الأربعاء: 26 سبتمبر، 2018 - 14 محرم 1440 - 10:43 مساءً
ثقافة وفن
الأربعاء: 21 فبراير، 2018

وئام يوسف

“إنّي أرى الشمسَ على حيطانِها أحسنَ منها على حيطانِ جيرانِها” قولٌ لأعرابيٍّ في عشقِ محبوبتِه، قَرأتُه فأحالَني إلى كلامِ أنسي الحاج في قصيدة له “رأيتُ شمسكِ في كآبة الروح”.

بين الأول والثاني مئات من السنين التي تؤكد أن الحب نورٌ وقوةٌ مؤثرة في الحياة، لا تمشي مع الأيام فقط بل قد تحملُها عندما يطيب الهوى كما تغني أم كلثوم كلمات الشاعر جورج جرداق:

يا حبيبي طابَ الهوى ما علينا لو حملْنَا الأيامَ في راحتينا

وكما هو في الحياة، للحبِّ معجمه الخاص في الفنون والأدب أيضاً، ليكون ثيمةً أساسية في الرواية والشعر والسينما، أعطتها بعداً آخر، عبَّرَ أبطالها خلاله عن مشاعرهم بمفردات وصياغاتٍ تنوعت في شكلها وتقاطعت في جوهرها وغاياتها.

أصول الحُبِّ والمَحَبة

أما المحبة فقيل أصلُها الصفاء لأنَّ العرب تقول لصفاء بياضِ الأسنان ونضارتها، “حَبَبُ الأسنان”. وقيل هي مأخوذة من الحَبِّ جمع حَبَّة، وهو لباب الشيء وخالصُه وأصله. فإن الحُبَّ أصلُ النباتِ والشجر.

وقيل هي مأخوذة من الحُبَّ الذي هو إناءٌ واسع يوضَع فيه الشيء فيمتلئ به بحيث لا يسعُ غيره، وكذلك قلبُ المُحبِّ ليس فيه سعةٌ لغير محبوبه. قيل مأخوذة من الحُبِّ، وهو الخشبات الأربع التي يستقر عليها مايوضَع عليها من جرّةٍ أو غيرها، فسُميَّ الحب بذلك لأن المُحِبَّ يتحمل لأجل محبوبه الأثقال كما تتحمل الخشباتُ ثِقلَ ما يوضع عليها.

وفي كتاب “الحب والجمال عند العرب” يذكر أحمد تيمور “قولهم أحببتُ حبَّاً: الحب ليس بمصدرٍ لأحببتُ، إنما هو عبارة عن الشُغْلِ بالمحبوب ولذلك جاء على وزن مضموم الأول، ومن ثم جُمِعَ كما يُجمَع الشُغل، قال ثلاثة أحباب”.

وأما عن ماهية الحب فكلام الناس فيه مثير حسب مايؤكد ابن الجوزية فقيل هي الميل الدائم بالقلب الهائم، وقيل موافقة الحبيب في المشهد والمغيب، وقيل استيلاء ذكر المحبوب على قلب المُحب، وقيل حقيقتها أن تهبَ كلَّكَ لمن أحببتَ فلا يبقى لك منك شي، وقيل هي أن تمحوَ من قلبك ماسوى المحبوب.

وقال ابن حزم الاندلسي في كتابه طوق الحمامة في الألفة والألّاف: “الحب أَولُهُ هَزْلٌ وآخره جدٌّ، دقَّت معانيهِ -لجلالتها- عن أن تُوصف فلا تُدرَك حقيقتُها إلا بالمعاناة”.

وللحب علامات منها: إدمان النظر إلى المحبوب والإقبال بالحديث إليه، والإنصات إلى حديثه، وتصديقه وإن كذب، وموافقته وإن ظلم، والشهادة له وإن جار.

في الشعر..كلامكِ قرطٌ وخدُّكِ ياقوت

ومما ورد في شعر العرب عن شدة الحب: قول بعضهم “وقد قيل له ما بلغَ من حُبكَ فلانة؟ قال إني أرى الشمس على حيطانها أحسنَ منها على حيطان جيرانها”.

وقال نصر بن الحجاج لامرأة: أُحبكِ حباً لو كان فوقكِ لأظلَّك، أو كان تحتك لأقلَّكِ، أخذه بشار بن برد فقال:

إني لأكتُم في الحشى حُبّاً لها لو كانَ أصبحَ فوقَها لأَظلّها

ويبيتُ بين جوانحي وَجْدٌ بها لو باتَ تحتَ فراشِها لأقلَّهَا

شدةُ الحب تملأُ قلبَ أبي نواس فما يكاد يزيحُ نظره عنها حتى يملأَ قلبَه الشوقُ لرؤيتها:

ما يرجعُ الطَّرْفُ عنها حين أُبصرُها حتى يعودَ إليها القلبُ مشتاقا

الشوق أيضاً يجعلُ صوتَ الحبيب وكلامَه كالقرط الدائم في الأذن، كما يقول بشار بن برد:

ولستُ بناسٍ من يكون كلامُه بأذني وإن غُيِّبْتُ قُرطاً معلقا

أما القبلةُ فكانت مطلبَ المحِبِّ وغايةُ وصله، قال فيها طيفٌ من العلماء، “هي مباحةٌ لمن وصل إلى حدٍّ يخاف على نفسه من التلَفِ في الحين”.

