الأثنين: 9 ديسمبر، 2019 - 11 ربيع الثاني 1441 - 02:08 صباحاً
بانوراما
الخميس: 14 نوفمبر، 2019

خلف جابر

 

بحكم عمله في السياحة، كان جاد عفانة يقف في صباح ذلك اليوم بساحة فندق الانتركونتننتال، عندما نظر إلى أعلى بناية الفندق المكون من عشرة طوابق، ليجد قطاً يقف فوقه، وكأنه يشرع في إلقاء نفسه، ليطلب عفانة من موظف الأمن إنقاذه، وهو ما كان، ولكن قبل أن يذهب إلى واجهته؛ وجد القط وقد صعد مرة أخرى، ومن ثم طلب من موظف الأمن مجدداً أن ينقذه لآخر مرة، مضيفاً: “فعلاً ذهب ورأيته يلتقطه”.

 

يضيف جاد عفانة، المقيم في إربد، شمال الأردن، أنَّ القط سرعان ما عاد مرة أخرى إلى أعلى البناية، وقبل أن يمنعاه، عفانة وموظف الأمن، ألقى القط بنفسه من فوقها، ونتيجة لهذا الارتفاع الشاهق، فارق الحياة فور ارتطامه بأرضية الفندق الجرانيتية.

 

 “حيوان زهد الحياة، أنقذناه مرتين، إلَّا أنَّ تصميمه على ما أقدم عليه جعله ينجح أخيراً بإنهاء حياته”.

 

يؤكد عفانة أن ما رأه هو “واقعة انتحار مكتملة الأركان”، ويتخيل أنه “حيوان زهد الحياة، أنقذناه مرتين، إلا أن تصميمه على ما أقدم عليه جعله ينجح أخيراً بإنهاء حياته”.

 

وليست تلك الواقعة الأولى، فهناك قط آخر حاول الانتحار منذ أشهر، يقول عفانة: “رأيت قطة تقفز وتقفز من فوق الأسطح والشجيرات الصغيرة، فذهبت وبحثت فوجدت بأن هنالك شيء يسمى كآبة الحيوانات، وبأن الحيوانات مثل الإنسان، تصاب بالأمراض النفسية التي تدفعها للانتحار”.

 

لم ينجح الشاب الأردني في إنقاذ القط، أو إحباط محاولة انتحاره، ولكن يبقى التساؤل بشأن كيفية إنقاذه؟ وهل كان ما رآه عفانة هو في حقيقته انتحار؟ وما دام قادراً على الانتحار فهل تحتاج الحيوانات الذهاب إلى طبيب نفسي؟

كبت جنسي يدفع قرد للانتحار

في مارس 2016، نقلت إدارة حديقة الحيوان في مدينة الزقازيق المصرية، القرد “وحيد” إلى حديقة الجيزة، بعد أن حاول الانتحار بسبب الكبت الجنسي، فبحسب تصريحات تداولها النشطاء على موقع “يوتيوب” لمسؤول بحديقة حيوان الجيزة، عانى القرد “وحيد” من كبت جنسي بعد امتناع “رفيقته” عنه نتيجة الحمل، الأمر الذي جعل القرد يعاني من اكتئاب حاد، وأخذ “يعض” نفسه، الأمر الذي جعل إدارة الحديقة تتدخَّل لإنقاذه.

 

لم يكن القرد “وحيد” آخر القرود التي أقدمت على الانتحار، بحسب التفسير الشائع لسلوكه، فقد نجح قرد فلسطيني في ما لم ينجح فيه القرد المصري، ذلك عندما أكد فتحي جمعة، رئيس جمعية حديقة الحيوان بغزة، انتحار القرد “ريكو” شنقاً بعد يومين من تغير طرأ على سلوكه، مرجحاً أن ما دفعه للانتحار ربما الظرف أو ربما لشعوره باليأس من كونه موجوداً في قفص بمفرده.

 

سفر أصحاب الحيوانات الأليفة وتركهم بالمنزل بمفردهم، يعد أهم أسباب اكتئاب الحيوانات، ونتيجة لذلك سعى البعض إلى توفير أماكن مخصصة لإيواء الحيوانات بشكل مؤقت في فترة سفر أصحابهم.

