الأثنين: 26 أكتوبر، 2020 - 09 ربيع الأول 1442 - 06:16 صباحاً
دفاتر
الأربعاء: 21 ديسمبر، 2016

أبرم شبيرا
الآشوريون لعبوا دورا في تأسيس الكيان السياسي العراقي .. لكنهم لم يحصدوا غير الشتائم
توطئة:
في التسعينيات من القرن الماضي كتبت العديد من المقالات عن الآشوريين ونشرت معظمها في الجرائد العربية التي تصدر من لندن مثل الحياة والشرق الأوسط والقدس العربي وكانت تتناول مواضيع تخص تاريخ الآشوريين في العراق الحديث مركزاً على بعض المفاهيم والأفكار السلبية والعدائية التي ترسبت في العقلية العراقية تجاه الأقليات بشكل عام وعن الآشوريين بشكل خاص. طرحت في هذه المقالات أفكار موضوعية بديلة فكان لها وبشهادة الكثير من غير الآشوريين تأثيرها العميق والإيجابي في النخبة العراقية نحو فهم تاريخ الآشوريين خاصة السياسي منه فهماً صحيحاً وموضوعياً. كان في حينها بعض من هذه المقالات والبحوث قد جمعت ونشرت في كتابين الأول تحت عنوان “ألآشوريون في السياسة والتاريخ المعاصر” من قبل إتحاد الأندية الآشورية في السويد عام 1997، و الثاني كتاب “محطات فكرية على طريق العمل القومي الآشوري – نظرة مقارنة بين الوطن والمهجر” من قبل مطبعة ألفا غرافيك في شيكاغو – الولايات المتحدة عام 2000. وبالنظر لطبع ونشر هذين الكتابين وغيرهما في المهجر وبسبب محدودية النسخ المطبوعة فإنها لم تصل إلى الكثير من أبناء شعبنا في العراق أو في سوريا المهتمين بالشأن القومي لكي يطلعوا عليها ويكتسبوا معارف في التاريخ الآشوري المعاصر وهي لا تتجاوز في كونها معارف مبدئية أولية تفيد بشكل خاص المبتدئين في الشأن القومي والسياسي خاصة بعد ظهور أحزاب وكتاب سياسيين وقوميين ما بعد عام 2003 و زوال النظام البعثي الدكتاتوري في العراق. إن أهمية إعادة نشر بعض من هذه المقالات مثل “قوات الليفي العراقية في الوثائق البريطانية العسكرية” تكمن في كون لايزال مثل هؤلاء المستجدين في الشأن القومي يعتمدون على المراجع والكتب الكلاسيكية الرسمية المتداولة في العراق وبالتالي يقعون في المستنقع الفاشي الذي غرق فيه الكثير من المفكرين والمؤرخيين العراقيين المعاديين إصلاً لكل مختلف ومغاير. فهؤلاء لا يزال يعتقدون، معتمدين على أساتذتهم في الفاشية والرجعية، بأن قوات الليفي كانت قاصرة على الآشوريين فحسب وإن هذه القوات كانت أداة طيعة بيد الإستعمار الإنكليزي في ضرب القوى الوطنية في العراق وهذا ما ينفيه هذا المقال وآمل أن يكون مفيداّ كما كان مفيداّ لبعض النخب العراقية في فهم حقيقة التاريخ السياسي للآشوريين في العراق وإزاحة التهم الباطلة والبشعة التي كانت توجه لهم.

تهم باطلة وبشعة:
لا يوجد في قامون العراق السياسي شتائم قبيحة وتهم شنيعة وجهت إلى شعب أو قومية أو جماعة أو منظمة أو حزب أكثر مما وجهت إلى الآشوريين في العراق. فلا أجانب الحقيقة في القول بأن معظم الأدب السياسي العراقي أبان مرحلة تأسيس دول العراق عام 1921 وحتى إلى فترة قريبة لا يخلو من شتيمة ظالمة وتهمة باطلة وجهت إلى الآشوريين رغم الدور الإيجابي الذي لعبوه في تأسيس كيانه السياسي وفي حماية حدوده الدولية ضد أطماع تركيا في إقتلاع ولاية الموصل من العراق وضمها إليها، وهي المسألة التي سنعالجها في موضوعنا القادم. وحتى أبرئ نفسي من التجني على الأدب السياسي العراقي وعلى المؤرخين العراقيين أود أن أشير القارئ اللبيب إلى كتابي المعنون “الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دراسة مسألة في العقلية العراقية تجاه الأقليات” منشورات دار الساقي – بيروت – 2001، والذي سردت فيه نماذج من هذه التهم والشتائم لكبار المفكرين والمؤرخين العراقيين. واختصاراً نقول بأن أكثر التهم البشعة والجائرة الموجهة إلى الآشوريين هي تهمة الانخراط في القوات البريطانية المعروفة بـ “الليفي” – وهي كلمة إنكليزية تعني “التجنيد” – والادعاء بأن هذه القوات استخدمت في ضرب الحركة الوطنية العراقية وفي تحقيق مصالح الإستعمار البريطاني كما استخدمت في أعمال التجسس وفي حماية قواعد بريطانيا العسكرية في العراق وغيرها من التلفيقات والنعرات البغيضة التي نعت بها الآشوريين وكان البعض من هؤلاء المؤرخين يفضلون أن يطلقوا على الآشوريين بـ “الطابور الخامس”.

