الجمعة: 16 نوفمبر، 2018 - 07 ربيع الأول 1440 - 04:31 مساءً
دفاتر
الأحد: 28 أكتوبر، 2018

عواجل برس/متابعة 

 

كانوا “مصرّين على الموت”، تخليداً لكربلاء: ثورة التوابين التي تلاشت من الذاكرة الشيعية

“التوابون” أحدُ الحركات التي عُرفت واشتُهرت، وكانت أولى الثورات التي أعقبت مذبحةَ كربلاء.

 

ما هي الظروفَ التي أحاطت بتلك الثورة، وكيف جرت، ومن أهم قادتها؟ فيما يلي نحاول الإجابة عن ذلك وعما نتجَ عنه من أحداثٍ تركت أثارَها وصبْغتَها على الفكرِ السياسي الإسلامي.

 

 

ما بعد كربلاء.. الفوضى السياسية تجتاح دولة الإسلام

في العاشر من محرم 61هـ/ 12 أكتوبر 680م، وقعت مذبحةُ كربلاء، حينما راح الحسينُ بن علي ومجموعةٌ كبيرةٌ من أهله وأقاربه وأنصاره ضحيةً لحربٍ غيرِ متكافئةٍ ضدَّ القواتِ الأموية بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص.

 

استشهادُ الحسين بتلك الطريقة الدامية، سبَّبَ وقوعَ زلزالٍ هائلٍ في جنباتِ الدولةِ الإسلامية، سرعان ما تلته مجموعةٌ من التوابع التي ظهرت أثارُها ونتائجها في الحواضر والعواصم الإسلامية الكبرى.

 

في مكة، انتهزَ عبدُ الله بن الزبير الفرصةَ المواتية، معلناً عن خلعِه طاعةَ الأمويين، ودعا المسلمين لمبايعته، فاستجابت له مجموعةٌ كبيرةٌ من أشرافِ الحجاز، الذين كانوا غيرَ موالين للبيت الهاشمي، وفي نفس الوقت لا تتفقُ مصالحُهم مع التوجهات الأموية.

 

أما في المدينة، فقد أعلن العديدُ من أبناء الأنصارِ عن ثورتهم، مدفوعين في ذلك بسخطِهم ورفضِهم لما جرى في كربلاء، فأرسل لهم الخليفةُ الأموي يزيد بن معاوية، جيشاً كبيرَ العدد بقيادةِ “مسلم بن عقبة المري”، استطاعَ أن يقضيَ على الثورة بعد قيامه بعددٍ من المجازرِ الدمويةِ التي أسهبت المصادرُ التاريخيةُ الإسلاميةُ في وصفها.

 

في دمشقَ نفسِها، تطورت الأحداثُ بسرعةٍ، فيزيد الذي لم يتورع عن سفك الدماءِ في كربلاء والمدينة ومكة، توفي بشكلٍ مفاجئ في 64هـ/ 683م، أثناء محاصرةِ جيشه لعبد الله بن الزبير في مكة، لتؤولَ السلطةُ إلى ابنه معاوية، لكن الفتى الذي لطالما عُرف بزهده وورعِه وبعده عن شؤون الحكم، تنازلَ عن الخلافة ورفضَ أن يعهدَ بها لأحد من أقاربه.

 

وسطَ تلك الظروف العصيبة، آل الحكمُ إلى مروان بن الحكم، الذي المؤيَّد بقبائل اليمنية حرباً ضد الضحَّاك بن قيس -والي الشام المُعيَّن من قبل عبد الله بن الزبير-في موقعة مرج راهط 64هـ/ 683م، التي رغم قلةِ أعداد المتقاتلين بها، إلا أنها أمَّنت للأمويين السيطرةَ على بلاد الشام كلِّها، بعد انتصارهم فيها.

 

غردتميزت حركةُ التوابين بزخمها العاطفي، كما جرت بعيداً عن السياقِ المذهبي الخالص، ما يفسرُ سببَ تراجعِ مكانتها في الذاكرة الشيعية الجمعية

 

غردحركة التوابين، أول ثورة قامت عقب مذبحةِ كربلاء، كيف جرت ومن قادها، وما آثارها على الفكر السياسي الإسلامي؟

 

وعلى عكسِ مآلاتِ الأحداثِ في بلاد الشام، فقد سقطت الكوفةُ في قبضة ابن الزبير، بعدما انسحب منها واليها الأموي عُبيد الله بن زياد، هكذا اقتسمَ الزبيريون والأمويون السلطةَ في العالم الإسلامي، وبقيت حدودُ سيطرتهما خاضعةً للمدِّ والجذر، فيما بقي الشيعةُ يلعقون جراحَهم الغائرةُ محاولين الاستفاقةَ من الصدمة الهائلة التي تعرضوا لها في كربلاء.

