الأربعاء: 28 أكتوبر، 2020 - 11 ربيع الأول 1442 - 04:39 مساءً
ثقافة وفن
الأحد: 22 يناير، 2017

حاوره: حيدر ناشي آل دبس

 

 

الدكتور قاسم حسين صالح أحد أهم علماء النفس العراقيين، أسس الجمعية النفسية العراقية ويرأسها حالياً، قدم الكثير من الدراسات النفسية ، واصفاً ومحللاً الأمراض النفسية والاجتماعية المتفشية في الواقع العراقي والعربي. التقته عواجل برس، ووجهت إليه عددا من الأسئلة في الشأن العراقي:

 
التشوهات
*حملت مرحلة ما بعد الاحتلال الامريكي تشوهات اجتماعية وسياسية كبيرة، الى ماذا تحيل أسبابها؟

– إن أفدح كوارثنا الأخلاقية والاجتماعية هو ما حصل (للضمير العراقي) في السنوات الثلاثين الأخيرة. لكن لنتفق اولاً على تحدبد مفهوم الضمير ، فهنالك من يصفه بـ(القاضي) الذي يحاسبنا على اخطائنا، وهنالك من يصفه بـ(الحارس) أو (الرادع) الذي يردعنا حين نهمّ القيام بفعل غير اخلاقي، أو (الرقيب) على السلوك قبل وعند وبعد الشروع بأي عمل، فيما يصف الضمير بالصدق والايمان. ونحن نحكم على الاشخاص بقولنا (عنده ضمير) إن كان ذا اخلاق، و(ما عنده ضمير، او ضميره ميت) إن كان عديم الأخلاق، ما يعني ان كل واحد منّا هو منظومة من القيم الأخلاقية، وأن الضمير هو (رئيس)هذه المنظومة، وأن هذا الرئيس هو الذي يحدد أهداف الفرد ونوعية تصرفاته مع الآخرين. فإن كانت مطابقة لقيم وأخلاق المجتمع الذي يعيش فيه قال عنه الناس (صاحب ضمير) ، وإن خالفها قالوا عنه (ضمير سز).

 
وما لا يدركه كثيرون أن الضمير هو القوة الفاعلة والمؤثرة في السلوك والمواقف والإتجاهات والانفعالات، وأنه عندما يخفت أو يغيب صوته يسود في المجتمع قانون الغابة وينقسم إلى جماعتين : أقلية قوية تمتلك السلطة والثروة ووسائل الاستبداد تمارسها بضمير قاس متحجر ميت، وأكثرية فقراء وضعفاء ومغلوب على أمرهم تضطر إلى الإذعان وممارسة السرقة والغش والحيلة، بضمير يبرر ممارسة كل رذيلة تؤمن لصاحبه العيش.

 
وتشير الدراسات الاجتماعية عبر التاريخ إلى أن ألد ثلاثة أعداء الضمير هي :الحروب والظلم والكراهية، والكارثة أنها تجسدت في العراق بأبعد مدياتها، ووجهت ضربات موجعة إلى الضمير الفردي والجمعي . فمعروف أن الاضرار الاجتماعية الفادحة للحرب الطويلة، تحدث تخلخلاً في المنظومات القيمية للأفراد وتضعف الضمير عند كثيرين وتهرؤه عند آخرين، وتدخله في غيبوبة عند أغلبية مطلقة، فكيف بالعراقيين الذين خبروا ثلاثة حروب كارثية على مدى ست وثلاثين سنة، ورابعة مع الإرهاب ما تزال مستمرة؟!.

 
تعرض العراقيون إلى ظلم اقتصادي واجتماعي، فأكثر من ثلثهم يعيشون تحت خط الفقر رغم أنهم في أغنى بلد في العالم، وعشرة ملايين بين أطفال يتامى وأرامل ومطلقات زادت نسبتهن في الزمن “الديمقراطي!”. فضلاً عن بطالة شباب جامعيين بينهم آلاف المهندسين، فيما شاع الاحتراب الطائفي والتهجير والصراع السياسي والانتماءات العشائرية والقومية الكراهية بين العراقيين. ما يعني أن ضمير الشاب العراقي الذي ولد في حرب ونشأ في حرب ويعيش الآن أكثر من حرب هو غير ضمير جده الذي ما خبر مثل هذه الكوارث..فضلا عن انه يعيش في زمن لم يعد فيه الفساد خزيا. ومعروف عن الإنسان الفاسد أنه (لا ذمّة ولا ضمير).

 
إن أحد الأسباب الرئيسة لضعف الضمير عند العراقيين هو غياب الحاكم القدوة، ولنضرب على ذلك مثلاً ،عبد الكريم قاسم. فقد اكتفى هذا الرجل براتبه الشخصي وما وجدوا في جيبه أكثر من بقايا دينار، ولم يزد عدد افراد حمايته ومرافقيه عن عشرة، وبنى في أربع سنوات مدناً (اليرموك، الضباط، الثورة، الشعلة)وبنايات شاهقات كوزارة التخطيط، مدينة الطب، فاقتدى الناس به وانتعش الضمير، فيما الحكام الحاليون منحوا أنفسهم رواتب خيالية وصار تحت تصرفهم ما يشتهون ويتمنون، وهم إذا بنوا نهبوا حصة الأسد، فنافورة صغيرة بناها محافظ بغداد السابق بمليار دولار!! حسب تصريح محافظها الجديد، وكان بين الناهبين أصحاب عمائم ورجال دين، وآخرون صاروا قادة عملوا من القبائح والتناقض بين الأقوال والأفعال والسخرية من الناس والضحك عليهم ونكث الوعود وخلق ازمات تشغلهم عن مآسي حياتهم.