 

 عانى القرد “وحيد” من كبت جنسي بعد امتناع “رفيقته” عنه نتيجة الحمل، الأمر الذي جعل القرد يعاني من اكتئاب حاد، وأخذ “يعض” نفسه، الأمر الذي جعل إدارة الحديقة تتدخَّل لإنقاذه.

 

تتعدَّد أشكال الانتحار لدى الحيوانات، فهناك ما لم يجد له العلماء تفسيراً، مثل انتحار الحيتان على الشواطئ، أو ما أرجعوه لأسباب نفسية، وفيها يقدم الحيوان على التخلُّص من حياته بإيذاء نفسه جسدياً، مثل الأفعى التي عضت ذيلها أو القرود التي تعض أجسادها، أيضاً قد تلجأ بعض الحيوانات للانتحار نتيجة خوفها الشَّديد، فعندما يحاول أحد دفع الخنزير إلى الماء فإنَّه ينتحر بقطع شريانه بحوافره، وكذلك تلجأ العقارب إلى قتل نفسها إذا ما أحيطت بالنار.

كلب ينتحر في جنازة صاحبه

حكي مصطفى حسن واقعة حدثت في قريته التابعة لإحدى محافظات صعيد مصر، فذات صباح استيقظ أهالي القرية على خبر سقوط طفل من أعلى سطح منزله، ودخل إثر ذلك الإنعاش: “ثلاث ليال قضاهم الطفل في العناية المُركَّزة، حتى توفّي في اليوم الرابع”.

يوضِّح حسن (25 عاماً)، والذي يعمل مترجماً صحفياً في القاهرة، أنَّ واقعة سقوط الطفل لم تكن جديدة، لكنّه يُضيف: “الغريب في الأمر أنَّ هذا الطفل كان عنده كلب يرافقه منذ صغره تقريباً، وما فعله الكلب وقتما خرجت جنازة الطفل، وقد شاهد ذلك أهل القرية جميعاً، هو ما كان غريباً، فقد فوجئوا بالكلب يلقي بنفسه من فوق منزل صاحبه، تحديداً من نفس المكان الذي سقط منه الطفل، ليلقى مصرعه، وكأنَّه يأبى أن يعيش بعد صاحبه”.

 

يعلِّق الدكتور علي محمد علي، أخصائي إرشاد بيطري، أن الحيوانات تشترك مع الإنسان في بعض السلوك البشري مثل “الصوم”، كأن يأكل أسد غزالة في وجبة واحدة ليمتنع بعدها عن الطعام لأسبوع، إلَّا أنَّه يؤكّد عدم تسجيل حالات انتحار بمعناها المتعارف عليها عند الإنسان، موضحاً في الوقت ذاته إصابة الحيوانات بالاكتئاب أو تغيّر الحالة المزاجية، “ولا سيما الكلاب، لتعلّقهم الشديد بصاحبهم، عكس القطط المتعلقة ببيوت أصحابها”، مؤكداً ضرورة أن يذهب الشخص بالحيوان إلى أخصائي السلوك عندما يظهر عليه بعض أعراض “الاكتئاب”.

هل يحتاج الحيوان إلى طبيب نفسي؟

يقسّم محمّد علي السلوك الحيواني إلى ثلاثة أقسام: “سلوك طبيعي، وهو ما يظهر على الحيوانات في بيئتها الطبيعية وليكن الغابة، والثاني سلوك غير طبيعي أو شاذ مثل أن تضع حيوان في قفص فتجده غير مستقر في مكان، ودائم الحركة، وذلك دائماً ما يكون سببه الحبس الزَّائد، أمَّا السلوك الثالث والأخير فيظهر على الحيوانات المنزلية ولاسيما في موسم التزاوج ومنعه من ذلك النشاط، أو أن تكلّمه بصوت عالي”.

 

يشير أخصائي الإرشاد البيطري إلى أن السلوك الثالث يتضح في تصرفات طارئة على سلوك الحيوان، كأن يتبرز في مكان غير المُخصَّص له، مؤكداً ضرورة الذهاب بالحيوان إلى الإرشاد البيطري، فالحيوان في هذه الحالة يحتاج إلى تعديل سلوك، ومن النصائح التي يقدمها في تلك الحالة أن يغلق الباب أثناء قضاء الحيوان لحاجته إن كان يُترك مفتوحاً، أو أن يضع صندوق التبرّز في مكان هادئ إذا كان موضوعاً في مكان صاخب أو قريب من أفراد الأسرة، هكذا نعمل على تعديل سلوك الحيوانات”، مشيراً إلى أن الكلاب هي أكثر الحيوانات قابلية للتعلم وتقويم السلوك.

