الخميس: 19 أبريل، 2018 - 03 شعبان 1439 - 08:53 مساءً
ملفات
الأربعاء: 3 يناير، 2018

عواجل برس/ بغداد

لا تكتسي أسواق مدينة النجف العراقية عادة الأخضر والأحمر في موسم عيد الميلاد.

وحين أقامت مجموعة ناشطين مدنيين عام 2013، احتفالاً بسيطاً برأس السنة فيها، وزينت شجرة يتيمة في شارع الروان، واستضافت عوائل مسيحية لمشاركتها الاحتفال، كثر الجدال في المدينة وثار نقاش بين السكان.

تلك المدينة العراقية التي تضمّ مرقد الإمام علي، وأكبر مقبرة في العالم، مقبرة وادي السلام التي ترقد فيها جثث الملايين، لا تحتفل عادة برأس السنة والميلاد.

ولم يتجرأ أحد في محافظة النجف، وهي بمثابة مدينة الشيعة المقدسة ومكان إقامة أعلى مرجع ديني شيعي في العالم وهو علي السيستاني، على القيام بأي نشاط أو فاعلية يعتبرها البعض “تُخالف” الشريعة الإسلامية في الماضي.

لكن المشهد اختلف خلال السنوات الأربع الأخيرة. وقد كان هذا العام أكثرها وضوحاً.

ففي الأيام الأخيرة من عام 2017 في النجف، كان الوضع مختلفاً عن السنوات الثلاث الماضية: الشجرة اليتيمة التي وُضعت عام 2013 صارت الآن في كل مكان، والذين رفضوا هذا الاحتفال سابقاً أصبحوا ضمن المحتفلين هذه المرة.

ولم يكن الفرق بين شارع الروان، في محافظة النجف، وشارع الكرادة الشهير في بغداد الذي يتزين في موسم الأعياد بالزينة، كبيراً جداً الأسابيع الماضية، على عكس سنوات كثيرة، من حيث أجواء بيع أشجار الميلاد ودُمى بابا نويل وملابسه الحمر.

بدأت محال تجارية بيع أشجار الميلاد وملابس بابا نويل في محافظة النجف، إضافة إلى مستلزمات احتفالات رأس السنة الميلادية.

لم يقتصر الأمر على بيع الأشجار، بل راحت أفران المعجنات تصنع كعكات خاصة بعيد الميلاد وتعلن عنها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

يقول بعض ناشطي المجتمع المدني في النجف لرصيف22، أن المدينة شهدت الأسبوع الماضي “تعايشاً سلمياً”.

المحاولة الأولى – 2013

في عام 2013، طلب ياسر مكي (24 سنة) من مالك المركز التجاري، ستي مول في محافظة النجف، وضع شجرة ميلاد متوسطة الحجم داخل متجره ليتجمع الناس حولها في ليلة رأس السنة، إلّا أنه رفض.

صُدم مكي وهو طبيب أسنان ومتطوع في فريق موجة للنشاطات المدنية، واحتشدت في باله مجموعة أفكار.

هل سنتعرض للاعتداء إذا احتفلنا؟

هل سنشاهد أي نتيجة سلبية بعد الاحتفال؟

هل ستكون هذه أول وآخر مرة نحتفل بها؟

لم يكن أمام طبيب الأسنان الشاب وأصدقائه في فريق موجة إلا القيام بنشاطهم في شارع الروان، والذي يُعد من أشهر شوارع المحافظة.

وضعوا شجرة صغيرة واحتفلوا بها، لكنهم تعرضوا لهجمة واتهامات وتخوين من قبل “متطرفين”، بحسب ما وصفهم مكي.

لم تمر الأيام أو الأشهر التي أعقبت الاحتفال، على خير.

بعض ما كان يتوقعه الشباب حدث، لكن ذلك لم يصل إلى مرحلة الاعتداءات الجسدية أو المُسلحة.

كانت التُهم التي تعرضت لها مجموعة الناشطين التي نظمت الاحتفال، “قاسية” بحسب وصفها، تراوحت بين الإلحاد والزندقة والدعم الغربي لإلغاء هوية المدينة الإسلامية، فيما وصفهم آخرون بالمثلية.