حقيقة قوات الليفي العراقية:

في الكثير من المناسبات بحثت هذا الموضوع بشكل مفصل وأكدت القول إن هذه القوات لم تكن إطلاقاً قاصرة على الآشوريين وحدهم، بل شملت بالدرجة الأولى العرب والكورد والتركمان وحتى اليزيديين والفرس ثم بعد ذلك على الآشوريين. قد تكون مشاعري العاطفية وأحاسيسي الشخصية، والتي تحترق جمراً على الغبن المأساوي الذي حاول خنق الحق الآشوري في بيت أباءه وأجداده، قد تسربت إلى الموضوعية التي أعتمدها دائماُ في البحث في المسائل الحساسة والخطيرة في التاريخ الآشوري المعاصر وعلاقته بالتاريخ العراقي السياسي. غير أن هذه المرة سأحاول التجرد من المشاعر الشخصية وسأعتمد في الكشف عن جوانب عديدة في طبيعة قوات الليفي العراقية التي أسسها الإنكليز في العراق إذ سنعتمد على بعض من الوثائق البريطانية العسكرية التي تناولت هذه المسألة تناولاً مفصلاً ويومياُ ودقيقاً لبداية تأسيس قوات الليفي وعددها وتدريباتها وطبيعة مهماتها العسكرية وغير العسكرية وتكوينها الأثني والإداري والمشاكل السياسية والاجتماعية التي كانت تواجهها الإدارة البريطانية في استخدام هذه القوات في العراق. وبالرغم من إدراكنا المسبق لطبيعة هذه الوثائق التي كتبت من قبل أعضاء في المؤسسة العسكرية البريطانية إلا إنها وبشهادة معظم الباحثين والمؤرخين تعتبر وثائق ومستندات تعكس حقائق موضوعية دقيقة ومبنية على الوقائع وأرقام وإحصائيات قلما نجد مثيل لها تناولت تلك المرحلة كما تناولتها هذه الوثائق.
هناك مجموعة ضخمة من هذه الوثائق التي كتبها كبار ضباط الجيش البريطاني العامل في العراق حينذاك، بعضها بقيت كأوراق منظمة على شكل تقارير عسكرية حفظت في مركز الوثائق البريطانية في لندن، وهو أغنى وأكبر مركز في العالم للوثائق الخاصة بالعراق، وبعض الآخر من هذه التقارير والبحوث جمعت وطبعت على شكل كراريس ومذكرات حفظت في مكتبة المتحف البريطاني (حاليا المكتبة البريطانية مستقلة عن المتحف البريطاني)، ومن أهم هذه التقارير العسكرية والمذكرات التي طبعت سواء على شكل كتاب أو كراس أو مجلد نذكر بعض منها.
الوثائق البريطانية العسكرية:

