الأحد: 19 أغسطس، 2018 - 06 ذو الحجة 1439 - 09:50 مساءً
ثقافة وفن
الأربعاء: 30 مايو، 2018

 

كمال الرياحي

 

آخر العمر يجلس كاتب وملاكم على عتبة الباب. تحت العيون زرقة والأيادي ترتعش، على يمين الأول آلة كاتبة وعلى يسار الثاني قفازان باليان. يبتسم الكاتب لطفلين رميا بحقيبتيهما وانطلقا في شجار، يكوران قبضتيهما بسذاحة وينهمكان في عراك أشبه بالملاكمة. يلتفت الملاكم للكاتب يبتسم. يضحكان. فم بلا أسنان وفم لا أسنان به. ثقبان أسودان يجلسان في عتبة باب مقفل على الذاكرة.

الملاكة والكتابة والتهكم

إن التهكم عند محمد علي كلاي جزء من القتال. هذا التهكم الذي اعتقد اليمني البريطاني نسيم حميد أنه ورثه من كلاي فكان نسخة كاريكاتورية والحق أن هذه السخرية كانت سبباً في السقوط السريع للملاكم اليمني من الذاكرة بمجرد أن توقف عن اللعب.

فما كان يقوم به نسيم حميد، كان ما يعرف بالشو أو الفرجة وسخريته من خصمه نابعة من الحاجة لتوفير تلك الفرجة بينما سخرية محمد علي كلاي أصيلة نابعة من أصل النوع. أصل القتال نفسه ولا تخدم إلا القتال؛ قتال من أجل الفوز.

هذا هو الفرق بين السخرية في رواية “دونكيشوت” لسيرفنتس والسخرية في النصوص الشعرية الهزلية وهو الفرق بين العبارة الرشيقة والعميقة في الرواية عند همنجواي وديستوفسكي أو بوكوفسكي، والعبارة الرشيقة عند باولو كويلهو ونسخه العربية الأكثر بؤساً التي ترصف المثل بجانب المثل والتعريف بجانب التعريف في ما يشبه تعاليم وتأملات “أوشو” .

اللقب القاتل

إن سعادة نسيم حميد بلقب البرنس لا يمكن أن ترتقي به إلى مرتبة الملاكم الأصيل الذي ارتبط في الذاكرة الجمعية بانتقام القاعي لأهل القاع كله. إنه ينتقم من الضعف وليس من الخصم الذي قد يكون من نفس جنسه وطبقته.

إن دوره مجترح من عالم الفروسية في ثوب ملاكم أصيل يأتي من عالم السجون أو الأقليات أو الشوارع الخلفية لا تسمح له بأن يحمل لقب “البرنس”.

يكتب همنجواي في”ولا تزال الشمس تشرق “:” لم يكن “كون” يحب الملاكمة ، كان ينفر منها في الواقع، ولكنه تعلمها بمشقة، وحذقها الحذق كله، ليساوق الشعور بالنقص والخجل الذي كان يجاذبه وهو يعامل في جامعة برنستون على أنه يهودي.”

من هنا يمكننا أن نقول إن اللقب /الاسم عند الملاكم كما الروائي يمكن أن يقتله. ولا يعني الروائي الحقيقي كما الملاكم أن يكون بشعاً، فالبشاعة قد تصبح امتيازاً يجعله ينحت ذاته داخل هذا المعطى المحرج كما فعل تشارلز بوكوفسكي بوجهه المحفر من بقايا مرض الجدري.

إن وعي بوكوفسكي بتشابه الكتابة والملاكمة هو الذي جعله يعيش كملاكم داخل الكتابة. يقتحم نفس الحلبة ليلعب بقواعدها ويعبث بحبالها. كان يعبث بها دون أن يخرج عن قواعد اللعبة لتبقى الرواية مميزة في تجربته عن الشعر والقصة على الرغم من عبثه وسخريته من النوع وانتهاكه للجنس الأدبي. لينهي حياته تحت تلك العبارة التي وضعت على قبره ” لا تحاول” مع صورة لقفازي الملاكمة.

