن عليهم أن يفرضوا التغيير الذي يرغبون فيه لا أن ينتظروه من الآخرين.

فالتواريخ تتغير والجدران الرمادية والكئيبة تبقى على حالها، مساهمة في التكوين النفسي لشخصية الأطفال وتعاملهم مع الدراسة.