أولاً – كتاب قوات الليفي العراقية 1915 -1932 :(Iraqi Levies)وهو كتاب جمع محتوياته العميد جي. كلبرت براون وطبعه المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن عام 1932 وأهم ما جاء فيه:
في عام 1915 قام الميجر جي.آي. أيدي من الجيش البريطاني في الهند، والذي أصبح فيما بعد ضابط المهمات الخاصة في فرقة المنتفك (الناصرية) البريطانية في بلاد ما بين النهرين، بتجنيد أربعين فارساً عربياً من القبائل المحيطة بمدينة الناصرية ومن أطراف الفرات وذلك لغرض القيام بخدمات تحت إشراف قسم الإستخبارات البريطانية في العراق. ومن هذا العدد الصغير نشأت تدريجياً قوة عسكرية والتي أطلق عليها، وبعد تسميات عديدة أسم “الليفي”، حيث وصل عددها في أيار (مايو) عام 1922 إلى 6199 فرداً، وهو التاريخ الذي بدأ فيه العدد بالتناقص بسبب النقل إلى الجيش العراقي الرسمي الذي بدأ تأسيسه في كانون الثاني عام 1921. فهذه القوات تغير تنظيمها من قوة خيالة صغيرة العدد إلى قوات متعددة المهمات والتسلح، ومن عناصر جميعهم عرب إلى عناصر مختلفة من العرب والكورد والتركمان واليزيديين والفرس وأخيرا قوات قاصرة على الآشوريين وعدد من الكورد. وفي عام 1919 وعندما صدرت الأوامر الإدارية واللوائح العسكرية المنظمة لقوات الليفي بدئ بتجنيد الكورد والتركمان وفي نهاية هذا العام كانت قوات الليفي أثنياً تتكون من:
العرب: معظمهم من سكان المدن ومن أبناء القبائل المتوطنة وعدد قليل من ضباط العرب الذين كانوا ضباطاً في الجيش العثماني أنظموا إلى هذه القوات.
الكورد: وهؤلاء شكلوا قوات الليفي في مدينتي السليمانية وأربيل، كما أنظموا إلى قوات الجندرمة في الموصل.
الكركوكليون: وهم التركمان الذين انظموا إلى قوات الليفي في الكوت وبعقوبة وكركوك.
ومن المهمات العسكرية التي كانت تقوم بها هذه القوات تقديم الخدمات العسكرية الاستكشافية والاستطلاعية للقوات البريطانية العاملة في المنطقة وفي مقاومة الشيوخ المتمردة أو الثائرة وإخضاع القبائل للطاعة حيث شاركوا في مقاومة الشيخ بدر. وأثناء اندلاع أعمال الشغب والتمرد (ويقصد الكاتب ثورة العشرين) أصبحت هذه القوات مخلصة وموالية لقادتها البريطانيين. وفي آب (أغسطس) من عام 1920 أنتشرت الفوضى نحو الشمال، ولم يكن ذلك امتداداً لثورة الجنوب أكثر من كونه تحريضاً من الأتراك للكورد للقيام بتمرد ضد الإنكليز، فقامت قوات الليفي بسحق التمرد وبقى الكورد المجندون في الليفي مخلصين لقيادتهم البريطانية.

وفي مؤتمر القاهرة لعام 1920 كانت الحكومة البريطانية قد قررت الإبقاء على قوات الليفي وتطويرها بما يخدم مهمة التخفيف عن عبء القوات البريطانية والهندية العاملة في العراق لحين تأسيس الجيش العراقي الوطني ومن ثم يحل محل قوات الليفي. بعد تأسيس هذا الجيش توقف تجنيد المسلمين من العرب والكورد والتركمان وبدأت التنقلات من قوات الليفي إلى الجيش العراقي الجديد وتعويضاً عن النقص الحاصل في عدد هذه القوات بدئ بتجنيد الآشوريين. وكان الآشوريون في تلك الفترة قد نظموا أنفسهم في قوات خاصة بهم للدفاع عن عوائلهم في مخيم بعقوبة (للاجئين)، كما أن أغا بطرس (وهو قائد عسكري آشوري من الطائفة الكاثوليكية) كان قد بدأ بتجنيد الآشوريين لتحقيق أهدافه في تسوية المسألة الآشورية. ضمن هذه الظروف بدأت القوات البريطانية بتجنيد الآشوريين في الليفي. وبحلول عام 1923 كان الآشوريون يرفضون الانضمام إلى قوات الليفي إلا أن الإنكليز استطاعوا التأثير على بعض الزعماء الآشوريين وبالتالي أجبروا للانضمام إليها.
ثانياً – تقرير قيادة لواء مشاة رقم 34:
(Report on the Arab and Kurds Levies. No. B.M.51 of 22 April, 1920, Headquarter, 34th Infantry Brigade).

