الثلاثاء: 21 أغسطس، 2018 - 09 ذو الحجة 1439 - 12:59 صباحاً
ثقافة وفن
الأثنين: 29 يناير، 2018

الجزء الثاني

علي شاكر

في مطلع العشرين من العمر، في الساعات الأولى من عامي الثالث والعشرين تحديداً (قررت قوات التحالف أن تشن هجومها علينا في ذكرى يوم ميلادي!) كنت رجلاً ذا ذقن قصير مهمل، يجلس صامتاً بجسد يرتعد برداً وخوفاً وهو يبتهل إلى السماء في سره بأن تمن عليه بميتة غير مؤلمة.

شبكت كفيّ وقمت بتثبيتهما بين ركبتي كي أبدو أكثر تماسكاً أمام عائلتي، رغم حقيقة أن لا أحد كان يرى شيئاً في الظلمة حيث تجمّعنا.

علا صوت بكاء ابنة اختي الرضيعة التي أفزعها دوي الانفجارات. الضغط النفسي المتراكم خلال الأيام والأسابيع والشهور الماضية بلغ مداه ولم يعد من الممكن اخفاؤه. ضمّت شقيقتي طفلتها إلى صدرها بقوة وهي تردّد بما شابه الهذيان:

“حرام، والله حرام، والله حرام!”

تسللت الضوضاء من مذياع أبي العتيد، وددت لو أني حطمت الجهاز اللعين الذي لم ينقطع عن بث الأخبار المشؤومة منذ شرائنا إياه خلال سفرتنا الأخيرة إلى لندن في مطلع الثمانينيات…

الرئيس الأمريكي (جورج بوش الأب) كان يخطب معلناً بدء العمليات العسكرية لتحرير الكويت من قبضة صدام حسين، حرّك والدي المؤشر بحثاً عن بث إذاعة العراق علّنا نفهم ما الذي سيحدث لنا وكيف ستتطوّر الأحداث، كأن زمجرة زجاج النوافذ وومضات الانفجارات البعيدة والقريبة التي أضاءت الغرفة رغم إسدال الستائر لم تكن مؤشرات كافية.

تردّد صوت صدام مرتبكاً وهو يلقي خطاباً بشّر فيه الشعب بالنصر المبين ودحر قوات المعتدي… النصوص المعدّة مسبقاً، المكتوبة بالفصحى، كانت عقبة وتحدياً لقدرات الرئيس اللغوية طالما فشل في اجتيازه.

لا أحد من المحيطين به جرؤ على إبلاغه بضعف أدائه الذي استوى فيه الاستفهام والتقرير، أو لفت انتباهه إلى ضرورة تعديل طريقة لفظه الحروف والكلمات التي كانت تخرج من فيه (وأنفه) مدغمة غير مفهومة بعكس خطبه المرتجلة باللهجة المحلية التي كانت أكثر بياناً وأوضح لدى المُتلقّين.

سماع هراء الرئيس المعهود عبر الأثير كان مؤشراً لعدم إقدامه (بعد) على فعل جنوني لا تحمد عواقبه، الأمر الذي أشعرنا بشيء من الطمأنينة كنا بأمس الحاجة إليها.

مضى والدي في استطلاعه تحليلات الخبراء والمعلقين التي انقسمت واختلفت باختلاف ولاءاتهم… أكد البعض أن الحرب لن تتوقف حتى تطيح بحكم صدام حسين وأن الغارات الجوية سيتبعها حتماً هجوم بري كاسح لن يكتفي بإخراج الجيش العراقي من الكويت بل سيمتد إلى بغداد وسائر أنحاء العراق، وقد يسفر عن إعادة رسم حدوده من جديد.

المواجهة على الأرض كانت ما راهن عليه فريق آخر من المحللين في تحقيق القوات المسلحة العراقية لانتصارات حاسمة ستجبر المهاجمين على إعادة حساباتهم والرضوخ في نهاية المطاف للأمر الواقع.

هيليكوبتر عراقية محطمة في الكويت

على خلفية هدير الصواريخ والطائرات وضجيج نيران دفاعاتنا الجوية وتقارير مراسلي المحطات الإذاعية وهمهمات والدتي بالدعاء وترديدها لآيات من القرآن واصطكاك حبات المسبحة المنسابة بين أصابع والدي وصراخ ابنة أختي الذي رافق دوي الانفجارات، مضت ليلتنا الأولى تحت القصف.

أشرقت الشمس علينا ونحن لا نزال مُتحلّقين حول المذياع، تنبّهنا إلى أهمية تأمين مخزن إضافي من البطاريات الجافة لتشغيل مصابيح الإنارة اليدوية في ظل انقطاع الكهرباء الذي عاد فجأة، فهرعنا إلى شاشة التلفزيون كي نفاجأ بقناتنا الرسمية وهي تعرض أغنيات عاطفية مصورة لمطربين ومطربات من العرب، وكأن لا شيء قد حدث.

بدا لنا ذلك ضرباً من الجنون انصرفنا عنه لإنجاز المهام الأساسية المترتبة على كل فرد منا خلال ساعات نهار الشتاء القصير.