الأوزان المخاتلة في الكتابة والملاكمة

إن الشبه بين الكتابة الروائية والملاكمة ليس في الأوزان كما يتصور بعض الروائيين فيتنافسون اليوم حول تجميع الشحوم ويربون “الكروش السردية” فتخرج لهم روايات بأحجام ثقيلة دون أي قيمة فنية. والأسوأ أن نصبح تحت إرهاب الأوزان الثقيلة في الجوائز الأدبية وعند دور النشر التي أصبحت، في سابقة عربية، ترفض الروايات القصيرة كأنها لم تسمع بالنوفيلا.

كان الروائي الملاكم أرنست همنجواي يقف بثبات فوق الحلبة ليسدد بقبضته “الشيخ والبحر” درس التكثيف السردي وأيقونة النوفيلا في شيء أشبه بالضربة القاضية من الجولة الأولى.

يقول همنجواي لناشره تشارلز سكريبنر الذي كان يحثه على السرعة في انهاء روايته:” حصلت على البطولة في العشرينات. وفي الثلاثينات والأربعينات دافعت عنها. وفي الخمسينات بودي أن أدخل الحلبة وأضرب الجميع حتى الإعياء “.

عندما ترهل جسد صاحب “ولا تزال الشمس تشرق” وبدا له مثل شوال الملاكمة البالي، كان يجب أن يبقره ويخرج أحشاءه. لم تكن قبضته قادرة على إسقاط جسد بابا همنجواي فامتدت يده للبندقية.

الرواية مثلها مثل الملاكمة تحتاج إلى بناء وتغذية دقيقة وتحكم في الوزن وعليها أن تسهب أحياناً، وفي كل الحالات هي لا تقول نفسها في أقل من خمسين صفحة، هي لا تؤمن بالتكثيف لكن قد يقتلها الطول غير المبرر. أي أنها عكس الشعر تقول في امتدادها وحتى الروايات القصيرة أو النوفيلا تخضع لهذا الرأي، أي أنها استوفت شروط إمكانها في عدد كاف من الصفحات أي من القول.

والرواية، وإن كثفت، عليها أن تبرر فعلتها على عكس الشعر إذ شعرية الرواية كونها قد تقول 100 صفحة أحياناً من أجل جملة شعرية، جملة قد يقولها الشاعر في سطر لكن الروائي عليه أن يبرر وجودها ب100 صفحة وتلك روائية الرواية وشعريتها.

بلاغة التدفق بين الرواية والملاكمة

إننا لا يمكن أن نقتطع صفحة من الرواية لنحكم عليها. لو فعلنا ذلك فإننا سنعدم همنجواي وشتاينباك وبوكوفسكي وكيرواك وبرووز وأغلب الروائيين حتى نجيب محفوظ ومن تبعه.

ومع ذلك، فالملاكمة كالرواية حقل ديمقراطي متعدد الألوان، حلبة مفتوحة للتقاتل النبيل.

الملاكمة متعددة الأصوات

إن الروائي الذي أعطى للمهمشين مجالاً لكي يعبروا عن وجودهم بإطلاق ألسنتهم وتحريرها هو نفسه الملاكم الذي يقاتل من أجل أن تنتصر البشرات المسحوقة وليس غريباً أن تكون الملاكمة أرضاً سوداء يحتلها سود العالم بتاريخ الاستعباد والاضطهاد يؤكدون من خلالها انهم يتسيدون العالم ولو رمزياً من خلال تلك الرقعة الصغيرة التي تسمى الحلبة.

