الثلاثاء: 7 يوليو، 2020 - 16 ذو القعدة 1441 - 12:33 مساءً
سلة الاخبار
الثلاثاء: 3 مارس، 2020

كريم شفيق

صحافي وكاتب مصري

مع الانتهاء من الانتخابات التشريعية الإيرانية والتي شهدت نسبة مشاركة لم تتجاوز الـ 40%، بحسب وكالة أنباء “فارس”، وهي النسبة الأقل في تاريخ حكم الجمهورية الإسلامية، على مدار أربعة عقود، رغم ما شهدته الانتخابات الأخيرة من شحن وتعبئة هائلة على مستوى الخطاب السياسي، فإنّ الطابع العام الذي يتخذه المجلس الجديد يتمثل في تمدد القوة الصلبة داخل النظام، وتنامي نفوذ الجناح الأكثر تشدداً وراديكالية داخل المؤسسة الخمينية، وفي مقدمتها رموز الحرس الثوري الإيراني، الذين يحتلون 123 مقعداً في المجلس.

 

بيد أنّ المجلس الجديد يكشف عن الطبيعة الحقيقية للنظام الخميني، المتمثلة في أنّه من أنظمة الحكم النموذجية في العالم الثالث، الذي يعمد إلى الاستناد الكامل على الأجهزة الأمنية والعسكرية في دعم النظام، مع “لمعة” أيديولوجية طفيفة، بحسب الكاتب الإيراني، أمير طاهري، في تعليقه على نتائج الانتخابات في زاويته الأسبوعية بجريدة “الشرق الأوسط” اللندنية، حيث جرى تهميش ما يسمى بتيار المعتدلين والإصلاحيين داخل النظام، بينما في واقع الأمر، يمكن اعتبار هذه الخطوة نهاية فعلية، وغير معلنة، لإدارة الرئيس حسن روحاني، حتى برغم أنه من غير المرجح أن يتخذ الخطوة الكفيلة لحفظ ماء وجهه أمام شعبه، والتنحي عن سدة الحكم والرئاسة.

 

 إيران بين فيروس الفساد وفيروس كورونا
ويلفت طاهري إلى أنّ أنماط التصويت في الانتخابات الإيرانية، تبرز أنّ المقاطعة كانت أعمق تأثيراً بين جموع الناخبين الأكثر فقراً، في حين شهدت الطبقة الوسطى الإيرانية الجديدة التي نشأت في أعقاب الثورة نسبة إقبال معتبرة؛ وهو ما يمكن توصيفه بـأنّ الجمهورية الإسلامية وفقاً لهذا المقياس، يمكن أن تعتبر نفسها منبوذة على نحو واضح من قبل فئة المستضعفين أو الجماهير الفقيرة التي لا تكف الزمرة الإيرانية الحاكمة عن الادعاء بأنها تمثلها وتعمل لأجلها.

 

هل هي نهاية تيار المعتدلين في طهران؟
كما أنّ الإجراءات التعسفية التي سبقت الانتخابات التشريعية، والممثلة فيما قام به مجلس صيانة الدستور، المسؤول عن مراجعة طلبات الراغبين في الترشح؛ حيث عمد إلى استبعاد ترشّح نحو 6850 شخصاً من التيار المعتدل، بينما لم يسمح لنحو ثلث النواب الحاليين بالترشح مجدداً، ظل يرجح هذا الاتجاه الذي أسفر عن صعود قوي للمتشددين وجناح الصقور، ومزيد من القمع والتصعيد الخارجي، فضلاً عن فرض طبيعة واحدة ومتجانسة للنظام، تخضع فيها كافة المؤسسات الرسمية والعقائدية إلى الحرس الثوري الإيراني، في سبيل عسكرة الثورة والدولة، ومن ثم، إنهاء تلك الازدواجية المستمرة منذ أربعة عقود.

وبحسب تصريحات المجلس الصريحة؛ فقد كشفت قبل الانتخابات أنّ البرلمان القادم، والذي يحمل اسم “مجلس الشورى الإسلامي”؛ “لن يكون فيه مكان لمن يخشون التحدّث ضدّ الأعداء الأجانب، وأنّ الاقتراع واجب ديني ووطني، ووسيلة لهزيمة الأعداء”.

 

وعليه، فرضت الولايات المتحدة عشية الانتخابات التشريعية عقوبات على خمسة مسؤولين في مجلس صيانة الدستور، على خلفية استبعاد آلاف المرشحين للانتخابات، ومن بين المشمولين بالعقوبات؛ رئيس المجلس، آية الله أحمد جنتي، والمتحدث باسم المجلس، عباس علي كدخدائي، وعضو مجلس خبراء القيادة الإيرانية، محمد يزدي.

 

إذاً، ثمة محاولة لتقويض فرص الإصلاحيين داخل النظام الإيراني، كما يبدو أنّ محاولات إضعاف سياسات روحاني تتزايد، في ظلّ التناقضات التي تتسع شروخها مع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، وتصبّ في صالح أجنحة الأخير، لا سيما ميلشيا الحرس الثوري ورموزها الصلبة؛ إذ تردّد اسم محمد باقر قاليباف، عمدة طهران، بقوة، وقد حصل على أكبر عدد من الأصوات فيها، في ما يخص تنصيبه لرئاسة البرلمان، وهو الجنرال العسكري الذي تولى مناصب قيادية بالحرس الثوري، بداية من الحرب العراقية الإيرانية، وفي فترات لاحقة، كما أنّه خاض الانتخابات الرئاسية ضدّ الرئيس الإيراني الحالي، عام 2013، بينما ارتبطت سيرته بعمليات قمع دموية، لعدة احتجاجات طلابية وجماهيرية، في التسعينيات، وبين عامَي 2003 و2009.