وقالوا “لأن تركها يؤدي إلى هلاك النفس، والقبلة صغيرة، وهلاك النفس كبيرة، وإذا وقعَ الإنسان في مرضَين داوى الأخطر، ولاخطرَ أعظم من خطر النفس، حتى أوجبوا على المحبوب مطاوعة ذلك”

فالحبيب مفتتُ القلبِ بخدِّه كما في قول الشاعر:

يامانعَ القبلةِ من خدّه فتَّتَّ قلبي فهو مفتوتُ

لا تخشَ أنفاسي ولا حرَّهَا فإنما خدُك ياقوتُ

على ضفة ليست ببعيدة كانت القبلة في الشعر الحديث، عطراً لا يزول أثره عن ثغر نزار قباني، بل هو ذائب في قلبه وحنجرته أيضاً:

يا طيبَ قبلتكِ الأولى … يرفُّ بها

شذا جبالي .. وغاباتي … وأوديتي

ويا نبيذيةَ الثغر الصبي … إذا

ذكرتُه غرقتْ بالماء حنجرتي

شاعر الحب والمرأة الذي وصف المحبوبة وعبر عن حبه لها كما لم يفعل أحد فكان حبُّه غابةً تشابكت فيها العواطف والمشاعر، فغدا متيما لا يستطيع العيش دون التي مسكت القلب واللب.

أيا امرأةً تمسك القلب بين يديها

سألتك بالله لا تتركيني

لا تتركيني

فماذا أكون أنا إذا لم تكوني

أحبك جداً

وجداً وجداً

وأرفضُ من نــار حبك أن أستقيلا

وهل يستطيعُ المتيَّمُ بالعشق أن يستقلا

صلاح عبد الصبور لم يكن سندبادا كنزار، لكن الحب عنده قوة تبدد وحشة العمر وسلوى الأيام المعتمة، لحظة جنونٍ تضيعُ أبعادها وفيها ينفرج همُّه المقيم فيشكر السماء على نعمتها.

تباركَ الله الذي قد أبدعكِ

وأحمدُ الله الذي ذات مساء

على جفوني وضعَكِ

وفي الأدب… المُحِبُّ أعمى ووحيد

انشغلت الرواية بالحب وخصصت له معجما اتسم بالتميز والجرأة، فعبر الشخوص عن حالهم بصياغات وسياقات تلامس وجدان القارئ.

شدة الحب وحرقته نسغُ روايةِ “بليغ” للروائي المصري طلال فيصل، التي تحكي حياة الملحن بليغ حمدي، مُركزاً في جزء كبير منها على علاقته بالفنانة وردة التي أحبها درجة أنه أمضى مابقي من عمره بعد طلاقهما يجترُّ أحزانه في ألحانٍ لا تزال حتى الآن علاماتٍ في الحب والشجن.

مما ورد في الرواية عن لسان بليغ “ستنساني ياحبيبي ولن أنساك، لكنّي لستُ غاضبا، المحب لا يغضب. ستنساني وسأذكرك، ستستمر الحياة بدوني.

لكن حين أموتُ وحدي اجمعي حروفَ اسمي الأربعة، وضعي 4 ورداتٍ ياوردتي -ياوردة الحب الصافي- على قبري، واذكري أعمى من العميان عاشَ ومات بلا معنى، أعمى عاش وحيداً ومات وحيدا بلا أنيسٍ ولا جليس، غيرَ حبّكِ المجنون”.

أقوال جاهزة

شاركغرد” أيا امرأةً تمسك القلب بين يديها … سألتك بالله لا تتركيني”، كيف صور العشاق حالات العشق ودرجاته؟

شاركغرد”الحب ليس بمصدرٍ لأحببتُ، إنما هو عبارة عن الشُغْلِ بالمحبوب، ولذلك جاء على وزن مضموم الأول، ومن ثم جُمِعَ كما يُجمَع الشُغل، قال ثلاثة أحباب”

شاركغردهل الحبّ “استيلاء ذكر المحبوب على قلب المُحب”؟ عن البحث في حالات الحبّ في فنون العرب وآدابهم

