الجمعة: 22 نوفمبر، 2019 - 24 ربيع الأول 1441 - 05:48 مساءً
ثقافة وفن
الخميس: 29 أغسطس، 2019

سعاد أدهم

 

أثار المسلسل الإيراني “كاندو”، من إخراج جواد أفشار وإنتاج مجتبى أميني، والذي انتهى عرضه مؤخراً على القناة الإيرانية الثالثة، حفيظةَ حكومة الرئيس حسن روحاني، لتناوله موضوعاً أمنياً حساساً برواية أحادية الجانب، وجّهت أصابع الاتهام إلى مسؤولين في الحكومة، مصورةً الحرس الثوري كبطلٍ وحيدٍ للشعب.

 

عبر منصات مختلفة يصعب تمييز من يموّلها، يقدّم الحرس الثوري أفكاره كبطلٍ من الشعب وللشعب، كما ظهر في المسلسل الجدلي الأخير “كاندو” والذين أخذ اسمه من التمساح الإيراني الشهير كاندو، الآكل لكل شيء والاجتماعي بطبعه، فيعيش قرب الناس لكنه يصبح مفترساً إذ ما تعرض للأذية، هكذا أراد القائمون على المسلسل إظهار الحرس الثوري كالتمساح كاندو (بالعربية المَجّار)، ماهر بالتربص لفريسته ولا يصعب عليه أحد.

 

تاريخ من استثمار الحرس الثوري للشاشات

الضجة التي انطلقت مع عرض الحلقات الأولى من المسلسل اختلفت عن الأعمال السابقة المشابهة لها، وذلك لنجاح العمل التلفزيوني، من حيث الأداء والعرض والتقنيات المستخدمة والحوارات الجذابة، فكان أفضل من تجارب سينمائية مشابهة له، كفيلم”القلائد الذهبية” عن أحداث ما يُعرف باسم “الثورة الخضراء 2009” من إخراج أبو القاسم طالبي، والذي عُرض في صالات السينما الإيرانية مطلع عام 2012، وفيلم “سيانيد” إنتاج عام 2015، عن أنشطة منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، من إخراج بهروز شعيبي، و الفيلم الوثائقي “الطريق الذي طوي” عام 2018، من إخراج علي ملاقلي بور، حيث تناول حياة السياسي الإيراني مهدي بارزكان بطريقةٍ أثارت جدلاً واسعاً في البلاد، واعتبره الكثير من النقاد خيانةً تاريخية، والفيلم الوثائقي “قائم مقام” 2018، من إخراج محمد علي صدري نيا، الذي يتناول حياة السياسي آية الله حسين علي منتظري، وواجه انتقاداتٍ واسعةً أبرزها اعتراض ابنه أحمد منتظري.

 

يتميز العمل التلفزيوني “كاندو” الذي صُوّر في إيران وتركيا، بتناوله لملفٍّ أمني حساس وشخصيات سياسية لا زالت قائمة على رأس عملها.

 

الصحافة وتهمة التجسس

يتميز العمل التلفزيوني “كاندو” الذي صُوّر في إيران وتركيا، بتناوله لملفٍّ أمني حساس وشخصيات سياسية لا زالت قائمة على رأس عملها، يحكي المسلسل قصة القبض على الصحفي الإيراني الأمريكي جيسون رضائيان (مواليد 1976)، مدير مكتب صحيفة “واشنطن بوست” في طهران، ويعمل ضمن ترخيص من وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي في إيران، لكنه اعتُقل ما بين 22 تموز/ يوليو 2014 حتى 16 كانون الثاني/ يناير 2016، وجهت له السلطات القضائية في إيران تهمة التجسس والدعاية ضد النظام الإيراني، وتحدث الإعلام الإيراني آنذاك عن تهمة جمع المعلومات وتدريب الصحفيين وإعداد التقارير عن إيران، ثم التعامل مع وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA، طالبت الولايات المتحدة الأمريكية بالإفراج عن رضائيان مراراً، وانتهى الأمر لتوقيع صفقة تبادلٍ تقاضت فيها إيران مبلغ 1.7 مليار دولار، مقابل تسليمها لأربعة سجناء مزدوجي الجنسية، كان أشهرهم رضائيان.

 

لم يكن رضائيان الصحفي الأول الذي يُتهم بالتجسس في إيران، ما يجعل الشارع الإيراني يشكّك بنزاهة القضاء والأجهزة الأمنية، فلقد سبقه إلى السجن وتهمة التجسس عدد من زملائه منهم “ركسانا صابري”، الإيرانية الأمريكية مراسلة “بي بي سي”، ومازيار بهاري، الإيراني الكندي مراسل “نيوزويك” ورضا رفيعي فروشاني، الإيراني مراسل مجلة “تايم”.