وهو من التقارير المهمة عن قوات الليفي العربية والكوردية كتبته قيادة لواء مشاة رقم 34 والذي يتناول التفاصيل الدقيقة للتدريبات والمعونان والمهمات والأنظمة التي تخص قوات الليفي العربية في منطقة القرات والحلة والديوانية والنجف … إلخ وبقدر تعلق الأمر بهيكل تنظيمها فقد كانت تتكون من:
1 – القوات الضاربة: وتضم فرقة الفرات الثانية المتكونة من ثمانية فصائل خيالة تحت إمرة الكابتن ماكويني ومقر قيادتها في الحلة. والفصيل كان يتكون من خمسة ضباط عرب و 102 مراتب مختلفة مع مجموعة من الإفراد الذين يقومون بمهمات التجسس وجمع المعلومات. وكانت هذه الفصائل تتمركز في الحلة و أبو صخير والديوانية … إلخ. وتتلخص مهمات هذه القوات في: (أ) – قمع الشغب والإضطرابات والقيام بمهمات عسكرية محدودة. (ب) – تولي مهمات الخطوط الأمامية الإستكشافية والإستطلاعية والقيام بمهمات القوة الإحتياطية للقوات البريطانية في العمليات العسكرية الواسعة. (ج) – توفير الحماية والحراسة لخزينة الإدارة البريطانية في العراق ومرافقة الضابط السياسي البريطاني وحمايته.
2 – قوات الشرطة المحلية: شملت مفارز من قوات الليفي العربية في مناطق الحلة وطويريج وكربلاء والنجف والديوانية وكانت مهمتها حماية الأمن والنظام وغيرها من المهمات التي كان يطلبها الضابط السياسي التابع لدائرة الإستخبارات البريطانية.
ثم يتابع التقرير بيان أسلوب التدريب والأجهزة والأسلحة والحيوانات المستخدمة في التنقل ومراتب الضباط الإنكليز والعرب، ثم يعكف على تفاصيل قوات الليفي في بعقوبة والتي كانت تتضمن العرب والكورد معاً. أما بالنسبة لقوات الليفي في السليمانية فكانت تتكون من الكورد وعددهم 250 شخصاً ومن التركمان وعددهم 30 شخصاً وكان عدد الضباط 16 كوردياً وتركمانيين وكلهم من الضباط السابقين في الجيش العثماني. ويذكر الضابط البريطاني المسؤول عن قوات الليفي في السليمانية بأن الكورد والتركمان كانوا يكرهون العرب ولا يرغبون العمل معهم. أما قوات الليفي في راوندوز فكانت تشمل على 200 فرد، منهم 110 كوردياً و 60 تركمانياً و 20 مسيحياً. وكان ضباط هذه الفرقة من الكورد والتركمان الذين عملوا سابقاً في الجيش العثماني. كان قوام قوة جندرمة الموصل متكونة من 795 شخصاً منهم 200 من كورد الجبال و 100 عرب من الجانب الأيمن لنهر دجلة و 280 من أهالي الموصل المسلمين و120 من المسيحيين وكان عدد الضباط 22 ضابطاً عربياً من الضباط السابقين في الجيش العثماني. (من الملاحظ بأن كاتب التقرير لم يذكر أسم الآشوريين بل ذكر المسيحيين وهو ما يؤكد بأن مسيحيين من الطوائف الأخرى خاصة في قرى منطقة راوندوز ومدينة الموصل كانت تجند في قوات الليفي)
ثالثاً: تقرير الميجر سي. بويلي:

وهو أيضا من التقارير المهمة عن قوات الليفي العربية والكوردية للسنتين 1920 و 1921 كتبه الميجر سي. بويلي المفتش العام لقوات الليفي العربية والكردية:
(Administration Report of Arab and Kurdish Levies for the year 1920 – 1921, Baghdad. 1921 Major C. Boyle, Inspector General, Arab and Kurdish Levies)

يتناول الميجر بويلي في تقريره واقع القوات العربية والكوردية وتقسيماتها وتدريباتها والمشاكل السياسية والإجتماعية التي كانت تواجهها. كما يذكر فيه العمليات العسكرية التي قامت بها أثناء فترة الإضطرابات التي عمت المناطق الجنوبية عام 1920 (يقصد ثورة العشرين) وكيفية بقاء هذه القوات مخلصة وموالية لقيادتها البريطانيين مما كان يسبب ذلك مشاكل كثيرة لأفرادها حيث كانوا منبوذين من قبل الناس الذين كانوا يشتمونهم ويدعونهم بالكفرة. وكان عمال المقاهي يرفضون تقديم الشاي أو القهوة لهم. أما عوائلهم فكانت معرضة للشتيمة والتحرش وفي بعض الأحيان للقتل أو التهديد بالقتل. وعقب تفاصيل دقيقة عن هذه القوات يختم الميجر بويلي تقريره بالقول بأن تاريخ السنة الأولى من قوات الليفي العربية والكوردية هو مفخرة للإدارة البريطانية في العراق وسجل قياسي للضباط البريطانيين في قيادة وإدارة قوات أسيوية حديثة التكوين ومحدودة التدريب.
(هناك تقارير أخرى تؤكد بأنه في عام 1923 كان المكون الأثني لقوات الليفي يتكون نصفهم من الآشوريين والنصف الآخر من الكورد إضافة إلى كتيبة من عرب الأهوار وعدد من التركمان)
(كل ما ورد أعلاه مقتبس من الكتاب والتقارير المذكورة أعلاه ما عدا ما ورد بين قوسين).