وفاء بطلة رواية “بائع الفستق” لريم بسيوني- تعيش أيضاً حباً معفماً بالألم لابن خالتها القادم من أوربا حاملاً معه ثقافة وقيماً ضلت طريقها إلى قلب الصبية البسيطة المحافظة، التي كانت ترى ابتسامة أشرف كالتي عند أخناتون، حالمة أن تكون هي الأخرى نفرتيني -زوجة أخناتون-، فتعبر عن حبها له بقولها:

“رأيت رجلَيه تكاد تمتدان إلى السماء، كان طويلاً وأسمر اللون، وجهُه كان نحيفاً وابتسامتُه كابتسامة أخناتون، تلك الابتسامة المتعبة الساخرة.. أشرف داوود أحببتُه حبَّاً غضَّاً وعنيفا”.

في جلسةٍ عفوية وكاشفة بين العجوزين نور الدين بو خالفة وقاسم أمير، بطلَي رواية “حبّ في خريفٍ مائل” لسمير القسيمي، يحكي قاسم عن “لُبنة” المرأة التي قلبت حياتَه يوماً ما، وبثَّت فيها الروح بعدما كانت أيامُه لا تتجاوز السعي لمصدر الرزق بواسطة سيارة أجرة ومضاجعة النساء في دقائقَ خاليةٍ من أيّة عاطفة.

وعندما يسأله صديقه “هل أحببتها؟ يجيب قاسم: بلا شك ولكن ليسَ بسبب ماحدث بيننا في القطار، أنت أعقلُ من أوهمكَ بأنَّ الجنسَ يمكن أن يكون سبباً في الحب، أحببتُها لأنَّ الحياةَ التي عشتها قبلها لم تكن شيئا. أنا وُلدتُ لحظةَ دخلتْ حياتي، ولم أبدأ في السير إلا حينَ عادت إليها بعد سنةٍ كاملة منذ لقائنا في الحظيرة”.

وفي السينما.. “الصنف المليان هو اللّي يتحب”

عبر تاريخ السينما العربية كان الحب ثيمة أساسية لأفلام كثيرة، بقيت مشاهدُها عالقةً في الذاكرة لما حملته من تعابير وعواطف واقعية وطرح مغاير لجدلية العلاقة بين الحب والحياة. نذكر منها:

علاقة حب تورط أصحابها بين ثالوث الزواج والحب والصداقة لتضيعَ إلى غير رجعة كما يقول عنوان الفيلم “الحب الضائع” 1970.

يسبق ذلك وفي أحد المشاهد طلبُ مدحت -رشدي أباظة- من ليلى -سعاد حسني- ألَّا يُنكرَا حقيقة حبِّهما، وأن يواجها به زوجته سامية -زبيدة ثروت- لتطلب ليلى منه الابتعاد، معللةً بأنها ورغم ما تحمله له من حبّ جارف، عذابُ الضمير لا يفارقها اتجاه صديقتها -زوجته- التي كانت دوما مخلصة ومحبة لها.

تستحضر الناقدة ماجدة خير الله المشهد مضيفة لرصيف22 أن ليلى تبعث برسالة إلى مدحت تقول فيها:

“مدحت لم أدبر أنا ولم تدبر أنت أن يميل أحدنا إلى الآخر، ولكنه القدر، أراد لنا هذا الحب المفاجئ على غير موعد، مدحت خذ بيدي وعُد بي إلى العقل والضمير، أن أبقى وفية لصديقة طفولتي التي فتحت لي بيتها وقلبها وأعانتني على أحزاني، لم تبقَ لي قوةٌ أقاومك بها، الموت أهون من أن أخون صديقتي”.

“الفقرا يتحبو على إيه ..الصنف المليان هو اللّي يتحب”، يقول رجب لحميدة في أروع مشاهد الحب الذي صهره الفقر والغضب خلال فيلم “صراع في المينا” 1956.

يعود رجب -عمر الشريف- بعد 3 سنين شقاء بعيدا عن محبوبته -فاتن حمامة-، ليجد الاستلطاف يلوِّح بينها وبين ممدوح -أحمد رمزي-، الأمر الذي لم يحتمله فيضربها ثم يتابع موجها كلامه لأمه -فردوس محمد- قائلا إنه كان يعمل كالعبيد لأجل حميدة لكنها فضلت عليه ممدوح، الذي يراقصها التانغو ويقدم لها ما تشاء أما هو فلا يملك سوى الحب.

الناقد طارق الشناوي يعرّج بنا على الفيلم التونسي “وتزوج روميو جولييت” 2014 للمخرجة هند بوجمعة، تحديدا مشهد رحيل الزوج الذي يفجر حزن الزوجة ووحبها، بعد حياتهما لنصف قرنٍ كان كفيلا بإطفاء وهج الحب الذي جعلهما كروميو وجولييت بداية زواجهما.