 

رواية “كاندو” العاطفية عن ملف رضائيان

في بداية عرض مسلسل “كاندو” ذكر القائمين عليه أن أحداثه مأخوذة عن قصة حقيقة، لكن بعد الجدل الذي أثير حول المسلسل، تراجع كاتب المسلسل آرش قادري، ليقول إن 80% من أحداث المسلسل خيالية، محاولاً تجنيب المسلسل تبعاتٍ قضائية محتملة.

يستعرض المسلسل بطولات جهةٍ أمنيةٍ إيرانية في الكشف عن عملية سرقة أموال، يقوم بها ابن أحد المسؤولين في إيران، لتظهر هذه الجهة أمانتها في الحفاظ على أموال الشعب، تمضي أحداث المسلسل وتتشابك في عرضٍ يمكن وصفه بالذكي، مع وجود أخطاء وهفوات في المعلومات أشار إليها النقاد، لكن الأداء الجيد والحبكة القوية للمسلسل جذبت المشاهدين لمتابعته، ليكتشفوا لاحقاً أن هذه الجهة الأمنية ليست وزارة الأمن الإيراني، بل جهة أمنية أخرى، هي دون شك، جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري والذي يعمل بمعزلٍ عن الحكومة.

 

تُظهر أحداث المسلسل الصراع بين هذه المؤسسة ونظيرتها في حكومة الرئيس روحاني، حيث تعتقل هذه الجهة الجاسوس مايكل هاشميان، وهو الاسم الذي اختاره كاتب السيناريو لجيسون رضائيان، ثم تطالب شخصيات من حكومة روحاني هذه الجهة بإطلاق سراحه للحفاظ على سير المحادثات مع الغرب عشية الاتفاق النووي، يطعن المسلسل بحكومة روحاني، ويركّز على الملفات الأمنية التي وُجهت لبعض أفراد عائلة روحاني وملفات المسؤولين مزدوجي الجنسية.

 

في بداية عرض مسلسل “كاندو” ذكر القائمين عليه أن أحداثه مأخوذة عن قصة حقيقة، لكن بعد الجدل الذي أثير حول المسلسل، تراجع كاتب المسلسل آرش قادري، ليقول إن 80% من أحداث المسلسل خيالية، محاولاً تجنيب المسلسل تبعاتٍ قضائية محتملة.

 

توقيت عرض “كاندو”، بعد فشل الاتفاق النووي وانسحاب أمريكا منه والضغوط الاقتصادية على طهران، مهم جداً بالنسبة للحرس الذي استمرّ طيلة سنوات المحادثات بالطعن بالغرب ومن يرغب بالاتفاق معه من الداخل الإيراني.

 

ماذا يريد “كاندو” أو الحرس الثوري أن يقول؟

توقيت عرض مسلسل “كاندو”، بعد فشل الاتفاق النووي وانسحاب أمريكا منه والضغوط الاقتصادية على طهران، مهم جداً بالنسبة للحرس الذي استمرّ طيلة سنوات المحادثات بالطعن بالغرب ومن يرغب بالاتفاق معه من الداخل الإيراني، فتأييد المرشد الإيراني علي خامنئي، للمحادثات تزامن مع تصريحاتٍ أخرى تحذر من الوثوق بالغرب، واليوم انتهت جولة الانتصار النووي التي اعتبرت أكبر نجاح لحكومة روحاني، وبدأت منذ سنة جولة حرق الأوراق واحدة تلوى الأخرى.

 

الإعلام التابع للحرس الثوري يعيد في مسلسل “كاندو” ما عرضه في فيلمين وثائقيين هما “تورنتو 521” و “خارج الرؤية”، الذي تم إنتاجهما خلال السنتين الماضيتين، لكن بإمكانيات أضعف ودون ترويج واضح، وبالطبع بقيا بعيدين عن الشاشة الفضية التي تلعب الدور الأبرز في إيصال نفس الرسالة.

“الحرس الثوري الإيراني، هو المكوّن الإيراني الأصيل الوحيد الذي كان يقظاً طيلة تلك السنوات، وهو الفرس الوحيد الذي يمكن التعويل عليه لاحقاً” هذا ما أراد المسلسل “كاندو” إيصاله إلى الناس بأي ثمن، فشوّه الحكومة وشوّه المجتمع المدني، من صحفيين ونشطاء في مجال البيئة والجمعيات الخيرية والفنانين وغيرهم، في عملٍ تلفزيوني بدا احترافياً… فهل ينجح؟ وهل يكسب قلب الجمهور؟