استمر فريق موجة يحتفل بالعيد منذ ذلك العام على نطاق ضيق،

وبدأت الانتقادات تقل عاماً بعد آخر.

هذا العام، دخل الفريق المركز التجاري (ستي مول) وتفاجأ بوجود شجرة ميلاد كبيرة داخله. هو المركز التجاري ذاته الذي رفض صاحبه قترح الشباب المتطوعين قبل أربع سنوات.

التغيير الذي حصل منذ عام 2013 لم يكن سطحياً أو آنياً، فهو كان نتيجة عمل مستمر بين الشباب الناشطين وانفتاح بعض رجال الدين على الديانات الأخرى، أبرزهم المرجع الأعلى علي السيستاني.

أقوال جاهزة

شاركغردالنجف، المدينة العراقية التي تضمّ مرقد الإمام علي لا تحتفل عادة برأس السنة والميلاد. ماذا تغير هذا العام؟

شاركغردبدأت محال تجارية بيع أشجار الميلاد وملابس بابا نويل خلال العامين الماضيين في محافظة النجف

لم تعد النجف مكاناً لرجال الدين المعممين أو للموت فحسب، فهي في الأصل مركز سياسي وثقافي وعلمي.

كانت النجف عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2012، وفيها مدينة الكوفة المعروفة بتاريخها العلمي، وهي مدينة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري. وقد احتضنت أخيراً مؤتمرات تسعى إلى التقاء الأديان والثقافات.

كما نشط كرسي اليونيسكو في جامعة الكوفة بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة في عقد المؤتمرات والندوات الخاصة بالتقارب بين الأديان.

ساعدت مواقف السيستاني الداعمة الدولة المدنية، في خلق مساحة كافية لمكي وزملائه من العمل هناك بحرية محدودة.

شجرة الميلاد رسالة إلى المتطرفين

في بداية كانون الأول (ديسمبر) 2017، حضّر مكي وزملاؤه في محافظة النجف للاحتفال بالعام الجديد الذي يعتبره ممارسة “حريات شخصية”.

يقول مكي لرصيف22: “وجود أشجار الميلاد وبيعها في أسواق محافظة النجف، رسالة إلى التطرف والمتطرفين الذين يُريدون خلق بيئة جافة وغير متعددة وبلون واحد”. وينقل عن بعض رجال الدين الذين التقاهم في محافظة النجف قولهم: “لا مشكلة عندهم في الاحتفال برأس السنة”.

اعتراضاتٌ على الاحتفال

بيع أشجار الميلاد بأحجام مختلفة وفي أماكن عدة لا يعني أن هناك قبولاً تاماً لمثل هذه الاحتفالات في النجف المدينة “المحافظة”، بل هناك مواقف رافضة الأمرَ، وتعتبره “تشويهاً” لهوية المدينة الإسلامية البحت.

يقول رجل دين بعمامة بيضاء (شيخ) واسمه علي الزيرجاوي (33 سنة) لرصيف22 في ستي مول: “إن الاحتفال برأس السنة الميلادية لا يمت إلى الإسلام بأي صلة، ووجود هذه المظاهر في مدينة إسلامية مثل النجف غير مرحب به”.

وعلى الرغم من أن الزيرجاوي ليس لديه أي اعتراض أو أي موقف تجاه أبناء الديانة المسيحية، إلا أن إعتراضه كان على انتشار بيع الأشجار في النجف وتنظيم بعض التجمعات للاحتفال برأس السنة الميلادية.

تقف امرأة في عقدها الرابع مع طفلها أمام محل، وهي تنظرُ إلى ملابس بابا نويل. كان طفلها يلح عليها في شراء زي رجل الهدايا، حتى أجبرها على ما يُريد.

تحدثت المرأة بطريقة غير مباشرة لرصيف22، عن سعادتها بتوافر متطلبات عيد الميلاد في مدينتها.

“قبل سنوات، كانت ابنتي تبكي لعدم توافر ملابس بابا نويل وأشجار الميلاد في المحافظة، وكنّا نضطر لطلبها من بغداد”.

لا تجد المرأة الثلاثينية أي تعارض بين الاحتفال بعيد الميلاد وتمسكها بدينها الإسلامي، وترى أن “الإسلام حفزنا ودفعنا إلى مشاركة الآخرين احتفالاتهم وأحزانهم”.