الأربعاء: 28 أكتوبر، 2020 - 11 ربيع الأول 1442 - 04:55 مساءً
دفاتر
السبت: 24 ديسمبر، 2016

ابريم شابيرا

الآشوريون دافعوا عن حدود العراق ضد الاطماع التركيةوساهموا في تحرير اليونان وألبانيا من النازية

رابعاً: رسالة د. يونك الجامعية عن قوات الليفي:

أخيرا أود أن أشير إلى رسالة جامعية مهمة قدمت في منتصف التسعينيات من القرن الماضي من قبل الدكتور يونك من بريطانيا إلى مدرسة لندن للدراسات الأفريقية والأسيوية التابعة لجامعة لندن (وهي أكبر وأهم مركز للدراسات عن المنطقة) تناولت قوات الليفي في العراق منذ تأسيسها حتى عام 1932. من المؤسف إنني لم أستطيع إقتناء نسخة منها لكونها محدودة التداول في حينها ولكن أطلعت على خلاصتها وعند لقائي بالدكتور يونك في جامعة لندن شرح لي مضمون الرسالة وتبين أنه خدم كضابط في الجيش البريطاني في العراق حينذاك وكانت له صلة وإرتباط بقوات الليفي وببعض من ضباطها الآشوريين وأنه بذل جهداً كبيراً في البحث وإقتناء مصادر الرسالة رغم أنه كان وقت كتابة الرسالة قد تجاوز السبعين من العمر. في حينها تم دعوته إلى النادي الآشوري في لندن فألقى محاضرة عن رسالته هذه مؤكداً ما سبق وأن أكدته المصادر أعلاه في كون قوات الليفي شاملة العرب والكورد والتركمان واليزيديين والفرس ثم الآشوريين. كانت دهشته كبيرة وفرحته عظيمة عندما التقى بشخصين في النادي كانوا قد خدموا في قوات الليفي وتم التعرف عليهم بعد أكثر من نصف قرن من الزمن. وأثناء محاضرته أعلن بأنه يحضر حالياً لإكمال أطروحته للدكتوراه عن نفس القوات للفترة من 1932 وحتى تاريخ حل هذه القوات في بداية الخمسينيات من القرن الماضي. وهي الفترة الحساسة والحرجة التي اجتاح العراق خلالها أزمات وحروب وإضطرابات وكانت قوات الليفي في تلك الفترة قاصرة على الآشوريين وعدد أقل من الكورد والعرب.

خامساً: قوات الليفي من استقلال العراق حتى حلها:

منحت بريطانيا العراق إستقلاله في عام 1932 وفي الرابع من نيسان من عام 1955 وقعت بريطانيا مع العراق إتفاقاً على سحب القوات البريطانية من العراق. وفي الثاني من شهر مايس (أيار) من نفس العام حلت قوات الليفي وسلمت آخر قاعدة عسكرية في الحبانية إلى العراق. وقبل عام من حل قوات الليفي، إي في عام 1954 كانت عدد أفراد قوات الليفي يتكون من 1200 آشوري من أبناء الطوائف المشرقية والإنكليكانية والكلدانية ومنهم القائد البطل المرحوم توما توماس، و400 كوردي و 400 عربي. خلال الفترة المحصورة بين التاريخين إجتاحت العراق أحداث وإرهاصات سياسية آثرت بشكل عميق على مستقبل العراق السياسي. فالمسألة الآشورية التي كانت قد طغت على السطح السياسي العراقي والدولي بقيت بدون حل وما صاحب ذلك من نتائح مأساوية على الآشوريين تعاظمت في مذبحة سميل وأستمرت لسنوات طويلة من دون حل لقضتيهم القومية. وفي تلك الفترة تأثر الوضع في العراق بالحرب الكونية الثانية وإنجرفت النخبة الحاكمة مع التيارات الفاشية والنازية ودخلت الحرب إلى جانب دول المحور ضد الحلفاء منهم بريطانيا. فبعد منح بريطانيا العراق استقلاله وانضمامه إلى عصبة الأمم من دون ضمانات مؤكدة في حماية الأقليات ومنهم الآشوريين، بدأ الآشوريون يفقدون ثقتهم ببرطانيا لذلك بدأت إستقالات وترك جماعي لقوات الليفي ولم تعد هذه القوات ذات شأن إلا الجزء الباقي منها والذي أستخدم في حماية القواعد الجوية البريطانية في الحبانية والشعيبة.
عندما اندلعت الحرب الكونية الثانية تمكنت قيادة القوات البريطانية من إقناع بعض من الشخصيات الآشورية لإعادة تنظيم الآشوريين في قوات الليفي كقوة مقاتلة نظراً لحاجتهم إليهم في مقاومة التيارات الفاشية التي تغلغت في الحكومة العراقية بقيادة رشيد عالي الكيلاني الذي تمكن من السيطرة على السلطة وقاد إنقلاباً ضد السلطة الشرعية في مايس من عام 1941غير أن قوات الليفي شاركت، التي كانت معظمها من الآشوريين وبعض من الكورد واليزيديين، وبشكل فعال مع القوات البريطانية والحكومة الشرعية في إسقاط الإنقلاب وإعادة الشرعية إلى العراق. وأثناء العمليات العسكرية ساهمت قوات الليفي الآشورية مساهمة فعالة في مساعدة الحلفاء ودحر النازية. وأكد معظم المؤرخين بأن قوات الليفي هذه لعبت دوراً كبيرا في حماية خطوط الحلفاء العابرة عبر العراق وإيران إلى الإتحاد السوفياتي لغرض تقديم العون والمؤن للقوات السوفياتية المحاصرة من قبل قوات النازية. وفي حينها كانت بريطانيا قد شكلت فصيلا مظليا من جنود وضباط الآشوريين ساهموا في تحرير اليونان وألبانيا من النازية كما حاربوا إلى جانب قوات الحلفاء في قبرص وفلسطين ولبنان. ويؤكد المؤرخين بأن القوات الآشورية لعبت دوراً مهماً في دحر سيطرة قوات المحور في الشرق الأوسط فجرح الكثير منهم كما استشهدوا في المعارك. وهناك في اليونان مقبرة تتضمن خمسة قبور لجنود آشوريين كتبت على حجر القبر أسماءهم بالإنكليزية والسريانية وتواريخ إستشهادهم في المعارك. بعد أن حلت قوات الليفي في عام 1955 منحت الفرصة للكثير من الضباط الآشوريين للإنضمام إلى الجيش العراقي، وفعلآ انضم بعضهم وكانوا بشهادة قيادة الجيش العراقي من أحسن وأنشط وأخلص الضباط العراقيين وأسماؤهم معروفة لدى الكثير من أبناء هذا الجيل.