 

“الكلاب أكثر الحيوانات قابلية للتعلم وتقويم السلوك”.

وعن علامات الانتحار عند الحيوانات، يُشدِّد الدكتور علي محمد علي على أنَّ “انتحار الحيوانات بالإضراب عن الطعام لا يكون لأسباب نفسية فقط، فرغم أن الامتناع عن الأكل من أولى علامات الاكتئاب لدى الحيوان، إلا أنَّ ذلك قد يكون لسبب عضوي، مثل وجود شوكة في حلقه، أو ارتفاع في درجة الحرارة، أو أن يكون هناك أورام سرطانية، ومن هنا تكون الوفاة في تلك الحالة ليست انتحاراً لكن نتيجة لامتناعه عن الأكل”.

الحيوانات البرية تضرب عن الطعام

وتابع علي: “الحالات المسجلة في الإضراب عن الطعام هي حالات الحيوانات البرية، فعندما تأتي بهم تحت الأسر يضرب عن الطعام لمدة 10 أيام، ولكن عندما يدرك خطورة الأمر يبدأ بالأكل، ولكن يستمر في الإضراب عن التزاوج، لذلك نجد الفيلة “كريمة” ماتت في حديقة حيوان الجيزة دون أن تنجب، ولكن عكسهم الأسود والضباع، فهم يتعاملون مع الأمر بكل بساطة”.

 

ويؤكد علي على أن سفر أصحاب الحيوانات الأليفة وتركهم بالمنزل بمفردهم، يعد أهم أسباب اكتئاب الحيوانات، ونتيجة لذلك سعى البعض إلى توفير أماكن مخصصة لإيواء الحيوانات بشكل مؤقت في فترة سفر أصحابهم، فمثلاً نجد البيطري أشرف صابر قرر افتتاح فندق “الرحمة” البيطري لاستضافة الحيوانات الأليفة، والذي يقع مقرّه في ضواحي محافظة الجيزة، حيث عمل صابر سابقاً في الجمعية المصرية لحماية حقوق الحيوانات، ولكن بعد إغلاق الملجأ الخاص بالجمعية، ظلَّ راغباً في العمل مع الحيوانات، وحينها قرَّر إنشاء الفندق الخاصّ به.

إغلاق الحكومة فنادق خاصة بالكلاب

وقد لجأت الغردقة، المدينة السياحية على ساحل البحر الأحمر، إلى إنشاء فندق للكلاب، في محاولة لجذب السياح الذين لا يستطيعون ترك كلابهم أثناء سفرهم، وكان آخرهم الفندق الذي افتتح في أغسطس الماضي بمدينة الغردقة، فحسب تصريحات لوحيد رفعت، نقيب الأطباء البيطريين بالبحر الأحمر، جاءت فكرة الفندق لعدم إمكانية نزول الكلاب مع السائحين بنفس الفندق، موضحاً أنَّ عشرات السائحين لا يمكنهم ترك كلابهم في بلادهم ويضطرون للمجيء بها إلى الغردقة، ومؤكداً أنَّ الفندق استقبل حجوزات من سائحين من مختلف الجنسيات، ممن يصطحبون كلابهم معهم من بلادهم، مشيراً إلى أنَّ الفندق يستضيف أيضاً جميع أنواع الحيوانات الأليفة.

 

الفندق الذي أكد نقيب الأطباء البيطريين بالبحر الأحمر أنه ساعد على زيادة الحجوزات الفندقية، كان للحكومة رأي آخر بشأنه، فلم تمر 24 ساعة على واقعة استضافة أحد فنادق الغردقة للكلاب وتخصيص حمامات سباحة لها، إلا وظهرت مطالبات عدَّة بسرعة غلق الفندق لخطره على صحة الإنسان والسيَّاح في المدينة الساحلية بمحافظة البحر الأحمر، فضلًا عن مخالفته القانون والدستور والصحَّة العامة، وهو الأمر الذي استجاب له محافظ البحر الأحمر، يوم السبت 31 أغسطس الماضي، مُقرِّراً إغلاق فندق إيواء واستضافة الكلاب، مُرجِعاً السبب في ذلك إلى “عدم ترخيصه”.