 

التوابون والترابيون.. كيف تشكلت الحركة؟

كان أهل الكوفة هم أكثر من فُجعوا وتألموا عقبَ مقتلِ الحسين بن علي، ذلك لأنهم كانوا هم الذين راسلوا حفيدَ الرسول ووعدوه بالنصرة والتأييد والقتال في صفِّه ضد الأمويين، موقف سرعان ما تمت صياغته في قالب “الندمِ والحسرة” لتخاذلِهم عن نصرته، فحاول عدد منهم البحثَ عن سبيلٍ للتكفير عن ذنبه وغسل يديه من دم ابن بنت رسول الله.

 

بحسب ما يذكر كلٌ من اليعقوبي في تاريخه، والطبري في تاريخ الرسل والملوك، فقد كانت تلك المشاعرُ ذات النزعة التطهرية، سبباً في تجميع عددٍ كبيرٍ من رجال الكوفة، عُرفوا باسم “التوابين”، لأنهم كثيراً ما كانوا يرددون في مجالسهم في سورة البقرة “فتوبوا إلى بارِئكمْ فاقتلوا أَنفسكم ذلكم خير لَكم عندَ بارِئِكم فتاب عليكم إِنَّه هو التَّواب الرحِيم”.

 

“الترابيون” اسم آخر للتوابين، لشدةِ تعصبِهم وتشيعهم لـ”علي بن أبي طالب” وبنيه من بعده، و”أبا تراب” كانت الكنيةُ الغالبة على علي، اشتُهِرَ بها دوناً عن باقي الصحابة والمسلمين

 

ويطلقُ المسعودي في كتابِه “مروج الذهب ومعادن الفضة” اسماً آخر على تلك المجموعة، وهو اسم “الترابيون”، لشدةِ تعصبِهم وتشيعهم لعلى بن أبي طالب وبنيه من بعده، حيث عُرِفَ أن “أبا تراب” كانت هي الكنيةُ الغالبة على علي، واشتُهِرَ بها دوناً عن باقي الصحابة والمسلمين.

 

بحسب ما يذكرُ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي في كتابه “الشيعة العربية والزيدية”، ابتدأت اجتماعاتُ التوابين بعد مقتلِ الحسين بمدةٍ قصيرة، وكانت تتمُّ بشكلٍ سري في البداية، خوفاً من الأمويين وعاملُهم في الكوفة عُبيد الله بن زياد.

 

وبعد وفاةِ الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، أصبحت الفرصة سانحةً أمام التوابين للجهرِ بدعوتهم، خصوصاً أن القبضةَ الأموية على الكوفة قد ضعُفَت عقب إعلانِ عبد الله بن الزبير نفسَه خليفةً للمسلمين.

 

ابتدأت اجتماعاتُ التوابين بعد مقتلِ الحسين بمدةٍ قصيرة، وكانت سريةً في البداية، خوفاً من الأمويين، وبعد وفاةِ الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، بدؤوا بإعلان دعوتهم

 

أمام تلك المتغيراتِ السريعة، دعا التوابون إلى الأخذ بثأرِ الحسين بن علي، وانضم لهم الكثيرُ من الرجال، ورفعَ هؤلاء شعارَ “يا لثارات الحسين”.

 

توازياً مع تلك الأحداث، بعث ابنُ الزبير “عبدَ الله بن يزيد الأنصاري” والياً من قبله على الكوفة، ولما كان ابن يزيد يعرف نيةَ التوابين لقتالِ الأمويين، لم يحاولْ أن يصطدمَ معهم.

 

ويظهر ذلك بوضوحٍ فيما ذكره الطبري، أنه عندما حاولَ بعضُ وجهاء الكوفة أن يؤلبوا عبد الله بن يزيد لقتال التوابين، كان ردُّه عليهم “الله بيننا وبينهم إن هم قاتلونا قاتلناهم وإن تركونا لم نطلبهم وليس لدينا ما يمنعُ خروجَهم على من قاتلَ الحسين”.