خاتمة واستنتاج:

هذه بعض الوثائق البريطانية بهذا الشأن وليست كلها والتي تؤكد الحقيقة التاريخية الساطعة في كون قوات الليفي شاملة لجميع القوميات العراقية ولم تكن قاصرة إطلاقاً على الآشوريين فقط. قد أكون قد أسهبت بعض الشئ في تفاصيل وأرقام هذه التقارير والتي تبدو جافة ومملة إلا أن ذلك كان مفروضاً وضرورياً في إستكشاف الحقائق التي لا يزال الكثير من المؤرخين والسياسيين يتجاهلونها بقصد او بجهل ويزيفونها ثم يستغلونها في توجيه تهمة الخيانة إلى الآشوريين وإدانتهم بينما هي حقائق تاريخية تدينهم أكثر مما تدين الآشوريين. فهم يلاحظون القشة في عيون الآشوريين ولكنهم لا ينتبهون إلى الخشبة الكبير في عيونهم (مقتبس بتصر من أنجيل متى 3:7).
ولو حاولنا إستنتاج ما يمكن إستنتاجه وإستخلاصه من هذه الوثائق ومن ثم مقارنة المهمات التي قامت بها قوات الليفي العربية والكوردية والتركمانية مع تلك التي قامت بها قوات الليفي الآشورية من حيث نتائجها الوطنية لتوصلنا إلى حقائق قد تبدو ثقيلة ومؤثرة على المفاهيم السائدة في تاريخ العراق السياسي الحديث، ومن أبرز هذه الحقائق:

