الثلاثاء: 20 نوفمبر، 2018 - 11 ربيع الأول 1440 - 07:35 صباحاً
دفاتر
الأثنين: 10 سبتمبر، 2018

محمد يسري

تُعتبَر قضية كفر أو إيمان آباء الرسول وأجداده من القضايا الخلافية المهمة التي شهدت جدلاً كبيراً بين العلماء والفقهاء من السنّة والشيعة على مدار التاريخ الإسلامي الطويل.

استند الخلاف في هذه المسألة على تأويلات مختلفة لمجموعة من آيات القرآن الكريم، وعلى الاستشهاد بعدد من الأحاديث النبوية المتعارضة، بالإضافة إلى تضارب الأخبار الواردة في المصادر التاريخية المعتبرة، تلك التي أرّخت للفترة المبكرة من حياة الرسول في مكة.

بشكل عام، اتفق معظم العلماء السنّة على إثبات كفر آباء الرسول وأجداده، وإنْ ظهر بينهم فريق معارض كان قوامه الرئيسي من الصوفيين والأشاعرة، بينما كان القول بإيمان أجداد الرسول هو الرأي السائد والمتفق عليه في الأوساط الشيعية.

أهل الفترة بين التعذير والتكفير

تُعتبر قضية إيمان أو كفر آباء وأجداد الرسول من القضايا التي تندرج في المقام الأول تحت مباحث أحكام أهل الفترة.

مصطلح “أهل الفترة” يعني الناس الذين عاشوا في الفترات الواقعة بين كل نبيين، ومنها على سبيل المثال الفترة التي شهدت انقطاع الرسالة، ما بين النبيين عيسى ومحمد، وذلك بحسب ما يذكره ابن كثير في كتابه “تفسير القرآن العظيم”.

ولما كانت تلك الفترات الزمنية الممتدة على مدار بضعة قرون في بعض الأحيان، لم تشهد تواجد رسول أو نبي يعمل على هداية الناس ونصحهم وإرشادهم إلى السبيل القويم، فإن علماء الإسلام اختلفوا في الحكم على أهل تلك الفترات، واستشهد معظمهم بآيات القرآن الكريم التي تؤكد حتمية إرسال نذير لإبلاغ الناس بمراد الله منهم، ومنها على سبيل المثال ما ورد في سورة النساء {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، وما ورد في سورة الإسراء {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}.

ويعقب البغوي على تفسيره لهذه الآيات بقوله: “وذلك أن الله تعالى أجرى السنة أن لا يأخذ أحداً إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنباً إذا أُمر فلم يأتمر أو نُهي فلم ينته، وذلك بعد إنذار الرسل، ولا عذاب على كافر أصلاً حتى تبلغه نذارة الرسول، فالحجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان”.

وقال أصحاب الرأي القائل بعدم التكفير إن العدالة الإلهية المطلقة تمنع من إطلاق صفة الكفر على أهل تلك الأوقات، وإن الحكم على إيمانهم أو كفرهم مرده إلى الله تعالى في الآخرة، وإنه من المُرجح أن يعامَل هؤلاء بالكيفية التي سوف يعامَل بها الأطفال الذين لم يبلغوا سن التكليف، أو المشركين الذين لم تبلغهم دعوة نبي زمانهم.

في المقابل، استشهد علماء آخرون بما تواتر في المصادر التاريخية عن وجود رجال في المجتمع الجاهلي أعلنوا عن إيمانهم بملة إبراهيم الحنيفية، ومنهم ورقة بن نوفل وقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل.

وقال هؤلاء العلماء إن إيمان ذلك النفر من الرجال بالدعوة الإبراهيمية يؤكد على أن الرسالة الإلهية وصلت إلى المجتمع الجاهلي قبل الرسول بشكل أو بآخر، وذلك يستلزم إقامة أحكام الكفر والشرك على أبنائه. وممن قال بهذا الرأي النووي في شروحه لصحيح مسلم.

السنّة… تأرجح بين القبول والرفض

على الرغم من الجدل الكبير حول مسألة إيمان أبوي الرسول وأجداده، إلا أنها لم تشغل سوى مساحة هامشية في العقل المذهبي السني.

لم يتفق علماء وفقهاء السنة على رأي واحد في ما يخص المسألة، وتنوعت اجتهاداتهم وآراؤهم فيها قديماً وحديثاً.