 

ومن جانبه، يوضح المعارض الإيراني، حافظ فاضلي، القيادي في حزب التضامن الديمقراطي الأحوازي؛ أنّ هناك فجوة عميقة جداً بين النظام والشعب، تسببت فيها سياساته الاجتماعية والأمنية والاقتصادية، ونجم عنها تردٍّ في الأوضاع الطبقية وتفشي البطالة، وكذلك تنامي وتيرة التصعيد الأمني تجاه المعارضين والمحتجين، كما ظهر بالاحتجاجات الأخيرة، التي شهدت مقتل 1500 شخص وأكثر من 12 ألف معتقل.

ويضيف لـ “حفريات”: “النظام كان يدرك عزوف الناخبين عن المشاركة في الاستحقاق الانتخابي، ولهذا تمادى في ممارساته القمعية لإخراج الصورة بهذه “المهزلة””، بحسب وصفه، وعزل من يسمونهم الإصلاحيين، بينما هم والجناح المتشدّد نسخة واحدة، ليس ثمة خلاف بينهما سوى على الأدوات وآليات تطبيق السياسات نفسها؛ إذ إنّ نظام الولي الفقيه لا يسمح بمعارضة في أحشائه.

لا فرق بين إصلاحي ومتشدّد في طهران
ومن هذا المنطلق؛ عمدت الحكومة إلى استدعاء رجال الحرس الثوري وقوى الأمن، كما يشير القيادي بالمعارضة الإيرانية؛ بهدف توحيد صفوفهم، خاصة أنّ اتجاهات الرأي العام السائدة، تشير إلى تصعيد جديد في الاحتجاجات الشعبية، الفترة المقبلة، وستكون الظروف المحلية أعقد.

 

يتفق مع هذا الرأي، حسين أنصاري راد، برلماني سابق في إيران؛ حيث يرى أنّ أغلبية البرلمان المقبل ستكون من الأصوليين، وليس هناك فارق كبير بين المتشددين والمعتدلين من الأصوليين؛ لأنّ سياساتهم العامة واحدة، وأفكارهم متشابهة، ووصف الانتخابات التشريعية، في مقال له بصحيفة “ستارة صبح” الإيرانية، بأنّها “تشبه مباراة لكرة القدم من طرف واحد، حيث لا يوجد منافس جادّ”، وذلك إثر استبعاد نحو 95% من الإصلاحيين؛ إذ باتت المنافسة بين أبناء تيار واحد، في حين إنّ التنافس يتطلب وجود أسلوبين ونهجين وتيارين، وهو الأمر الذي يفتقر إلى الوجاهة القانونية؛ حيث ينبغي رفض أهلية شخص ما في حال ارتكابه جريمة، وليس وفق اتهامات لم يتم إثباتها وتقارير عبثية ومتناقضة.

 

الولاء والبراء في نسخته الشيعية
وبسؤال الكاتب الصحفي الإيراني، رحيم حميد، في مركز دراسات “دورانتاش”، مقره كندا، عن تداعيات المسار الانتخابي على الأجندة السياسية والتشريعية للبرلمان في طهران، أجاب: “الحديث عن الأجندة السياسية والتشريعية ليس له معنى في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ حيث إنّ الأجندة الوحيدة التي تحكم البلاد هي الوفاء المطلق لولاية الفقيه فحسب، كما أنّ السياسة الإيرانية الحالية تمّ بناؤها على أساس القيم العقائدية والأيديولوجية، لا على أساس مصالح البلد المدنية”، بحسب حميد في حديثه لـ “حفريات”، وهي القيم التي تحتكرها مبادئ الولي الفقيه، وعليه، فإنّ الحديث عن ولاية الفقيه يحتاج إلى فهم الفقه السياسي الشيعي، والمتمثل في الولاء المطلق والمتشدد للاعقلانية في السياسة والدين، والاعتقاد بظهور الإمام المهدي، إضافة إلى دمج الدين والسياسة، بغية صياغة هوية براغماتية لجميع السياسيين والمسؤولين في البلاد.

 

وبناءً على هذه المعطيات، يؤكّد الكاتب الصحفي الإيراني؛ أنّه لا ينتمي لهذا النظام إلا من يؤمن بأفكاره ويتماهى مع أيديولوجيته؛ حيث لا يمكن أن يعمل الفرد في دائرة الأنظمة المستبدة، بينما هو يفكر عقلانياً أو إنسانياً أو ديمقراطياً، بالتالي، لا توجد فوارق حقيقية وجوهرية بين أصولي وغير أصولي، يساري أو يميني في تلك البيئة المتشددة، إنما هناك اختلاف في الشكل فقط إنّما المضمون واحد.

 

وحول استبعاد بعض المرشحين من قبل مجلس صيانة الدستور؛ فإنّه لا يعني وجود معارضة داخل النظام، تشكّل تهديداً لوجوده، بحسب المصدر ذاته، فكلّ من رشّح للبرلمان، هو إما تابع لمنهج ومنظومة ولاية الفقيه، أو من الموالين لها، دونما استثناء، بينما يمكن تفسير الأمر لجهة شروط اللحظة السياسية، التي تفرض تفعيل معايير معينة وخاصة، ترتبط باختبار مدى ولاء الأفراد وتقييم ذلك، بطبيعة الحال، مما يترتب عليه اختيار انتقائي للأفراد بعد عملية فرزهم، وهو الدور الذي لعبه مجلس صيانة الدستور لاختيار الأنسب، بحسب اعتقادهم.