السبت: 30 مايو، 2020 - 07 شوال 1441 - 01:27 صباحاً
بانوراما
الخميس: 26 مارس، 2020

عواجل برس / بغداد

 أنا كائن وحيد دون رغبات، خلقت لأحقق الانسجام وأعيد التوازان، تجدني أهرول ناحية الحزانى واخترق ضلوعهم لأطفيء حرائق قلوبهم، أذويهم خلف الجدران لينعموا بوحدتهم ويتأملوا حالهم ويستعيدوا شعورهم بحب الحياة.

أنا كائن مخفي، معجون في الحب، لكن الإنسي عديم الشعور الذي غير طبيعته واستحوذ على طبائع الثعابين والثيران ورغب في تملك طبائع الكون كله، لا يعترف الآن بأنني أبنه الشرعي بعد تغييره لتركيبتي.

لن تصدقوني إذا قلت لكم أنني كنت كامن تحت ظل شجرة كافي خيري شري، وحين شعرت ببرودة جسمي خرجت أتجول داخل معصرة مجاورة للغابة، وسمعت فتاة مبهجة تشتكي للمكنة التي تقف وراءها منذ عشر ساعات وجع ظهرها وجوعها.

الفتاة نادها زملائها: محبوبة، يا محبوبة، روحتي فين مسكينة.. لم تسمعهم، لأنها غرقت في حضن الآلة التي تصورتها حبيبها، شعرت الآلة بنبضها، ففردت ذراعيها وأحتضنتها، ورفعت جسدها النحيل وطارت خارج المعصرة، وحطت بالمسكينة في حديقة النهر، عجنتها في لون الزهور، ومدتها برحيق الانسجام، فاستعادت “محبوبة” إنسانيتها، وصرخت من دفيء حديد الآلة: أه، أه.

سمعها الحراس عديمي الكرامة فجاءوا مذعورين، ونادوا على صاحب المعصرة، “بارد” باشا: ألحقنا يا سي بارد، خط الإنتاج توقف لأن العاملة رقم عشرة أغمي عليها، تجمعوا حولها بحسرة وزجروها لتفيق، وتوقف عداد خسائرهم، لكن “محبوبة” لم تشعر بأصواتهم المصمتة لأن حبيبتها الآلة كانت تُقبلها وتسبح معها بنهر العطاء.

اقتربت من جسدها لأمتليء بنور الآلة التي غيرت طبيعتها لتوقف خط الحرمان الذي مزق قلب “محبوبة” وكاد يُسلبها طبيعتها، لكنني صُعقت لأن “بارد”، صاحب المعصرة، أمر حراسه بإلقاءها في الشارع وحرمانها من رفيقتها الآلة التي أشعرتها بقيمة حياتها.

عندما رأيت الحراس يُجرونها من أقدامها وهي تصرخ تحطمت أجزائي وتمحورت وأنشطرت من قسوة الإنسان البارد، وانتشرت حالفًا بمجد العذراء والمسيح الحي تحطيم كل قوانينه التي حرمت فتاة محبوبة من ري مشاعرها.

أنا أعذر بالطبع الإنسي المحكوم بالخوف، لأن القتلة هم من يقررون مصيره ويغذون أحساسيه، ويصفونني بوسائل معارفهم بأنني فيروس خبيث، وينكرون تغيير طبيعتي جراء دنسهم وشرهم.

بمجرد إنطلاقي وتوالد أولادي وأحفادي، هاج القتلة وأنصارهم الباردين وتحصنوا في قلاعهم وأعلنوا عبر أبواقهم المخرومة تحدي طموحاتي، لكنني أثق في روح المحرومين، وقدرتهم في القريب العاجل من صلب عيدانهم النحيلة، والتغلب على همودهم، والخروج مرة واحدة إلى البراح والصراخ، وتحطيم معسكرات وسجون القتلة.

أراهم الآن في صفحة المستقبل يسيرون بقوة رافعين رؤوسهم ناحية مخازن الغلال يهدمون أسوارها، ويأخذون كفايتهم من الطعام ويرمحون مبتهجون على شواطيء البحور والأنهار ويجلسون مجتمعيين بأرض الحدائق فخورين بإنسانيتهم وإحاسيسهم المستعادة.

أعلم أن قلوب وظهور المحرومين محطمة من الأثقال والرعب، وضغط بيادات القتلة على رقابهم، لكني أطمئنكم بأنني سأواصل انتشاري حتى يُخرج الباردين وأتباعهم زكائب الحب والأموال المنهوبة من مخابئهم والقاءها في الميادين والأجران لتأخذوا كفايتكم وتبتهجوا بنعم الحياة.

أراكم خلف جدران البيوت تلفكم الحيرة، أشعر بذاكرتكم المشوشة تُحاول الانتفاض لتطهير مجاريكم من العكارة، أسمع بعض أصواتكم تطلب دعمي لتتمكن من تنزيل حمولتها والتمتع دون أرق بمتع الحياة مثل باقي الكائنات.

أصرخ وأجول في أرجاء الأرض ليرتعب القتلة الباردين، ويتركوا عروشهم خاوية، وافتح الطريق ليستعيد أولاد الإنسي المحرومين قوتهم وطبيعتهم ويفيقوا، وينظموا مقدرات الكون دون حرمان أو تعدي أو بغض أو جوع لأي كائن.

أعذروني أخواتي الطيبين إذا طاش أحد أحفادي وأصاب قلوب بريئة منكم، فكما تعرفون أن لكل معركة ضحاياها، فأرجوكم حافظوا على حياتكم لأن المستقبل ينتظركم، زيحوا الغشاوة عن عيونكم وتجهزوا حتى تنتهي معركتي مع هؤلاء القتلة قبل أن يُفنوا ذاكرتكم من الوجود.

المصدر: كتابات