الرأي الغالب عند أهل السنة يذهب إلى الحكم على أبوي الرسول وأجداده بالكفر الصريح، وذلك لثبوت مجموعة من الأحاديث الصحيحة التي يتفق بعضها مع بعض في الوصول إلى هذه النتيجة.

في صحيح مسلم، والذي يشغل مكانة مهمة في المدونة الحديثية السنية، ورد أن أحد الرجال قدم إلى الرسول، وسأله عن أبيه، فقال له الرسول: “إن أبي وأباك في النار”، وهو الحديث الذي علق عليه النووي في معرض شرحه لصحيح مسلم، بقوله: “فيه أن مَن مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم”.

ويُلحق بهذا الحديث حديث آخر ورد في صحيح مسلم أيضاً، يقول فيه الرسول: “استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي”، وهو ما يُفهم منه وفاة أم الرسول على الكفر، لكون الاستغفار للكافرين محرم بنص القرآن، في سورة التوبة.

ويتماشى مع هذا التوجه ما ورد من روايات في حادثة وفاة أبي طالب، عم الرسول، إذ تؤكد الروايات التاريخية السنية أن أبا طالب رفض الإيمان وهو على فراش الموت، واختار ملة أبيه عبد المطلب، ما جعل الرسول يقرّ بكفره، فقد وردت بعض الأحاديث التي تذكر أنه سوف يتم تخفيف النار على أبي طالب نظير مساندته ودعمه للنبي.

كل تلك الأحاديث والروايات التاريخية التي يقتنع بها العقل السني، تتفق مع ظاهر القصة القرآنية في سورة الأنعام، تلك التي تحكي عن موقف النبي إبراهيم مع أبيه الكافر أذر، الذي لم تعصمه أبوته لخليل الله من الوقوع في شراك الجاهلية وعبادة الأوثان.

ويقر أبو بكر البيهقي، في كتابه “دلائل النبوة”، بصحة ومنطقية جميع الروايات السابقة، ويقول: “كيف لا يكون أبواه وجده (يقصد الرسول) بهذه الصفة في الآخرة، وقد كانوا يعبدون الوثن حتى ماتوا”.

في المقابل، فإن تياراً علمياً مهماً داخل الحيز السني ذهب إلى التأكيد على إيمان والدي الرسول وأجداده، ومن هؤلاء أبو نعيم الأصبهاني المتوفي سنة 430 هـ.، إذ ذكر في كتابه “دلائل النبوة” أن أم الرسول لمّا ولدته، كانت تنظر له وتنشد قائلة: “إن صح ما أبصرت في المنام/ فأنت مبعوث إلى الأنام/ فالله أنهاك عن الأصنام/ أن لا تواليها مع الأقوام”.

ويُفهَم من هذه الأبيات إيمان أم الرسول وتوحيدها الصريح لله ونفورها من عبادة الأوثان.

أما فخر الدين الرازي المتوفي سنة 606 هـ.، فقد انطلق في دفاعه عن إيمان أجداد الرسول مما ورد في سورة الشعراء {وتقلبك في الساجدين}. يشرح في كتابه “أسرار التنزيل” المراد من الآية الكريمة، بأنها تشير إلى عملية انتقال الرسول في أصلاب أجداده من المؤمنين الموحدين، عبر الأجيال والقرون المتتابعة.

وفي السياق نفسه، عمل جلال الدين السيوطي المتوفي عام 911هـ.، على تنزيه أجداد الرسول عن الكفر، من خلال تصنيفه بعض المؤلفات المخصصة في ذلك الموضوع تحديداً، ومنها “الدرج المنيفة في الآباء الشريفة”، و”التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله في الجنة”.

ذكر السيوطي في تلك الكتب عدداً من الأحاديث التي تذكر أن الله تعالى أحيا أبوي الرسول بعد موتهم، فأسلما وآمنا بالرسالة المحمدية، ولكن أغلب تلك الأحاديث تم تضعيفها والحكم عليها بالوضع من جانب علماء الحديث السنة.

وكان الشيخ المصري المعاصر محمد متولي الشعراوي من ضمن علماء السنة الذين وقفوا في صف الدفاع عن إيمان أبوي الرسول، وظهر ذلك بشكل واضح في معرض تفسيره للقرآن الكريم، عندما والتأكيد بشتى السبل على إيمانهم بالتوحيد الخالص الذي لا يقبل الشك أو الجدل.