إن الحلبة هي الأرض البديلة للأرض المستعمرة. أرض مصغرة لتذكر الملاكم بأنه ذات منهوبة. ولعل هذا ما دفع بالعديد من الملاكمين السود إلى اعتناق الإسلام كمحمد علي كلاي ومايك تايزون. وكأنهم بذلك الاعتناق يحرمون الأرض التي اضطهدت أسلافهم من البطولات التي جمعوها. لم يكن مايكل  جاكسون أيضاً إلا ملاكماً مجازياً يقاتل فوق الركح بغنائه وعلى جسده بعمليات التجميل لاثبات أن البياض كذبة أو هو المشترك المتواري وراء السواد الفخم.

ومع ذلك، فالملاكمة كالرواية حقل ديمقراطي متعدد الألوان، حلبة مفتوحة للتقاتل النبيل. بل إن الملاكمة  هي الفضاء الأول للتناوب السردي في التعبير عن الذات. فيعطي الملاكم فرصة كل مرة  للمنافس ليعبر عن ذاته ويروي قصته عبر اللكمات بينما يخفي هو وجهه وراء قبضة ويصغي  قبل أن ينطلق هو في عزفه المنفرد في شكل تناوبي. أوليست الرواية الحديثة تمضي، هي الأخرى، بنفس الأسلوب في تلك الحوارية والبوليفونية؟ وكأنما الكتابة ما زالت تعني ذلك البحث التراجيدي عن العدالة أو البطولة المستحقة. تلك الفروسية الضائعة.

كان همنجواي الملاكم ينظم أحياناً مقابلات في الملاكمة من أجل المستضعفين والمضطهدين كما فعل مرة على سفينة شيكاغو حيث نظم نزالاً استعراضياً تخصص مداخيله إلى فتاة فرنسية تخلى عنها زوجها الجندي اكتشفها بالباخرة منكسرة. لقد كان همنجواي كما يقول كاتب سيرته أنتوني بيرجيس يكافح من أجل كتابة “جملة تقريرية بسيطة صادقة” وكان ذلك شاقاً مثل نزال بطل ملاكمة في الوزن الثقيل في ذلك الزمن الذي كان ” الأدب ما زال يعني الكتابة الجيدة بالمعنى الفكتوري مع تزويق بالأسلوب القومي الجديد”.

لياقة الكاتب ولياقة الملاكم ولياقة القارئ

يبدو أن على الروائي كما الملاكم أن يتدرب يومياً على الكتابة لتربية العضلات والخيال والمحافظة على لياقته ليوم الحسم: كتابة الرواية أو مقابلة الملاكمة. لأن على الروائي أن يمتلك نفساً طويلاً وأن يتحمل عصيان الخيال وشطط الشخصيات وتمردها على المسار الذي وضعه لها كما الملاكم الذي عليه أن يتحمل الضرب واللكم من الخصم الذي قد يكون أخطأ تقدير قوته وصلابته. على الروائي كما الملاكم أن يحمي وجهه جيداً ويتحمل اللكم.

يضع الروائي كما الملاكم  حياته موضع خطر أمام خصم شرس هو الملاكم المنافس والقارئ الذي لا يقل شبهاً عن الملاكم، فقد جهز نفسه بما يكفي لكي يتصدى لعمل الروائي برصيد من القراءات والمعارف التي تجعله يقارن مع كل سطر ما يقال بما قيل. فنحن دائماً نقرأ في المقارنة، والكتابة خارج المألوف واكتساب الأسلوب الخاص رهان شاق للروائي الذي عليه زيادة عن تحمل اللكمات أن يباغت بلكمات غير متوقعة تشكل أسلوبه في اللعب، والملاكمة أسلوب.

ويبقى الروائي كما الملاكم قلقاً وهو يوقع كتابه الناجح أو يفك قفازه مفكراً كيف يمكنه أن يحافظ على اللقب وعلى الحزام.

إنها دوامة طويلة تنتهي بهما الإثنين هناك في القصة أعلى المقال بعينين متورمتين  ويدين مرتعشتين.