 

على الجانب الآخر، كان التوابون مترددين كثيراً في الهدف المفترض أن يجعلونه أمامهم، فبحسب ما يذكرُ المستشرق الألماني يوليوس فلهاوزن في كتابه “أحزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الإسلام”، فبعضَهم كان يرى أنه من الأولى التخلصُ من الأشراف الكوفيين الذين ساهموا كثيراً في هزيمةِ الحسين وتفريقِ الناس عنه، بينما فريقٌ آخر منهم رأى أن هدفَهم الرئيس الأمويون الذين قتلوا الحسين وأهلَ بيته في كربلاء.

 

وقد حسمَ سليمانُ بن صرد الزعيم الأكبر للتوابين هذا الخلاف، وأعلن أنَّ قتال الأمويين مقدَّمٌ على قتال غيرهم وعزمَ على أخذِ الثأر منهم.

 

زعيم الحركة

على عكس معظمِ الحركات والثورات الشيعية والعلوية الواقعةِ في التاريخ الإسلامي، لم يكن لحركة التوابين قائدٌ واحدٌ مميز، بل أُديرَت من قبلِ مجموعةٍ محددةٍ من الرجال، هم بحسب ما اتفقت المصادرُ التاريخيةُ على تسميتهم: سليمان بن صرد الخزاعي، المسيب بن نجبة الفزاري، عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، عبد الله بن وال التميمي، ورفاعة بن شداد البجلي.

 

الملمحُ المشتركُ في الرجالِ الخمسة، أنهم كانوا جميعاً من شيعةِ علي بن أبي طالب، ممن اشتركوا معه في القتال ضدَّ أعدائه زمن خلافته، ويعتقدون في أحقيّة أبنائِه في الحكم وتولّي الخلافة.

 

ورغمَ إقرارِ مبدأ تشاركيةِ السلطة والقيادة بين الرجال الخمسة، إلا أن سليمان بن صرد، استحوذَ المكانةَ الأهم والنفوذَ الأقوى بينهم، فبحسب ما يذكرُ ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ”، فإنه كان صاحبَ الدعوةِ الأولى للنهوضِ للثأر من قتلةِ الحسين، عندما خاطب شيعةَ الكوفة قائلاً:

 

“إنا كنَّا نمد أعناقَنا إلى قدومِ آل نبينا ونمنيهم النصرَ ونحثُّهم على القدومِ فلما قدموا ونينا وعجزنا وادهنا وتربّصنا وانتظرنا ما يكون… اشحذوا السيوفَ وركّبوا الأسنَّةَ وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيلِ حتى تدعوا حين تدعون تستنفرون”.

 

ورغم أن الكثير من علماء الشيعةِ على مرِّ التاريخ قد وجهوا لسليمانَ تهمةَ خذلان الحسين والهروبِ من المعركة في كربلاء، عددٌ قليلٌ منهم قد حاول أن يدفعَ عنه تلك التهمةَ.

 

منهم على سبيل المثال الشيخُ الشيعي عبد الله المامقاني، في كتابه “تنقيح المقال في علم الرجال”، يذهبُ إلى أن سليمانَ بن صرد، كان محبوساً في سجن عُبيد الله بن زياد وقتَ وصول الحسين إلى كربلاء، في محاولةٍ منه لدفع تهمةِ التخاذل عن سليمان وقادة التوابين.

 

لكن رأيَهُ يفتقرُ الانتساب إلى أيّ مصدرٍ تاريخيّ موثق، كما يتعارضُ مع كثرة الروايات التي تحكي عن ندم سليمان وأصحابه، وإصرارهم على التوبة عن نكوصهم عن نصرة الحسين.

 

التحرك لأخذ الثأر

في أول ربيع الثاني عام 65هـ/17 نوفمبر 684م، تجمع التوابون في منطقة النخيلة، الواقعة قربَ البصرة، بحسب ما يذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان، وهناك وجَّهَ سليمان بن صرد الدعوةَ إلى جميع الشيعة في العراق للانضمام لحركتِه، ورغم أن ما يقربُ من ستة عشر ألفاً من الشيعة قد أرسلوا معلنين عن نيتهم للاشتراك في الحركة والالتحاق بركابها، إلا أن ربعَهم فقط قد حضرَ إلى معسكر النخيلة، بحسب ما يذكر ابن الجوزي في كتابه “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم”.

 

بعد بضعة أيامٍ توجه التوابون إلى كربلاء فأمضَوا ليلتَهم عند قبر الحسين وأخذوا العهودَ والمواثيقَ على أنفسهم، ثم انطلقوا إلى منطقة عين الوردة، وبحسب ما يذكر ابن كثير في البداية والنهاية، فإنه وبعد خمسةِ أيامٍ من الانتظار، تلاقى التوابون مع الجيشِ الأموي الذي يقوده عُبيد الله بن زياد.