وربما يعود السبب الرئيسي في الإصرار على ذلك التوجه إلى قضية الإمامة الكبرى أو الخلافة، التي حصرها الشيعة الإثناعشرية بمجموعة من الأئمة المتحدرين من نسل علي بن أبي طالب، فلما كانت طهارة هؤلاء الأئمة والاعتقاد بعصمتهم المطلقة وتنزيههم عن كبائر الذنوب فضلاً عن صغائرها، أحد الشروط المهمة في شخوصهم، كان الحرص على نفي الكفر عن أبي طالب وعبد المطلب وهاشم أمراً لازماً لمسايرة النظرية كلها، خصوصاً أن تلك النظرة تتفق وتتماشى مع الاعتقاد بأن الله لا يمكن أن يترك الأرض بغير حجة على خلقه، وأن الزمن الذي يخلو من نبي لا يمكن أن يخلو من وصي أو إمام عادل مُنصب من قبل الله نفسه، بحسب وجهة النظر الشيعية.

يستند الشيعة في إثبات القول بإيمان آباء وأجداد الرسول على نفس الأدلة التي يستند إليها علماء السنة الذين تبنّوا الرأي نفسه، وفوق ذلك يستشهد الشيعة بمجموعة من الأحاديث الصريحة، ومن أشهرها ما ورد في كتاب “بحار الأنوار” للمجلسي، من قول علي بن أبي طالب “والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط”، وما ورد في السيرة الحلبية من قول الرسول “يُبعث جدي عبد المطلب يوم القيامة في زي الملوك وأبهة الأشراف”، وهي صورة تتعارض مع مصير الكافرين والمشركين في الآخرة.

في “بحار الأنوار” أيضاً، ينقل المجلسي عن الإمام السادس جعفر الصادق قوله إن جبريل نزل على الرسول وقال له: “يا محمد إن الله جل جلاله يقرئك السلام، ويقول إني حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك، فقال يا جبرائيل بين لي ذلك، فقال: أما الصلب الذي أنزلك فعبد الله بن عبد المطلب، وأما البطن الذي حملك فآمنة بنت وهب، وأما الحجر الذي كفلك فأبو طالب بن عبد المطلب وفاطمة بنت أسد”.

تتفق هذه الصورة مع أحد الأحاديث الشهيرة المتواترة في كتب الشيعة الإمامية، وهو قول الرسول “لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات”، وهو الحديث الذي اعتبر علماء الشيعة أنه يحمل نقداً ضمنياً لاذعاً للقول بكفر أجداد الرسول، لأن الطهارة تتعارض مع نجاسة الكفر التي تحدث عنها القرآن في سورة التوبة.

وكنوع من أنواع التاريخ الموازي، يرفض علماء الشيعة القول بصحة الروايات التاريخية التي تدّعي وفاة أبي طالب على الكفر، وتعطي له مكانة عظمى في المذهب، إذ تجعل موالاته للرسول نوعاً من الجهاد والدعم الديني، وترفض أن تقصرها على المنحى القبلي والعشائري مثلما يتم تصوير ذلك في النسق السني.

ومن هنا، يمكننا أن نفهم لماذا سمّى العالم الشيعي الشهير ابن شهر أشوب المازندراني المتوفي سنة 588 هـ، أحد أهم كتبه، والذي دوّن فيه سيرة الأئمة الإثناعشر بـ”مناقب آل أبي طالب”.

أيضاً، يستند الشيعة في رسم الصورة الإيمانية لعبد المطلب إلى أن الروايات التاريخية تكاد تجمع على أنه لما قدم أبرهة الحبشي قاصداً هدم الكعبة، فإن سيد قريش لم يهرع لطلب المساعدة من الأصنام، بل توكل على الله وحده فدعاه وتضرع له، كما أنه هو الذي اختار اسم حفيده، وكان يستشعر بعظم مكانته وبما ينتظره من مستقبل حافل، حتى أنه وصى عليه عمه أبو طالب قُبيل وفاته.

أيضاً، تستند الرؤية الشيعية إلى أن الرسول كان دائم الافتخار والاعتزاز بجده في كل موقف، ولعل أهم تلك المواقف كان في غزوة حنين، عندما وقف النبي في المعركة قائلاً: “أنا النبي لا كذب/ أنا بن عبد المطلب”، وهو الأمر الذي لا يمكن قبول صدوره من الرسول لو كان والده كافراً أو عابداً للأصنام.