 

 

وننبه إلى كارثة حقيقية هي أن الضمير العراقي مرّ في الستين سنة الماضية بثلاث مراحل، الأولى كان فيها يميز بين الحلال والحرام ويخاف الحرام. والثانية اختلط عليه الحلال والحرام ودفعه التشوش إلى التجاسر على ارتكاب الحرام. والثالثة صار ارتكاب فعل الحرام عادياً بعد شيوع الفساد ولم يعد خزياً. أما الرابعة فسيطرق الضمير العراقي بابها ولكم أن تصفوه كيف سيكون!..وكيف سيكون أهله..إن بقينا عنه غافلون!

 

 

عقد نقص الحكام
*من خلال التجربة الملموسة للحكومات المتعاقبة منذ الاحتلال الامريكي لغاية الآن، نرى أن سياسيي السلطة يعانون عقد نقص في تعاملهم مع شركائهم في العملية السياسية، ما تعليقك على ذلك؟

– سياسيون السلطة يعانون عقدة النقص في تعاملهم مع العلماء والمفكرين والمثقفين، لأنهم افضل منهم علما وفكر وثقافة وشهادة، ولهذا فهم يتعمدون اقصاءهم او تهميشهم حتى لا يكونوا في الصورة التي يراها المواطن..للمقارنة!
أما مع شركائهم فهم يعانون عقدة (البارانويا). وللتوضيح فإن البرانويا في السيكولوجيا تعني أسلوباً مضطرباً من التفكير يسيطر عليه نوع غير منطقي “غير عقلاني” من الشك وعدم الثقة بالناس، ونزعة دائمة نحو تفسير أفعال الآخرين على أنها تآمر أو تهديد مقصود أو مهين.
وقد نجمت هذه العقدة عن تواتر الاستيلاء على السلطة في العراق بالثورات والانقلابات الدموية والانتقامية، فأصيب بها كل من اخذ السلطة، وسيطرت على أغلبهم حالة هوسية من التآمر عليهم والشك بالآخر حتى لو كان بريئا.غير أنها كانت لدى حكام ما بعد التغيير حالة مرضية لدى العديد منهم، فيما وظفها آخرون بشكل خبيث بأن طعموها بالطائفية، ونجحوا في ذلك بأن اكلتها جماهيرهم واستطعمتها!

 

 
التيار المدني

*عانى التيار المدني التشتت في قياداته وكثرة اعتراضات جمهوره على تسلكات وآراء بعض قادته، ما هي أسباب هذا التشتت برأيك؟

– المشكلة في التيار المدني أنه يعاني من حالة سيكولوجية هي عقدة (تضخم الأنا) عند قياداته، فكل واحد يرى أنه (القائد) ولهذا ما توحدوا برغم أننا كنا نبهنا الى ذلك بعد تظاهرات شباط 2011. فضلاً عن ذلك أن الاحتراب الطائفي (2006-2008) اضطر التيار المدني أن يصمت خوفاً، أو أن صوته لا يكون مسموعاً والناس مأزومة بالكراهية ومعبأة بدافع الانتقام.
والحال تراجع مدّ الطائفية الذي كان جارفا، وللتيار المدني فرصة الى أن يتوحد. وارى أن الفرصة الأكبر هي التقارب مع كتل سياسية دينية فاعلة تدعو إلى الاصلاح وتطالب بمحاكمة الفاسدين، والعلمانيين والدينيين المتنورين ، ويمكن الالتقاء لتحقيق هدف مشترك يخدم جماهيرهم والوطن، شرط أن يكون ذلك ضمن برنامج واضح قائم على الوضوح وصدق النوايا.

 

 

الإسلام السياسي

*بعد أن أصبح واضحاً فساد قوى الاسلام السياسي، وفشلها في إدارة مؤسسات الدولة، لا زالت تملك قاعدة جماهيرية واسعة، ياترى ماهي بتصورك الادوات والاساليب التي مكنتهم من إحكام سيطرتهم على الجماهير؟
– السبب الرئيس هو أن قادة هذه القوى عزفوا على الوتر الطائفي، والناخب العراقي ما يزال مغيب وعيه ، وأن الشيعي البسيط تحديدا يرى أن وجود حكومة شيعية في العراق هي أفضل حتى لو كانت فاسدة. فضلا عن ان الكثير من البسطاء استنفعوا من احزاب السلطة التي تقاسمت الثروة و(أسعدوهم) ماديا ومكنوهم اجتماعيا ، فصار انتماءهم لهذه الاحزاب فقط ، وما عاد يهمهم المستقبل ولا الوطن.

 

 

الاحتجاج المدني
*حركة الاحتجاج المدني استطاعت تحريك الشارع العراقي للمطالبة بالحقوق المسلوبة، هل تعتقد أن باستطاعتها جذب جمهور أكبر وتغيير المشهد السياسي؟
نعم تستطيع، بثلاثة شروط: تغيير خطابها بتوعية الناخب العراقي بما يخلق لديه الإقناع..وهذا يحتاج الى سيكولوجيين متخصصين بتغيير الاتجاهات، اتفاق العلمانيين والمدنيين والدينيين المتنورين على برنامج انتخابي وطني ديمقراطي ، وتبنيها شعار (تغيير قانون الانتخابات) والإصرار على تحقيقه في تظاهراتها، وبمساندة من دول الاتحاد الاوربي تحديدا.