 

ويذكر المسعودي، أن عدد التوابين في تلك المعركة لم يزِدْ عن أربعة آلاف رجل، بينما فاقَ عددُ مقاتلي الجيش الأموي الثلاثين ألفاً.

 

وقد سبقَ المعركة عددٌ من محاولات التفاهم بين الجانبين، فطبقاً لما يذكره أبو النصر محمد الخالدي في كتابه “توابع الفتنة الكبرى” حاولَ الجيشُ الشامي قبلَ المعركةِ إقناعَ التوابين بترك القتال، والتوابون من جهتهم، طلبوا من أهل الشامِ أن يخلعوا عبد الملك بن مروان من الخلافة ويقدموا عُبيد الله بن زياد للاقتصاص منه، وأنهم في المقابل سوف يبرئون من حكم عبد الله بن الزبير، ويردُّون أمرَ الخلافة إلى أهل بيتِ النبيّ.

 

ولما كان من الطبيعي أن يرفضَ كلا الطرفين شروط الآخر، فقد ابتدأ القتال بينهما، ورغم التفوق النسبي للتوابين في أول المعركة، إلا أن الجيشَ الشامي استطاع أن يسيِّرَ المعركةَ لصالحِه بعد ذلك خصوصاً بعد مقتلِ زعيم التوابين سليمان بن صرد، ورغم وضوحِ النهاية المحتومة للمعركة فإن معظمَ التوابين قد استمروا في القتالِ حتى النهاية ولم يتراجع منهم إلا القليل.

 

حركة التوابين.. زخمٌ عاطفي بعيد عن السياق المذهبي

الملاحظةُ الأولى اللافتة للنظر في ثورة التوابين، أنها كانت حركةً عاطفيةً في المقام الأول، فلمّا كان الدافعُ الرئيسُ لتلك الحركة، هو التكفيرُ عن قتل الحسين، فإن قادةَ الحركة لم يضعوا خططاً استراتيجيةً واضحةً لحركتهم، ولم يهمهم سوى الانتقام من الجيش الأموي، وكان في ذلك تغليبٌ للنواحي العاطفية على الأخرى الواقعية.

 

السبب الذي دعا الكثيرَ من الباحثين، لأن يروا في حركة التوابين، المصدرَ التاريخي الأول الذي استمَدَّت منه الشعائرُ الحسينية زخمَها العاطفي والمعنوي.

 

 

من هنا نفهم السببَ الذي دعا الكثيرَ من الباحثين، لأن يروا في حركة التوابين، المصدرَ التاريخي الأول الذي استمَدَّت منه الشعائرُ الحسينية زخمَها العاطفي والمعنوي.

 

والظاهرُ أن الروايات التاريخية العديدة التي وصلت إلينا عن أحداث تلك الفترة، تصوّر التوابين، بعد أن انتهت حركتهم وفشلت، على أنهم كانوا مصرين على الموت، وليس فقط القتال. فنرى أنّ ابن الأثير يذكر في كتابه الكامل في التاريخ، إنّ والي الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي حاولَ استمالتهم إلى جانبه، بحيث يقاتلُ الطرفان مع بعضهما ضد الأمويين، كما دعاهم والي قرقسيا إلى التحصن في مدينته، ويحارب معهم الأمويين، عندما يقتربوا منهم، لكن كل تلك المحاولات بائت بالفشل، فقد سيطرت عقليةُ الانتقام والاستشهاد على التوابين بشكل كامل.

 

الملاحظة المهمة الثانية التي يجب الإشارة إليها، تتمثل في أن تلك الحركةَ لم تستند إلى أية مرجعيةٍ شيعيةٍ قائمةٍ في وقتها، حيث لم يُنقل لنا في أي من المصادر التاريخية المعاصرة لتلك الفترة، أن زعماء التوابين قد حاولوا الاتصالَ بعلي زين العابدين، الابن الوحيد للحسين، الذي بقي حياً بعد كربلاء.

 

في الوقت نفسه لم يرجع التوابون إلى محمد ابن الحنفية، الذي كان أكبر أبناء علي بن أبي طالب تلك الفترة، من هنا نفهم أن المؤرخين لم يجدوا طريقة لتصنيف الحركة في السياقِ المذهبي الخالص، وربما يفسر ذلك السبب في تراجعِ مكانتها في الذاكرة الشيعية الجمعية، بعكس حركة المختار الثقفي التي ستقع أحداثُها فيما بعد، وستحتلُّ مكانةً مهمةً في التراث السياسي الشيعي.