1)- أن الآشوريين في العراق لم يتعاونوا مع القوات البريطانية في ضرب الحركة الوطنية العراقية وبالأخص ثورة العشرين، بل على العكس من ذلك تماماً فإن قوات الليفي العربية والكوردية والتركمانية هي التي ساعدت القوات البريطانية وتعاونت معهم في قمع الثورة. فالآشوريون في تلك الفترة كانوا ضحية أعمال الشغب والنهب التي رافقت الثورة بإعتبارها ثورة “جهادية” ضد “الكفرة” المسيحيين سواء أكانوا أنكليز أم آشوريين، حيث كان الآشوريون منهمكون ومحتجزون في مخيم بعقوبة للاجئين لا سند لهم ولا قوة وحتى البنادق القديمة التي زودتهم بها الإدارة البريطانية للدفاع عن أرواحهم وأعراضهم لم تكن وافية أو مؤثرة في صد هجمات بعض القبائل من منطقة ديالي على المخيم المذكور.
2) – كنتيجة لقرارات مؤتمر القاهرة في تقرير مصير بلاد مابين النهرين، تأسست عام 1921 أول حكومة للدولة العراقية ونصب الملك فيصل الأول على عرشها وتأسس الجيش العراقي الرسمي فصاحب ذلك تقليص عدد قوات الليفي العربية والكوردية والتركمانية بسبب نقلهم إلى الجيش العراقي الحديث وتعويضاً عن النقص الذي حصل في قوات الليفي ونظراً لأهمية حاجة الإدارة البريطانية إلى قوات متمرسة في حروب الجبال لغرض ضمان الحدود الشمالية للدولة الفتية وحمايتها من أطماع وتهديدات تركيا في إقتلاع ولاية الموصل فقد بدأ رسمياً تجنيد الآشوريين ليتولوا هذه المهمة حيث إستطاعوا طرد القوات التركية في عام 1924 التي كانت كانت قد أحتلت أجزاء من المنطقة الشمالية لبلاد مابين النهرين ومنها مدينة راواندوز وأطراف مدينة العمادية. وتفاصيل مساهمة الآشورية في حماية حدود العراق الشمالية سنذكرها في المقال القادم عند الحديث عن حل مشكلة ولاية الموصل. هذا ناهيك عن دور قوات الليفي الآشورية في ضمان الأمن والإستقرار من جراء تمرد بعض شيوخ الكورد ضد السلطات العراقية والإنكليزية في الوقت الذي عجز جيش العراق الحديث التأسيس من القيام بهذه المهمة.
3) – تؤكد التقارير السالفة الذكر بأن الآشوريين لم يكونوا يرغبون في الانضمام إلى قوات الليفي ولم يكن ذلك ممكناً إلا بعد تأثير وضغط الإنكليز على بعض الزعماء الآشوريين ومن ثم إجبارهم للإنضمام إليها. وحتى بالنسبة لهذه الحالة فإننا سنكون مخطئين جداً إذا قيمنا هذا التصرف لبعض الزعماء الآشوريين ولجزء من الشعب الآشوري في مسألة الانضمام إلى قوات الليفي بمقاييس مستمدة من المفاهيم الفكرية والسياسية السائدة في هذه الأيام، بل من الضروري جداً فهمها وبشكلها الصحيح والحكم عليها ضمن ظروفها السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي كانت سائدة في تلك الفترة والتي فرضت على الآشوريين فرضاً من دون أن يكون لهم خياراً آخر. وعلى العموم يمكن تلخيص هذه الظروف بما يلي:
أ) – كان الآشوريون قد نهبت ممتلكاتهم وسلبت أراضيهم وطردوا من مناطقهم ولم تكن لهم مهنة غير الزراعة وتربية الحيوانات. من هنا شكل انضمامهم إلى قوات الليفي كمصدر مالي لرزقهم ولضمان لقمة عيشهم في ظروف قاسية جداً خلفتها الحرب الكونية الأولى والسياسات الشوفينية التي مارستها السلطات الرسمية تجاههم.
ب) – خضوع بعض الزعماء الآشوريين إلى تأثيرات الإنكليز مسألة طبيعية في التعامل بين شعب صغير متشرد لا سند له ولا قوة وإمبراطورية قوية وذات نفوذ قوي وواسع. وخضوع الآشوريين إلى مطالب زعمائهم الدينيين والعشائريين للانضمام إلى قوات الليفي مسألة غير مستغربة أيضا في سياق فهم النظام الديني/العشائري الذي كان سائداً في المجتمع الآشوري.
ج) – انسياق الآشوريين وخضوعهم لتأثيرات وضغوط الإنكليز يجب فهمه أيضاً ضمن مفهوم خيار أهون الشرور التي أحيطت بهم. فالشعب العراقي خاصة قادته السياسيين كان متأثراً جداً بالنزعة العثمانية في الفكر والسياسة والحكم تجاه المسيحيين بشكل عام والآشوريين بشكل خاص لذلك لم يكن أمام الآشوريين خيارات أخرى متاحة سيما وإن إعصار الحرب كان قد دمر كل البدائل ولم يبق أمامهم سوى بديل التعلق بالطوق الإنكليزي للنجاة والوصول إلى شاطئ الأمان رغم شكوكهم الكبيرة بأمانة الإنكليز في تنفيذ الوعود التي قطعوها لهم. وفعلاً تحققت تلك الشكوك عندما تركوهم بغرقون في بحر من الدمار أثناء مذبحة سميل التي أرتكبت بحقهم في آب من عام 1933.

ولكن مع كل هذه العوامل والظروف فإنه يجب أن لا يفهم أو يؤول بأن الآشوريين وقيادتهم كانوا معصومين من الأخطاء وأن نستمر في إلقاء اللوم على الإنكليز وعلى القدر ولعنته، بل على العكس من ذلك فإن القيادة الآشورية ارتكبت في تلك المرحلة أخطاء جسيمة وأثرت بشكل عميق على مسار تطور الحركة القومية الآشورية أنعكست جوانب منها في الأحداث المحيطة بمذبحة سميل والنتائج التي آلت إليها والتي انسحبت آثارها السياسية والإجتماعية والفكرية وحتى النفسية على المجتمع الآشوري بشكل خاص وعلى المجتمع العراقي بشكل عام ونتائج البعض منها ما زالت محسوسة ومؤثرة حتى يومنا هذا.

أخيراً: اليوم يحاول الآشوريون بجميع تنظيماتهم السياسية إزالة الحواجز النفسية والسياسية التي خلفتها سلبيات التاريخ السياسي الحديث لنشوء دولة العراق كضمان أولي وأساسي لوحدة الشعب العراقي بمختلف قومياته وأديانه وكركيزة جوهرية لإستقرار الأمن والسلام في العراق الموحد وهو الأمل الذي ينشده الآشوريون وغيرهم من الأقوام العراقية.