سمعت وقرأت كثيراً عن “الكوميديا السوداء” في كتب الفن والأدب، لكنني لم أفقه تماماً معنى المصطلح حتى حلول مساء السابع عشر من كانون الثاني من عام 1991 عندما أصرّت والدتي بعناد طفولي على الاحتفال بذكرى يوم ميلادي.

على ضوء القناديل، تحلّق أفراد أسرتي حول طاولة غرفة المعيشة التي توسطتها كعكة شوكولاته جرداء (مخبوزة في اليوم السابق) انغرست فيها شمعة وحيدة، وراحوا ينشدون أغنية عيد الميلاد بأصوات ترتجف خوفاً ثم تمنّوا لي سنة سعيدة!

جلسنا نلوك الحلوى بطريقة آلية من دون أن نتذوق من طعمها شيئاً. بعد دقائق قليلة انفجرت والدتي في بكاء حار بسبب غياب أخي الأكبر عن الجمع وانقطاع أخباره منذ بدء القصف…

الجزء الأول من يوميات الحياة في بغداد خلال غزو الكويت وحرب الخليج الثانية: قرع طبول حرب جديدة

محاولات والدي المستميتة ووساطاته كانت قد أتت أكلها وأسفرت عن إبعاد ابنه عن جبهات القتال وإلحاقه بوحدة غير فاعلة في العاصمة كي يمضي فيها خدمته العسكرية الإلزامية بعد تخرجه من الجامعة، لكن الموت المنهمر علينا منذ الليلة الماضية كان كالكوارث الطبيعية، لا يميّز بين وحدات قتالية وسواها، ولا بين عسكريين ومدنيين.

يا الهي! أيكون أخي قد قُتل ونحن لا ندري؟

سمعنا وقع خطوات في الخارج، فهرعنا لاستطلاع هوية القادم، تنفسنا الصعداء عندما طالعنا وجه أخي الشاحب، قمنا باحتضانه وتقبيله، جلس بيننا وراح يمضغ قطعة من قالب كعكة الميلاد هو الآخر ثم أوصى والديّ بأن يعتنيا بي جيداً لو أصابه مكروه وأن يسعيا لإبعادي عن جحيم العراق في أقرب فرصة ممكنة.

أمضينا الأيام التالية في السعي لتوفير مستلزمات العيش الضرورية، صارت الحياة بالنسبة لنا صراعاً وتحدياً للنجاة لمدة أربع وعشرين ساعة، تتجدّد تلقائياً عند انتهاء المهلة.

الكهرباء التي عادت في نهار يوم الحرب الأول غادرتنا بلا رجعة عندما استهدفت الصواريخ تباعاً محطات توليد الطاقة على امتداد العراق، وكذلك شبكة توزيع مياه الشرب.

خزيننا الهائل من المياه نفد سريعاً بعد أن جاءت خالتي وزوجها للإقامة معنا إثر تعرض حيّهما للقصف العنيف. المشكلة ذاتها واجهتنا مع الوقود، فبرد الشتاء كان في أوجه، والمدافئ التي تعمل على الكيروسين والغاز كنا نستخدمها للتدفئة ولتسخين مياه الاستحمام والطهو.

تجدّدت المخاوف من انجرار المواجهة إلى منعطف استخدام الأسلحة غير التقليدية عندما استهدف العراق إسرائيل وبعض دول الخليج بصواريخه البالستية.

دبّ الفزع بين الإسرائيليين وسمعنا في نشرات الأخبار عن توزيع الأقنعة الواقية من الغازات السامة على المواطنين هناك، ضجّ الشارع الفلسطيني في المقابل بالفرح ونقلت تقارير المراسلين أهازيج الجماهير الهاتفة بحياة صدام حسين.

رد الفعل الشعبي الفلسطيني الصاخب كان المسمار الأول في نعش التعاطف العراقي مع “القضية” التي كنا مؤمنين بعدالتها ومستعدين للتضحية بالغالي والنفيس في سبيلها. شعرت كما شعر سواي من العراقيين بحجم الخديعة والخيانة اللتين تعرّضنا لهما من قبل “الأشقاء” في وقت المحنة.

لا أخ حقيقي يرضى التضحية بدم أخيه في سبيل تصفية حساباته الخاصة.

نعم، شعرنا بمرارة وخيبة، لكن الضغينة كانت ضرباً من ضروب الترف لم نكن نملك خيار الانغماس فيه، ونحن نجاهد من أجل البقاء على قيد الحياة.

تأكّد للجميع أن تهديدات الولايات المتحدة بإعادة العراق إلى العصر الحجري لم تكن من باب المبالغة أو التهويل. حياتنا بلا ماء أو كهرباء أو وسائل اتصال، كانت بالفعل شاقة وبدائية، لكن انهماكنا في تأدية مهامنا اليومية لتأمين حاجاتنا البشرية الأساسية كان آلية تشبّثنا بها (بلا وعي أو قرار مسبق) لمواجهة رعب الحاضر وتجّنب التفكير في احتمالات المستقبل المروعة.